التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الثامن عشر
[ ص: 149 ] ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة

استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها
، غير الحنبلي بدمشق ، فإنه توفي في السنة الماضية . وفي المحرم تكملت تفرقة المثالات السلطانية بمصر بمقتضى إراكة الأخباز ، وعرض الجيش على السلطان ، وأبطل السلطان المكس بسائر البلاد القبلية والشامية . وفيه وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية ببعلبك بسبب العقائد ، وترافعوا إلى دمشق ، فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز ، فأصلح بينهم ، وانفصل الحال على خير من غير محاققة ولا تشويش على أحد من الفريقين ، وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم .

وفي يوم الأحد سادس عشر صفر قرئ تقليد قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الحنبلي بقضاء الحنابلة والنظر في أوقافهم ، عوضا عن التقي سليمان بحكم وفاته ، رحمه الله ، [ ص: 150 ] وتاريخ التقليد من سادس ذي الحجة ، وقرئ في الجامع الأموي بحضور القضاة ، والصاحب ، والأعيان ، ثم مشوا معه وعليه الخلعة إلى دار السعادة ، فسلم على النائب وراح إلى الصالحية ، ثم نزل من الغد إلى الجوزية فحكم بها على عادة من تقدمه ، واستناب بعد أيام الشيخ شرف الدين بن الحافظ .

وفي يوم الاثنين سابع عشر صفر المذكور وصل الشيخ كمال الدين بن الشريشي من مصر على البريد ، ومعه توقيع بعود الوكالة إليه ، فخلع عليه ، وسلم على النائب والخلعة عليه . وفي هذا الشهر مسك الوزير عز الدين بن القلانسي ، واعتقل بالعذراوية ، وصولح بخمسين ألفا ، ثم أطلق له ما كان أخذ منه ، وانفصل من ديوان نظر الخاص .

وفي ربيع الآخر وصل من مصر الأمير فضل بن عيسى ومعه تقليد بإمرة العرب عوضا عن أخيه مهنا بن عيسى ، وأجري له ولابن أخيه موسى بن مهنا إقطاعات جيدة وذلك بسبب دخول مهنا إلى بلاد التتر واجتماعه بملكهم خربندا .

وفي يوم الاثنين السادس عشرين من جمادى الأولى باشر ابن صصرى مشيخة الشيوخ بالسميساطية بسؤال الصوفية ، وطلبهم له من نائب السلطنة ، فحضرها ، وحضر عنده الأعيان في هذا اليوم ، عوضا عن الشريف [ ص: 151 ] شهاب الدين أبي القاسم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن علي بن الحسن بن الحسين بن يحيى بن موسى بن جعفر الصادق ، وهو الكاشغري ، توفي عن ثلاث وستين سنة ، ودفن بالصوفية .

وفي جمادى الآخرة باشر بهاء الدين إبراهيم بن جمال الدين يحيى ، المعروف بابن عليمة الحنفي - وهو ناظر ديوان النائب بالشام - نظر الدواوين عوضا عن شمس الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن المظفر بن صدقة بن الحظيري الحاسب الكاتب ، توفي ، وقد كان مباشرا عدة من الجهات الكبار مثل نظر الخزانة ، ونظر الجامع ، ونظر المارستان ، وغير ذلك ، واستمر نظر المارستان من يومئذ بأيدي نظار ديوان نائب السلطنة من كان ، وصارت عادة مستمرة .

وفي رجب نقل نائب حمص الأمير شهاب الدين قرطاي إلى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير سيف الدين التركستاني بحكم وفاته ، وولي الأمير سيف الدين أرقطاي نيابة حمص وسار إليها من دمشق في يوم الأحد سابع رجب ، وتولى نيابة الكرك سيف الدين طقطاي الناصري عوضا عن سيف الدين بيبغا .

وفي يوم الأربعاء عاشر رجب درس بالنجيبية القاضي شمس الدين الدمشقي ، [ ص: 152 ] عوضا عن الصدر بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن الظاهر العجمي الحلبي ، سبط الصاحب كمال الدين بن العديم ، توفي ودفن عند خاله ووالده بتربة العديم .

وفي آواخر شعبان وصل القاضي شمس الدين بن عز الدين يحيى الحراني أخو قاضي قضاة الحنابلة بمصر شرف الدين عبد الغني إلى دمشق متوليا نظر الأوقاف بها ، عوضا عن الصاحب عز الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن ميسر ، توفي في مستهل رجب بدمشق ، وقد باشر نظر الدواوين بها ، وبمصر ، والحسبة ، وبالإسكندرية ، وغير ذلك ، ولم يكن بقي معه في آخر وقت سوى نظر الأوقاف بدمشق ، مات وقد قارب الثمانين ، ودفن بقاسيون .

وفي تاسع شوال خرج الركب الشامي وأميرهم سيف الدين أرغون السلحدار الناصري الساكن عند دار الطراز بدمشق ، وحج من مصر سيف الدين أرغون الدوادار ، وقاضي القضاة ابن جماعة ، وقد زار القدس الشريف في هذه السنة بعد وفاة ولده الخطيب جمال الدين عبد الله ، وكان قد رأس وعظم شأنه .

وفي ذي القعدة سار الأمير سيف الدين تنكز إلى زيارة القدس فغاب عشرين يوما . وفيه وصل الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى دمشق من مصر ، وقد [ ص: 153 ] كان معتقلا في السجن ، فأطلق وأكرم ، وولي نيابة صفد ، فسار إليها بعد ما قضى أشغاله بدمشق ، ونقل القاضي حسام الدين القزويني من قضاء صفد إلى قضاء طرابلس ، وأعيدت ولاية قضاء صفد إلى قاضي دمشق ، فولى فيها ابن صصرى شرف الدين النهاوندي ، وكان متوليا طرابلس قبل ذلك ، ووصل مع بكتمر الحاجب الطواشي ظهير الدين مختار المعروف بالزرعي ، متوليا الخزانة بالقلعة عوضا عن الطواشي ظهير الدين مختار البلبيسي ، توفي .

وفي هذا الشهر - أعني ذا القعدة - وصلت الأخبار بموت ملك التتر خربندا محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو قان ، ملك العراق ، وخراسان ، وعراق العجم ، والروم ، وأذربيجان ، وبلاد الأرانة ، وديار بكر ، وكانت وفاته في السابع والعشرين من رمضان ، ودفن بتربته بالمدينة التي أنشأها ، التي يقال لها : السلطانية ، وقد جاوز الثلاثين من العمر ، وكان موصوفا بالكرم ، ومحبة اللهو واللعب والعمائر ، وأظهر الرفض في بلاده ، أقام سنة على السنة ، ثم تحول عنها إلى الرفض [ ص: 154 ] فأقام شعائره ببلاده ، وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي تلميذ نصير الدين الطوسي ، وأقطعه عدة بلاد ، ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات في هذه السنة ، وقد جرت في أيامه فتن كبار ، ومصائب عظام ، فأراح الله منه العباد والبلاد ، وقام في الملك بعده ولده بو سعيد وله إحدى عشرة سنة ، ومدبر الجيوش والممالك له الأمير جوبان ، واستمر في الوزارة علي شاه التبريزي ، وأخذ أهل دولته بالمصادرة ، وقتل الأعيان ممن اتهمهم بقتل أبيه مسموما ، ولعب كثير من الناس به في أول دولته ، ثم عدل إلى العدل وإقامة السنة ، فأمر بإعادة الخطبة بالترضي عن الشيخين أولا ، ثم عثمان ، ثم علي - رضى الله عنهم - ففرح الناس بذلك ، وسكنت بذلك الفتن والشرور والقتال الذي كان بين أهل تلك البلاد بهراة ، وأصبهان ، وبغداد ، وإربل ، وساوة ، وغير ذلك ، وكان صاحب مكة الأمير حميضة بن أبي نمي الحسني قد قصد ملك التتر خربندا لينصره على أهل مكة ، فساعده الروافض هناك ، وجهزوا معه جيشا كثيفا من خراسان لأجل ذلك ، فلما مات خربندا بطل ذلك بالكلية ، وعاد حميضة خائبا خاسئا ، وفي صحبته أمير من كبار الروافض من التتر يقال له : الدلقندي ، وقد جمع لحميضة أموالا كثيرة ليقيم الرفض بذلك في بلاد الحجاز ، فوقع بهما [ ص: 155 ] الأمير محمد بن عيسى أخو مهنا ، وقد كان في بلاد التتر أيضا ومعه جماعة من العرب ، فكسرهما ومن كان معهما ، ونهب ما كان معهما من الأموال ، وتفرق الرجال ، وبلغت أخبار ذلك إلى الدولة الإسلامية ، فرضي عنه السلطان الملك الناصر وأهل دولته ، وغسل ذلك ذنبه عنده ، فاستدعى به السلطان إلى حضرته ، فحضر سامعا مطيعا ، فأكرمه نائب الشام ، فلما وصل إلى السلطان أكرمه أيضا ، ثم إنه استفتى الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وكذلك أرسل إليه السلطان يسأله عن الأموال التي أخذت من الدلقندي ، فأفتاهم بأنها تصرف في المصالح التي يعود نفعها على المسلمين ؛ لأنها كانت معدة لعناد الحق ، ونصرة أهل البدعة على السنة .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة