تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

مسألة:
[ ص: 95 ] [ سورة الحجرات ]

ثماني عشرة آية مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم )

بسم الله الرحمن الرحيم

( ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) .

في بيان حسن الترتيب وجوه :

أحدها : أن في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إلى الامتناع ، مما أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلح وترك آية التسمية والرسالة ، وألزمهم كلمة التقوى ، كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم على سبيل العموم : لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، ولا تتجاوزوا ما يأمر الله تعالى ورسوله .

الثاني : هو أن الله تعالى لما بين محل النبي عليه الصلاة والسلام وعلو درجته بكونه رسوله الذي يظهر دينه ، وذكره بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله : ( رحيم ) [ التوبة : 128 ] قال : لا تتركوا من احترامه شيئا لا بالفعل ولا بالقول ، ولا تغتروا برأفته ، وانظروا إلى رفعة درجته .

الثالث : هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم أشداء ورحماء فيما بينهم ، راكعين ساجدين ، نظرا إلى جانب الله تعالى ، وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة بقوله : ( ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ) [ الفتح : 29 ] فإن الملك العظيم لا يذكر أحدا في غيبته إلا إذا كان عنده محترما ، ووعدهم بالأجر العظيم ، فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم وإحباط حسناتكم ، و ( لا تقدموا ) . وقيل : في سبب نزول الآية وجوه : قيل : نزلت في صوم يوم الشك ، وقيل : نزلت في التضحية قبل صلاة العيد ، وقيل : نزلت في ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما من بني عامر ، وقيل : نزلت في جماعة أكثروا من السؤال ، وكان قد قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفود . والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ، ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدم واستبداد بالأمر ، وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة ، وفي التفسير مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : ( لا تقدموا ) يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يكون من التقديم الذي هو [ ص: 96 ] متعد ، وعلى هذا ففيه وجهان :

أحدهما : ترك مفعوله برأسه كما في قوله تعالى : ( يحيي ويميت ) [ البقرة : 258 ] وقول القائل : فلان يعطي ويمنع ، ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شيء معين ، وإنما يريد بهما أن له منعا وإعطاء ، كذلك ههنا ، كأنه تعالى يقول : لا ينبغي أن يصدر منكم تقديم أصلا .

والثاني : أن يكون المفعول الفعل أو الأمر ، كأنه يقول : ( لا تقدموا ) يعني فعلا ( بين يدي الله ورسوله ) أو لا تقدموا أمرا . والثاني : أن يكون المراد ( لا تقدموا ) بمعنى لا تتقدموا ، وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد هو نفس التقديم ، بل المراد : لا تجعلوا لأنفسكم تقدما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال : فلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه ، والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدما في الدخول في الأمور العظام ، وفي الذكر عند ذكر الكرام ، وعلى هذا نقول : سواء جعلناه متعديا أو لازما لا يتعدى إليه التقديم في قولنا : قدمت زيدا ، فتقديره : لا تقدموا أنفسكم في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أي لا تجعلوا لأنفسكم تقدما ورأيا عنده ، ولا نقول بأن المراد لا تقدموا أمرا وفعلا ، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى ، وهما قراءة من قرأ بفتح التاء والدال ، وقراءة من قرأ بضم التاء وكسر الدال . وقوله تعالى : ( بين يدي الله ورسوله ) أي بحضرتهما ؛ لأن ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه ، وفي قوله : ( بين يدي الله ورسوله ) فوائد : أحدها : أن قول القائل : فلان بين يدي فلان إشارة إلى كون كل واحد منهما حاضرا عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد والغلمان ؛ لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام والأمر ، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك ؛ ولأن اليدين تنبئ عن القدرة ، يقول القائل : هو بين يدي فلان ، أي يقلبه كيف شاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعا بين يديه ، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز من التقدم وتقديم النفس ؛ لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون له عنده التقدم .

وثانيها : ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لأوامره ، وذلك لأن احترام الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد يترك على بعد المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله ، فقال : ( بين يدي الله ) أي أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم ، وفي مثل هذه الحالة يجب احترام رسوله . وثالثها : هو أن هذه العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله : ( واتقوا ) لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديرا بأن يتقيه ، وقوله تعالى : ( واتقوا الله ) يحتمل أن يكون ذلك عطفا يوجب مغايرة مثل المغايرة التي في قول القائل : لا تنم واشتغل ، أي فائدة ذلك النهي هو ما في هذا الأمر ، وليس المطلوب به ترك النوم كيف كان ، بل المطلوب بذلك الاشتغال ، فكذلك لا تقدموا أنفسكم ولا تتقدموا على وجه التقوى ، ويحتمل أن يكون بينهما مغايرة أتم من ذلك ، وهي التي في قول القائل : احترم زيدا واخدمه ، أي ائت بأتم الاحترام ، فكذلك ههنا معناه : لا تتقدموا عنده ، وإذا تركتم التقدم فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا ، بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له ، اتقوا الله واخشوه ، وإلا لم تكونوا أتيتم بواجب الاحترام ، وقوله تعالى : ( إن الله سميع عليم ) يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا : آمنا ؛ لأن الخطاب يفهم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا ) فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما في قلوبهم من التقوى والخيانة ، فلا ينبغي أن يختلف قولكم وفعلكم وضمير قلبكم ، بل ينبغي أن يتم ما في سمعه من قولكم : آمنا وسمعنا وأطعنا وما في علمه من فعلكم الظاهر ، وهو عدم التقدم ، وما في قلوبكم من الضمائر وهو التقوى .

السابق

|

| من 16

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة