التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء السادس
ربيعة ( ع )

بن أبي عبد الرحمن فروخ ، الإمام ، مفتي المدينة ، وعالم الوقت أبو عثمان .

ويقال : أبو عبد الرحمن القرشي التيمي ، مولاهم المشهور بربيعة الرأي ، من موالي آل المنكدر .

روى عن أنس بن مالك ، والسائب بن يزيد ، وسعيد بن المسيب ، والحارث بن بلال بن الحارث ، ويزيد مولى المنبعث ، وحنظلة بن قيس الزرقي ، وعطاء بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار ، وسالم بن عبد الله ، وعبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعبد الرحمن الأعرج ، وعدة .

وكان من أئمة الاجتهاد .

وعنه : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وسليمان التيمي ، وسهيل بن أبي صالح ، وهم من أقرانه . وإسماعيل بن أمية ، والأوزاعي ، وشعبة ، وعقيل بن [ ص: 90 ] خالد ، وعمرو بن الحارث ، ومالك وعليه تفقه . وسفيان الثوري ، وحماد بن سلمة ، وفليح بن سليمان ، والليث بن سعد ، ومسعر ، وعمارة بن غزية ، ونافع القارئ ، وإسماعيل بن جعفر ، وأبو بكر بن عياش ، وابن المبارك ، وسفيان بن عيينة ، وأنس بن عياض الليثي ، وخلق سواهم .

محمد بن كثير المصيصي ، عن ابن عيينة قال : بكى ربيعة يوما ، فقيل : ما يبكيك ؟ قال : رياء حاضر ، وشهوة خفية . والناس عند علمائهم كصبيان في حجور أمهاتهم ، إن أمروهم ائتمروا ، وإن نهوهم ، انتهوا ؟ ! .

وروى ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء بن جميل قال : قال ربيعة : رأيت الرأي أهون علي من تبعة الحديث .

قال الأويسي : قال مالك : كان ربيعة يقول لابن شهاب : إن حالي ليست تشبه حالك . قال : وكيف ؟ قال : أنا أقول برأي من شاء أخذه ، ومن شاء تركه ، وأنت تحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيحفظ .

قال أبو ضمرة : وقف ربيعة على قوم يتذاكرون القدر ، فقال ما معناه : إن كنتم صادقين ، فلما في أيديكم أعظم مما في يدي ربكم ، إن كان الخير والشر بأيديكم .

وقال أحمد بن عبد الله العجلي في تاريخه : حدثني أبي قال : قال ربيعة : وسئل كيف استوى ؟ فقال : الكيف غير معقول ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق . وصح عن ربيعة ، قال : العلم وسيلة إلى كل فضيلة .

قال مالك : قدم ربيعة على أمير المؤمنين ، فأمر له بجارية ، فأبى ، فأعطاه خمسة آلاف ليشتري بها جارية ، فأبى أن يقبلها .

وعن ابن وهب : أنفق ربيعة على إخوانه أربعين ألف دينار ، ثم جعل يسأل [ ص: 91 ] إخوانه في إخوانه .

النسائي : حدثنا أحمد بن يحيى بن وزير ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان : كنا إذا رأينا طالبا للحديث يغشى ثلاثة ، ضحكنا منه ، ربيعة ، ومحمد بن أبي بكر بن حزم ، وجعفر بن محمد ، لأنهم كانوا لا يتقنون الحديث .

روى مطرف عن ابن أخي ابن هرمز : رأيت ربيعة ، جلد وحلق رأسه ولحيته . قال إبراهيم بن المنذر : كان سببه سعاية أبي الزناد به .

قال مطرف : سمعت مالكا يقول : ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة .

قلت : وكان من أوعية العلم ، وثقه أحمد بن حنبل ، وأبو حاتم ، وجماعة .

وقال أحمد : أبو الزناد أعلم منه .

وقال يعقوب بن شيبة : ثقة ، ثبت ، أحد مفتي المدينة .

قال أبو داود : ربيعة وعمر مولى غفرة ابنا خالة .

وقال مصعب الزبيري : كان يقال له : ربيعة الرأي ، وكان صاحب الفتوى بالمدينة ، وكان يجلس إليه وجوه الناس . كان يحصى في مجلسه أربعون معتما . وعنه أخذ مالك بن أنس .

وروى الليث عن يحيى بن سعيد قال : ما رأيت أحدا أفطن من ربيعة بن أبي عبد الرحمن .

وروى الليث عن عبيد الله بن عمر قال : هو صاحب معضلاتنا ، وعالمنا ، وأفضلنا .

ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال : مكث ربيعة دهرا طويلا عابدا ، يصلي الليل والنهار ، صاحب عبادة ، ثم نزع ذلك إلى أن جالس القوم ، قال : فجالس القاسم ، فنطق بلب وعقل . قال : وكان القاسم إذا سئل [ ص: 92 ] عن شيء ، قال : سلوا هذا لربيعة ، فإن كان في كتاب الله ، أخبرهم به القاسم ، أو في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلا قال : سلوا ربيعة أو سالما .

الحارث بن مسكين ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال : كان يحيى بن سعيد ، يجالس ربيعة ، فإذا غاب ربيعة ، حدثهم يحيى أحسن الحديث . وكان كثير الحديث ، فإذا حضر ربيعة ، كف يحيى إجلالا لربيعة ، وليس ربيعة أسن منه ، وهو فيما هو فيه ، وكان كل واحد منهما مبجلا لصاحبه .

وروى معاذ بن معاذ عن سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ما رأيت أحدا أعلم من ربيعة الرأي . قلت : ولا الحسن وابن سيرين ؟ قال : ولا الحسن وابن سيرين .

ابن وهب عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، قال : لما جئت العراق جاءني أهل العراق ، فقالوا : حدثنا عن ربيعة الرأي ، فقلت : يا أهل العراق ، تقولون ربيعة الرأي ، والله ما رأيت أحدا أحفظ لسنة منه .

ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد ، قال : صار ربيعة إلى فقه وفضل ، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق ، أو لابن صديق ، أو لباغ يبتغيه منه . كان يستصحبه القوم ، فيأبى صحبة أحد ، إلا أحدا لا يتزود معه ، ولم يكن في يده ما يحمل ذلك .

ابن وهب عن مالك ، قال : لما قدم ربيعة على أمير المؤمنين أبي العباس ، أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها . فأعطاه خمسة آلاف درهم يشتري بها جارية حين أبى أن يقبلها ، فأبى أن يقبلها .

[ ص: 93 ] وحدثني مالك عن ربيعة قال : قال لي حين أراد العراق : إن سمعت أني حدثتهم ، أو أفتيتهم فلا تعدني شيئا . قال : فكان كما قال . لما قدمها لزم بيته ، فلم يخرج إليهم ، ولم يحدثهم بشيء حتى رجع .

قال أحمد بن عمران : سمعت أبا بكر بن عياش يقول : دخلت المسجد ، فإذا ربيعة جالس ، وقد أحدق به غلمان أهل الرأي ، فسألته : أسمعت من أنس شيئا ؟ قال : حديثين .

قال أبو بكر الخطيب : كان ربيعة فقيها ، عالما ، حافظا للفقه والحديث . قدم على السفاح الأنبار ، وكان أقدمه ليوليه القضاء . فيقال : إنه توفي بالأنبار ، ويقال : بل توفي بالمدينة .

وقال ابن سعد : توفي سنة ست وثلاثين ومائة بالمدينة فيما أخبرني به الواقدي .

وقال يحيى بن معين وغيره : مات بالأنبار ، وكان ثقة كثير الحديث ، وكانوا يتقونه لموضع الرأي . وكذا أرخه جماعة .

قال مطرف بن عبد الله : سمعت مالكا يقول : ذهبت حلاوة الفقه ، منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن .

ذكر حكاية باطلة قد رويت : فأنبأنا المسلم بن محمد ، أنبأنا الكندي ، أنبأنا القزاز ، أنبأنا الخطيب ، أنبأنا أبو القاسم الأزهري ، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي بمصر ، حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، حدثني مشيخة أهل المدينة : أن فروخ والد ربيعة ، خرج في البعوث إلى خراسان ، أيام بني أمية غازيا ، وربيعة حمل في بطن أمه ، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار ، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة ، وهو راكب فرس ، في يده رمح ، فنزل عن فرسه ، ثم دفع الباب برمحه ، فخرج ربيعة ، فقال : يا عدو الله ، أتهجم على منزلي ؟ فقال : لا . وقال فروخ : يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمتي ، [ ص: 94 ] فتواثبا وتلبث كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران . فبلغ مالك بن أنس والمشيخة ، فأتوا يعينون ربيعة ، فجعل ربيعة يقول : والله لا فارقتك إلا عند السلطان ، وجعل فروخ يقول كذلك ، ويقول : وأنت مع امرأتي . وكثر الضجيج ، فلما أبصروا بمالك ، سكت الناس كلهم . فقال مالك : أيها الشيخ : لك سعة في غير هذه الدار ، فقال الشيخ : هي داري . وأنا فروخ مولى بني فلان . فسمعت امرأته كلامه ، فخرجت ، فقالت : هذا زوجي .

وهذا ابني الذي خلفته ، وأنا حامل به ، فاعتنقا جميعا ، وبكيا ، فدخل فروخ المنزل وقال : هذا ابني ؟ قالت : نعم . قال : فأخرجي المال الذي عندك . وهذه معي أربعة آلاف دينار . قالت : المال قد دفنته ، وأنا أخرجه بعد أيام .

فخرج ربيعة إلى المسجد ، وجلس في حلقته ، وأتاه مالك بن أنس ، والحسن بن زيد ، وابن أبي علي اللهبي ، والمساحقي ، وأشراف أهل المدينة ، وأحدق الناس به .

فقالت امرأته : اخرج صل في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فخرج فصلى ، فنظر إلى حلقة وافرة ، فأتاه فوقف عليه ، ففرجوا له قليلا ، ونكس ربيعة رأسه ، يوهمه أنه لم يره ، وعليه طويلة ، فشك فيه أبو عبد الرحمن ، فقال : من هذا الرجل ؟ قالوا له : هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن . فقال : لقد رفع الله ابني . فرجع إلى منزله ، فقال لوالدته : لقد رأيت ولدك في حالة ، ما رأيت أحدا من أهل العلم والفقه عليها . فقالت أمه : فأيما أحب إليك : ثلاثون ألف دينار ، أو هذا الذي هو فيه من الجاه ؟ قال : لا والله إلا هذا . قالت : فإني قد أنفقت المال كله عليه ، قال : فوالله ما ضيعته .

قلت : لو صح ذلك ، لكان يكفيه ألف دينار في السبع والعشرين سنة ، بل [ ص: 95 ] نصفها ، فهذه مجازفة بعيدة . ثم لما كان ربيعة ابن سبع وعشرين سنة ، كان شابا لا حلقة له ، بل الدست لمثل سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومشايخ ربيعة . وكان مالك لم يولد بعد أو هو رضيع . والطويلة : إنما أخرجها للناس المنصور بعد موت ربيعة . والحسن بن زيد وإنما كبر واشتهر بعد ربيعة بدهر . وإسنادها منقطع . ولعله قد جرى بعض ذلك .

قرأت على أبي المعالي : أنبأنا أحمد بن إسحاق ، أنبأنا أبو هريرة محمد بن الليث اللبان ، وزيد بن هبة الله البيع ببغداد ، قالا : أنبأنا أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي بن قفرجل ، أنبأنا عاصم بن الحسن ، أنبأنا عبد الواحد بن محمد ، حدثنا الحسين بن إسماعيل القاضي إملاء ، حدثنا أحمد بن إسماعيل ، حدثنا مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن حنظلة بن قيس الزرقي ، أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال : نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كراء الأرض . فقلت : أبالذهب والورق ؟ قال : أما الذهب والورق ، فلا بأس به .

هذا حديث صحيح عال ، أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن قتيبة ، كلاهما عن مالك بن أنس .

قال ابن القاسم ، عن مالك : قدم الزهري فأخذ بيد ربيعة ، ودخلا المنزل ، فما خرجا إلى العصر ، وخرج ابن شهاب يقول : ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة . وخرج ربيعة وهو يقول نحو ذلك .

قال أحمد بن صالح : حدثنا عنبسة ، عن يونس ، شهدت أبا حنيفة في [ ص: 96 ] مجلس ربيعة ، مجهوده أن يفهم ما يقول ربيعة .

مطرف بن عبد الله ، عن ابن أخي يزيد بن هرمز ، أن رجلا سأل ابن هرمز عن بول الحمار . فقال : نجس . قال : فإن ربيعة لا يرى به بأسا ، قال : لا عليك ألا تذكر هنات ربيعة ، فلربما تكلمنا في المسألة نخالفه فيها ، ثم نرجع إلى قوله بعد سنة .

قال مالك : اعتممت وما في وجهي شعرة ، ولقد رأيت في مجلس ربيعة بضعة وثلاثين معتما .

قال عبد العزيز بن الماجشون : والله ما رأيت أحوط لسنة من ربيعة .

وقال مالك : كان ربيعة أعجل شيء جوابا .

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة