شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة:
كتاب الجهاد

الفصل الأول

3787 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان ; كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، جاهد في سبيل الله ، أو جلس في أرضه التي ولد فيها . قالوا : أفلا نبشر به الناس ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " . رواه البخاري .

الحاشية رقم: 1
[ 18 ] كتاب الجهاد

الجهاد : بكسر أوله ، وهو لغة المشقة ، وشرعا بذل المجهود في قتال الكفار مباشرة ، أو معاونة بالمال ، أو بالرأي ، أو بتكثير السواد ، أو غير ذلك . وفي المغرب : جهده حمله فوق طاقته ، والجهاد مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد ، أو بذل كل منكما جهده ; أي : طاقته في دفع صاحبه ، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار . قال ابن الهمام : وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا ، وفضل الجهاد عظيم ، وكيف وحاصله بذل أعز المحبوبات ؟ وإدخال أعظم المشقات عليه ؟ وهو نفس الإنسان ابتغاء مرضاة الله وتقربا بذلك إليه تعالى ، وأشق منه قصر النفس على الطاعات في النشاط ، ودفع الكسل على الدوام ، ومجانبة أهويتها . ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - وقد رجع من غزاة : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ويدل على هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - أخره في الفضيلة عن الصلاة على وقتها ، في حديث ابن مسعود : قلت : يا رسول الله ! ; أي الأعمال أفضل ؟ قال : " الصلاة على ميقاتها " . قلت : ثم أي ؟ قال : " بر الوالدين " . قلت : ثم ; أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " . ولو استزدته لزادني . رواه البخاري ، وقد جاء أنه جعله أفضل بعد الإيمان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; أي العمل أفضل ؟ قال : " ; إيمان بالله ورسوله " قيل : ثم ماذا ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " قيل : ثم ماذا ؟ قال : " حج مبرور " متفق عليه . وهذه وإن كانت صورة معارضة ، لكن الجمع بينهما بحمل كل منهما على ما يليق بحال السائل ، فإذا كان السائل يليق به الجهاد لما علمه من تهيئته له واستعداده زيادة على غيره كان الجهاد بالنسبة إليه أفضل مما ليس مثله في الجلادة والغنى ، وفيه نظر ; لأن المذكور في الحديث السابق : الصلاة على وقتها ، وتلك هي الفرائض ، وفي هذا لا يتردد أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة وأخذ النفس بها في أوقاتها على ما هو المراد من قوله : الصلاة على ميقاتها أفضل من الجهاد ; لأن هذه فرض عين وتتكرر ، والجهاد ليس كذلك ، ولأن افتراض الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة ، فكان مقصودا وحسنا لغيره بخلاف الصلاة فإنها حسنة لعينها ، وهي المقصودة منه على ما صرح به - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ ، وفيه طول إلى أن [ ص: 2453 ] قال : " والذي نفس محمد بيده ما شجت وجه ولا اغبرت قدم في عمل ويبتغى به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة ، كجهاد في سبيل الله " . صححه الترمذي ، ثم الجهاد فرض على الكفاية ، أما الفرضية فلقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) وقوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) ( انفروا خفافا وثقالا ) الآية . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " وبهذه ينتفي ما نقل عن الثوري وغيره أنه ليس بفرض ، وأن الأمر به . للندب ، وكذا : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ) ونقل عن ابن عمر ، ويجب حمله إن صح على أنه ليس بفرض عين ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : " الجهاد ماض إلى يوم القيامة " . فدليل على وجوبه ، وأنه لا ينسخ ، وهذا لأن خبر الواحد لا يفيد الافتراض ، وقول صاحب الإيضاح : إذا تأيد خبر الواحد بالكتاب والإجماع يفيد الفرضية ممنوع ، بل المفيد حينئذ الكتاب والإجماع ، وجاء الخبر على وفقهما ، والحديث رواه أبو داود من حديث أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث ، " والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقاتل آخر أمتي الدجال . لا يطله جور جائر ولا عدل عادل " . ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لم ينسخ ، فلا يتصور نسخه بعد النبي وأنه لا قائل أن بقتال آخر الأمة الدجال ، ينتهي وجوب الجهاد ، وأما كونه على الكفاية فلأن المقصود ليس مجرد ابتلاء المكلفين ، بل إغراء المكلفين ، ودفع شر الكفار عن المؤمنين بدليل قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) فإذا حصل ذلك بالبغض سقط لحصول ما هو المقصود منه ، كصلاة الجنازة المقصود منها قضاء حق الميت والإحسان إليه ، وذهب ابن المسيب إلى أنه فرض عين تمسكا بعين الأدلة إذ بمثلها تثبت فروض الأعيان قلنا : نعم ، لولا قوله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ) الآية ، إلى قوله تعالى : ( وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) ، أو لأنه لو كان عينا لاشتغل الناس كلهم به ، فيتعطل المعاش على ما لا يخفى بالزراعة والجلب بالتجارات ، ويستلزم قطع مادة الجهاد من الكراع يعني الخيل والسلاح والأقوات فيؤدي ; إيجابه على الكل إلى تركه للعجز ، فلزم أن يجب على الكفاية ، ولا يخفى أن لزوم ما ذكر إنما يثبت إذا لزم في كونه فرض عين أن يخرج الكل عن الأمصار دفعة واحدة ، وليس ذلك لازما بل يكون كالحج على الكل ، بل يلزم كل واحد أن يخرج ، ففي مرة طائفة ، وفي مرة طائفة أخرى ، وهكذا . وهذا لا يستلزم تعطل المعاش ، فالمعول عليه في ذلك نص : لا يستوي القاعدون ، ثم هذا إذا يكن النفير عاما ، فإن كان كأن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين ، فيصير من فروض الأعيان ، سواء كان المستنفر عدلا ، أو فاسقا ، فيجب على جميع أهل تلك البلدة النفر ، وكذا من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية ، أو تكاسلوا وعصوا ، وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا ، كجهاز الميت ، والصلاة عليه يجب أولا على أهل محلته ، فإن لم يفعلوا وعجزوا وجب على من ببلدهم على ما ذكرنا ، هكذا ذكروا ، وكان معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الأبعدون وبلغهم الخبر ، وإلا فهو تكليف ما لا يطاق ، واستدل على ذلك قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) قيل : المراد به ركبانا ومشاة ، وقيل شبانا وشيوخا ، وقيل عزابا ومتزوجين ، وقيل أغنياء وفقراء ، وينبغي أن يقال قول آخر ، وهو كل من هذه ; أي : انفروا مع كل من هذه الأحوال ، وحاصله إن لم يعذر أحد فأفاد العينية ، وفيه نظر ; لأن الجهاد على من ذكر في التفسير المذكور على الكفاية ، فلا يفيد تعيينها العينية ، بل الحق أن هذه الآية ، وما تقدم من الآيات كلها ، لإفادة الوجوب ، ثم تعرف الكفاية بالآية المتقدمة ، وأما العينية فالإجماع ، مع أنه إغاثة الملهوف المظلوم ، وقد قال محمد : الجهاد واجب وأنهم في سعة من تركه حتى يحتاج إليهم ، هذا ولا بد من الاستطاعة فلا يخرج المريض المذنف ، وأما الذي يقدر على الخروج دون الدفع ، فينبغي أن يخرج لتكثير السواد فإن فيه إرهابا .

[ ص: 2454 ] الفصل الأول

3787 - ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من آمن بالله ورسوله ) ، يعني وبما جاء من عندهما مجملا ومفصلا ( وأقام الصلاة ) : أي في مواقيتها ( وصام رمضان ) ; خصهما بالذكر من بين العبادات البدنية تنبيها على عظم شأنهما وتحريضا عليهما لصعوبة موقعهما على الطباع ، ومن راعاهما مع كونهما أشق لا يترك غيرهما غالبا ، ويمكن أن ورود هذا الحديث قبل وجوب الزكاة والحج ، أو عدم ذكرهما لاختصاصهما بالأغنياء ( كان حقا ) : أي : ثابتا بوعده الصادق ( على الله أن يدخل الجنة ) : أي دخولا أوليا ، وإلا فمجرد الإيمان كاف لمطلق الدخول ، وقيل : المراد رفع الدرجات من باب ذكر اللازم ، وإرادة الملزوم ; لأن رفعها يستلزم الدخول ، فلا يرد أن الدخول بالفضل والرفع بالأعمال ( جاهد في سبيل الله ) ، وروي : هاجر ( أو جلس في أرضه التي ولد فيها ) أي ولم يجاهد ولم يهاجر ، والتسوية تدل على أن الجهاد فرض كفاية . قال ابن الملك : هذا يدل على أن الحديث صدر يوم فتح مكة ; لأن الهجرة قبله كانت فريضة لكل مؤمن في الابتداء . ( قالوا : أفلا نبشر ) : وفي نسخة : به ( الناس ؟ قال : إن في الجنة ) : قال السيوطي : القائل في قالوا معاذ بن جبل كما في الترمذي ، وزاد بعده قال : " ذر الناس يعملون فإن في الجنة " ( مائة درجة ) : زاد الترمذي : لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم ( أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ) ، هم الغزاة ، أو الحجاج ، أو الذين جاهدوا أنفسهم في مرضاة الله ( ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) ، ورد في حديث : إن ما بينهما مسيرة خمسمائة عام ، ( فإذا سألتم الله ) : أي على الجهاد درجة عالية ( فسلوه ) : بالتخفيف والنقل ; أي : فاطلبوا منه ( الفردوس فإنه ) : أي الفردوس ( أوسط الجنة ) : أي أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها ذكره السيوطي ( وأعلى الجنة ) ، قيل : فيه دلالة على أن السماوات كرية ، فإن الوسط لا يكون أعلى إلا إذا كان كريا . قال الطيبي : النكتة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي ، فإن وسط الشيء أفضله وخياره ، وإنما كان كذلك ; لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل ، والأوساط محمية محفوظة . قال الطيبي : كانت هي الوسط المحمي ، فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا . ( وفوقه عرش الرحمن ) ، فهو سقف الجنة كما ورد في الحديث ، وفوق بالنصب وفي نسخة بالرفع . قال التوربشتي : قيده الأصيلي بضم القاف ; أي أعلاه ، والجمهور بالنصب على الظرف . ( ومنه ) : أي من الفردوس ( تفجر ) : أي تتفجر ( أنهار الجنة ) . ; أي أصول الأنهار الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل .

قال الطيبي ، فإن قلت : كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين ما ورد في صفة أهل الجنة : في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها ؟ قلت : هو مطلق محمول على هذا المقيد ، أو تفسير للمجاهدين بالعموم درجة والدرجات بحسب مراتبهم في الجهاد ، فيكون الفردوس لمن جاهد حق جهاده . قال القاضي عياض : يحتمل أن تجرى الدرجات على ظاهره محسوسا كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدري وأن تجرى على المعنى ، والمراد كثرة النعيم وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر ذكره النووي في شرح مسلم ( رواه البخاري ) .

[ ص: 2455 ]
السابق

|

| من 280

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة