التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء السابع عشر
أبو ذر الهروي

الحافظ الإمام المجود ، العلامة ، شيخ الحرم ، أبو ذر ، عبد بن [ ص: 555 ] أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير بن محمد ، المعروف ببلده بابن السماك ، الأنصاري الخراساني الهروي المالكي ، صاحب التصانيف ، وراوي " الصحيح " عن الثلاثة : المستملي ، والحموي ، والكشميهني .

قال : ولدت سنة خمس أو ست وخمسين وثلاثمائة .

سمع أبا الفضل محمد بن عبد الله بن خميرويه ، وبشر بن محمد المزني ، وعدة بهراة ، وأبا بكر هلال بن محمد بن محمد ، وشيبان بن محمد الضبعي بالبصرة ، وعبيد الله بن عبد الرحمن الزهري ، وأبا عمر بن حيويه ، وعلي بن عمر السكري ، وأبا الحسن الدارقطني ، وطبقتهم ببغداد ، وعبد الوهاب الكلابي ونحوه بدمشق ، وأبا مسلم الكاتب وطبقته بمصر ، وزاهر بن أحمد الفقيه بسرخس ، وأبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي ببلخ ، وأبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عثمان الدينوري ، وغيره بمكة . وألف " معجما " لشيوخه ، وحدث بخراسان وبغداد والحرم .

حدث عنه : ابنه أبو مكتوم عيسى ، وموسى بن علي الصقلي ، وعلي بن محمد بن أبي الهول ، والقاضي أبو الوليد الباجي ، وأبو عمران موسى بن أبي حاج الفارسي ، وأبو العباس بن دلهاث ، ومحمد بن شريح ، وأبو عبد الله بن منظور ، وعبد الله بن الحسن التنيسي ، وأبو صالح أحمد بن عبد [ ص: 556 ] الملك المؤذن ، وعلي بن بكار الصوري ، وأحمد بن محمد القزويني ، وأبو الطاهر إسماعيل بن سعيد النحوي ، وعبد الله بن سعيد الشنتجالي وعبد الحق بن هارون السهمي ، وأبو الحسين بن المهتدي بالله ، وعلي بن عبد الغالب البغدادي ، وأبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي ، وأبو شاكر أحمد بن علي العثماني ، وعنده عنه فرد حديث ، وعدة .

وروى عنه بالإجازة : أبو عمر بن عبد البر ، وأبو بكر الخطيب ، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي ، وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون الخولاني المتوفى في سنة ثمان وخمسمائة .

أخبرنا المسلم بن محمد في كتابه ، عن القاسم بن علي ، أخبرنا أبي ، أخبرنا علي بن أحمد الجرباذقاني بهراة ( ح ) وأخبرنا أبو الحسن الغرافي ، أخبرنا علي بن روزبه ببغداد ، أخبرنا أبو الوقت السجزي قالا : أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري قال : عبد بن أحمد السماك الحافظ صدوق ، تكلموا في رأيه ، سمعت منه حديثا واحدا عن شيبان بن محمد الضبعي ، عن أبي خليفة ، عن علي بن المديني حديث جابر بطوله في الحج قال لي : اقرأه علي حتى تعتاد قراءة الحديث ، وهو أول حديث [ ص: 557 ] قرأته على الشيخ ، وناولته الجزء ، فقال : لست على وضوء ، فضعه .

قال أبو ذر : سمعت الحديث من ابن خميرويه .

قلت : هو أقدم شيخ له .

قال : ودخلت على أبي حاتم بن أبي الفضل قبل ذلك ، وسمعته يملي يقول : حدثنا الحسين بن إدريس ، قال أبو بكر الخطيب : قدم أبو ذر بغداد ، وحدث بها وأنا غائب ، وخرج إلى مكة ، وجاور ، ثم تزوج في العرب ، وأقام بالسروات ، فكان يحج كل عام ، ويحدث ، ثم يرجع إلى أهله ، وكان ثقة ضابطا دينا ، مات بمكة في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة .

وقال الأمين ابن الأكفاني : حدثني أبو علي الحسين بن أبي حريصة .

قال : بلغني أن أبا ذر مات سنة أربع بمكة ، وكان على مذهب مالك ومذهب الأشعري .

قلت : أخذ الكلام ورأي أبي الحسن عن القاضي أبي بكر بن الطيب ، وبث ذلك بمكة ، وحمله عنه المغاربة إلى المغرب ، والأندلس ، وقبل ذلك كانت علماء المغرب لا يدخلون في الكلام ، بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية ، ولا يخوضون في المعقولات ، وعلى ذلك كان الأصيلي ، وأبو الوليد بن الفرضي ، وأبو عمر الطلمنكي ، ومكي القيسي ، وأبو عمرو الداني ، وأبو عمر بن عبد البر ، والعلماء . [ ص: 558 ]

وقد مدح إسماعيل بن سعيد النحوي أبا ذر بقصيدة .

قال أبو الوليد الباجي في كتاب " اختصار فرق الفقهاء " من تأليفه في ذكر القاضي ابن الباقلاني : لقد أخبرني الشيخ أبو ذر وكان يميل إلى مذهبه ، فسألته : من أين لك هذا ؟ قال : إني كنت ماشيا ببغداد مع الحافظ الدارقطني ، فلقينا أبا بكر بن الطيب فالتزمه الشيخ أبو الحسن ، وقبل وجهه وعينيه ، فلما فارقناه ، قلت له : من هذا الذي صنعت به ما لم أعتقد أنك تصنعه وأنت إمام وقتك ؟ فقال : هذا إمام المسلمين ، والذاب عن الدين ، هذا القاضي أبو بكر محمد بن الطيب . قال أبو ذر : فمن ذلك الوقت تكررت إليه مع أبي ، كل بلد دخلته من بلاد خراسان وغيرها لا يشار فيها إلى أحد من أهل السنة إلا من كان على مذهبه وطريقه .

قلت : هو الذي كان ببغداد يناظر عن السنة وطريقة الحديث بالجدل والبرهان ، وبالحضرة رءوس المعتزلة والرافضة والقدرية وألوان البدع ، ولهم دولة وظهور بالدولة البويهية ، وكان يرد على الكرامية ، وينصر الحنابلة عليهم ، وبينه وبين أهل الحديث عامر ، وإن كانوا قد يختلفون في مسائل دقيقة ، فلهذا عامله الدارقطني بالاحترام ، وقد ألف كتابا سماه : " الإبانة " ، يقول فيه : فإن قيل : فما الدليل على أن لله وجها ويدا ؟ قال : قوله : ويبقى وجه ربك وقوله : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فأثبت تعالى لنفسه وجها ويدا . . . إلى أن قال : فإن قيل : فهل تقولون : إنه في كل مكان ؟ قيل : معاذ الله ! بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه . . . إلى أن قال : وصفات ذاته التي لم يزل [ ص: 559 ] ولا يزال موصوفا بها : الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى . فهذا نص كلامه . وقال نحوه في كتاب " التمهيد " له ، وفي كتاب " الذب عن الأشعري " وقال : قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير .

قلت : فهذا المنهج هو طريقة السلف ، وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه ، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة ، وبه قال ابن الباقلاني ، وابن فورك ، والكبار إلى زمن أبي المعالي ، ثم زمن الشيخ أبي حامد ، فوقع اختلاف وألوان ، نسأل الله العفو .

ولأبي ذر الهروي مصنف في الصفات على منوال كتاب أبي بكر البيهقي بحدثنا وأخبرنا .

قال الحسن بن بقي المالقي : حدثني شيخ قال : قيل لأبي ذر : أنت هروي فمن أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي أبي الحسن ؟ قال : قدمت بغداد . فذكر نحوا مما تقدم في ابن الطيب . قال : فاقتديت بمذهبه .

قال عبد الغافر بن إسماعيل في " تاريخ نيسابور " : كان أبو ذر زاهدا ، ورعا عالما ، سخيا لا يدخر شيئا ، وصار من كبار مشيخة الحرم ، مشارا إليه في التصوف ، خرج على " الصحيحين " تخريجا حسنا ، وكان حافظا ، كثير الشيوخ .

قلت : له " مستدرك " لطيف في مجلد على " الصحيحين " علقت [ ص: 560 ] منه ، يدل على معرفته ، وله كتاب " السنة " ، وكتاب " الجامع " ، وكتاب " الدعاء " ، وكتاب " فضائل القرآن " ، وكتاب " دلائل النبوة " ، وكتاب " شهادة الزور " ، وكتاب " العيدين " ; الكل بأسانيده ، وله كتاب " فضائل مالك " ، كبير ، وكتاب " الصحيح المسند المخرج على الصحيحين " ، و " مسانيد الموطأ " و " كرامات الأولياء " ، و " المناسك " ، و " الربا " ، و " اليمين الفاجرة " ، وكتاب " مشيخته " ، وأشياء . وهذه التواليف لم أرها ، بل سماها القاضي عياض .

وقال علي بن المفضل الحافظ : روى لنا السلفي شيخنا أحاديث عن أبي بكر الطريثيثي بسماعه من أبي ذر ، وعن أبي شاكر العثماني حديثا واحدا بسماعه منه . وسمعنا من السلفي جميع " صحيح " البخاري بإجازته من أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر ، وكان شيخنا أبو عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري سمع الكتاب بمكة من أبي مكتوم ، فسمعت عليه أكثره ، وأجاز لي ما بقي من آخره ، وآخر من حدث عن أبي مكتوم أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الأنصاري بمكة ، وأجازه لي .

قال : وقرأت الكتاب كله على شيخنا أبي طالب صالح بن سند بسماعه من الطرطوشي ، عن أبي الوليد الباجي ، عن أبي ذر ، وقرأته على أبي القاسم مخلوف بن علي القروي ، عن أبي الحجاج يوسف بن نادر اللخمي ، عن علي بن سلمان النقاش ، عن أبي ذر ، عن شيوخه الثلاثة .

قال الحافظ أبو علي الغساني : أخبرنا أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد [ ص: 561 ] الباجي ، أخبرنا أبي أن الفقيه أبا عمران الفاسي مضى إلى مكة ، وقد كان ، قرأ على أبي ذر شيئا ، فوافق أبا ذر في السراة موضع سكناه ، فقال لخازن كتبه : أخرج إلي من كتب الشيخ ما أنسخه ما دام غائبا ، فإذا حضر ، قرأته عليه . فقال الخازن : لا أجترئ على هذا ، ولكن هذه المفاتيح إن شئت أنت ، فخذ وافعل ذلك . فأخذها ، وأخرج ما أراد ، فسمع أبو ذر بالسراة بذلك ، فركب ، وطرق مكة ، وأخذ كتبه ، وأقسم أن لا يحدثه . فلقد أخبرت أن أبا عمران كان بعد إذا حدث عن أبي ذر ، يوري عن اسمه ، فيقول : أخبرنا أبو عيسى . وبذلك كانت العرب تكنيه باسم ولده .

قلت : قد مات أبو عمران الفاسي قبل أبي ذر ، وكان قد لقي القاضي ابن الباقلاني والكبار ، وما لانزعاج أبي ذر وجه ، والحكاية دالة على زعارة الشيخ والتلميذ رحمهما الله .

وكان ولده أبو مكتوم يحج من السراة ، ويروي ، إلى أن قدم فلان المرابط من أمراء المغرب ، فجاور وسمع " صحيح " البخاري من أبي مكتوم ، وأعطاه ذهبا جيدا ، فأباعه نسخة " الصحيح " ، وذهب بها إلى المغرب . وحج أبو مكتوم في سنة سبع وتسعين وأربعمائة وله بضع وثمانون سنة ، وحج فيها أبو طاهر السلفي ، وأبو بكر السمعاني ، وجمعهم الموقف ، فقال السمعاني للسلفي : اذهب بنا نسمع منه . قال السلفي : فقلت له : دعنا نشتغل بالدعاء ، ونجعله شيخ مكة . قال : فاتفق أنه نفر من منى في النفر الأول مع السرويين وذهب ، وفاتهما الأخذ عنه . قال السلفي : فلامني ابن السمعاني ، فقلت : أنت قد سمعت " الصحيح " مثله [ ص: 562 ] من أبي الخير بن أبي عمران صاحب الكشميهني ، وما كان معه من مروياته سواه .

قلت : ولم يسمع لأبي مكتوم بعد هذا العام بذكر ولا ورخ لنا موته .

وقد أرخ القاضي عياض موت أبي ذر في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة . والصواب : في سنة أربع .

قال أبو علي بن سكرة : توفي عقب شوال .

أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، أخبرنا أحمد بن طاوس سنة 617 ، أخبرنا حمزة بن كروس ، أخبرنا نصر بن إبراهيم الفقيه ، أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد كتابة ، أن بشر بن محمد المزني حدثهم إملاء ، حدثنا الحسين بن إدريس ، حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ، حدثنا الوليد بن الوليد ، حدثنا ابن ثوبان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول ، فإذا كان أول يوم من شهر رمضان ، هبت ريح من تحت العرش ، فشققت ورق الجنة عن الحور العين . فقلن : يا رب ، اجعل لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا ، وتقر أعينهم بنا .

قال الفقيه نصر : تفرد به الوليد بن الوليد العنسي ، وقد تركوه . [ ص: 563 ]

قلت : وهاه الدارقطني ، وقواه أبو حاتم الرازي .

وفيها أعني : سنة أربع توفي شعيب بن عبد الله بن المنهال بمصر ، وأبو طالب عمر بن إبراهيم الزهري وهارون بن محمد بن أحمد بن هارون في رمضان .

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة