تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

مسألة:
[ ص: 163 ] ( سورة البلد )

عشرون آية ، مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد )

بسم الله الرحمن الرحيم

( لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد )

أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها حرما آمنا ، فقال في المسجد الذي فيها : ( ومن دخله كان آمنا ) [ آل عمران : 97 ] وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) [ البقرة : 144 ] وشرف مقام إبراهيم بقوله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : ( ولله على الناس حج البيت ) [ آل عمران : 97 ] وقال في البيت : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) [ البقرة : 125 ] وقال : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ) [ الحج : 26 ] وقال : ( وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) [ الحج : 26 ] وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها .

فأما قوله : ( وأنت حل بهذا البلد ) فالمراد منه أمور :

أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها .

وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي : أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له .

وثالثها : قال قتادة : ( وأنت حل ) أي : لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة [ ص: 164 ] وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم قال : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال : إلا الإذخر " .

فإن قيل : هذه السورة مكية ، وقوله : ( وأنت حل ) إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين ؟

قلنا : قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلا ، كقوله تعالى : ( إنك ميت ) [ الزمر : 30 ] وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع .

ورابعها : ( وأنت حل بهذا البلد ) أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله وتكذيب الرسل .

وخامسها : أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال : ( وأنت حل بهذا البلد ) أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) [ الجمعة : 2 ] وقال : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) [ التوبة : 128 ] وقوله : ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) [ يونس : 16 ] فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد . أما قوله : ( ووالد وما ولد ) فاعلم أن هذا معطوف على قوله : ( لا أقسم بهذا البلد ) وقوله : ( وأنت حل بهذا البلد ) معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه :

أحدها : الولد آدم " وما ولد " ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) [ الإسراء : 70 ] فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم بآدم والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم . كما قال : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ، [ الفرقان : 44 ] ، ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) [ البقرة : 18 ] .

وثانيها : أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما قال : ( وما ولد ) ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله : ( والله أعلم بما وضعت ) [ آل عمران : 36 ] أي بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن .

وثالثها : الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم . فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا : إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال : " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " وهم المؤمنين .

ورابعها : روي عن ابن عباس أنه قال : الولد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فـ" ما " ههنا يكون للنفي ، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي : ووالد والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين .

وخامسها : يعني كل والد [ ص: 165 ] ومولود ، وهذا مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام .

وأما قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) ففيه مسائل :

السابق

|

| من 9

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة