الفقه المقارن

المغني

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة

دار إحيار التراث العربي

سنة النشر: 1405هـ / 1985م
رقم الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 128 ] كتاب العارية ( 3911 ) مسألة : قال : ( والعارية مضمونة ، وإن لم يتعد فيها المستعير )

العارية : إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال . مشتقة من عار الشيء : إذا ذهب وجاء . ومنه قيل للبطال : عيار ; لتردده في بطالته ، والعرب تقول : أعاره ، وعاره . مثل أطاعه ، وطاعه .

والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع ; أما الكتاب فقول الله تعالى : { ويمنعون الماعون } . روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا : العواري . وفسرها ابن مسعود فقال : القدر والميزان والدلو . وأما السنة ، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة عام حجة الوداع : { العارية مؤداة ، والدين مقضي ، والمنحة مردودة ، والزعيم غارم } . أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن غريب .

وروى صفوان بن أمية ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين ، فقال : أغصبا يا محمد ؟ قال : بل عارية مضمونة } . رواه أبو داود . وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها ، ولأنه لما جازت هبة الأعيان ، جازت هبة المنافع ، ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا . إذا ثبت هذا ، فإن العارية مندوب إليها ، وليست واجبة ، في قول أكثر أهل العلم ، وقيل : هي واجبة ; للآية ، ولما روى أبو هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها . الحديث . قيل : يا رسول الله : وما حقها ؟ قال : إعارة دلوها ، وإطراق فحلها ، ومنحة لبنها يوم وردها } . فذم الله تعالى مانع العارية ، وتوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكر في خبره .

ولنا ، قول النبي : { إذا أديت زكاة مالك ، فقد قضيت ما عليك } . رواه ابن المنذر . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ليس في المال حق سوى الزكاة } . وفي حديث الأعرابي { الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا فرض الله علي من الصدقة ؟ قال : الزكاة . فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع شيئا . أو كما قال } .

والآية فسرها ابن عمر والحسن البصري بالزكاة ، وكذلك زيد بن أسلم . وقال عكرمة : إذا جمع ثلاثتها فله الويل ، إذا سها عن الصلاة ، وراءى ، ومنع الماعون . ويجب رد العارية إن كانت باقية . بغير خلاف . ويجب ضمانها إذا كانت تالفة ، تعدى فيها المستعير أو لم يتعد . روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وإليه ذهب عطاء والشافعي وإسحاق وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن شبرمة : هي أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي ; لما روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ليس على المستعير غير المغل ، ضمان } . ولأنه قبضها بإذن مالكها ، فكانت أمانة ، كالوديعة . قالوا : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { العارية مؤداة } . يدل على أنها أمانة ، لقول الله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } .

[ ص: 129 ] ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان : { بل عارية مضمونة } . وروى الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { على اليد ما أخذت حتى تؤديه } . رواه أبو داود ، والترمذي . وقال : حديث حسن غريب . ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه ، منفردا بنفعه من غير استحقاق ، ولا إذن في الإتلاف ، فكان مضمونا كالغصب ، والمأخوذ على وجه السوم . وحديثهم يرويه عمر بن عبد الجبار ، عن عبيد بن حسان ، عن عمرو بن شعيب ، وعمر وعبيد ضعيفان . قاله الدارقطني .

ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجزاء ، وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم .

السابق

|

| من 19

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة