التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء السادس عشر
[ ص: 703 ] ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة

فيها اشتد الغلاء بأرض مصر جدا ، فهلك خلق كثير جدا من الفقراء والأغنياء ، ثم أعقبه فناء عظيم ، حتى حكى الشيخ أبو شامة في " الذيل " أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف وعشرين ألف ميت ، وأكلت الكلاب والميتات في هذه السنة بمصر ، وأكل من الصغار والأطفال خلق كثير ، يشويه والداه ويأكلانه ، وكثر هذا في الناس حتى صار لا ينكر بينهم ، ثم صاروا يحتالون على بعضهم بعضا فيأكلون من يقدرون عليه ، ومن غلب من قوي ضعيفا ذبحه وأكله .

وكان الرجل يضيف صاحبه فإذا خلا به ذبحه وأكله ، ووجد عند بعضهم أربعمائة رأس .

وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى ، فيذبحون ويؤكلون ; وقد استدعى رجل طبيبا فخاف الطبيب وذهب معه على وجل ، فجعل الرجل يتصدق على من وجده في الطريق ويذكر ويسبح ، ويكثر من ذلك ، فارتاب به الطبيب وتخيل ، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه ، فلما وصل إلى الدار إذا هي خربة فارتاب أيضا ، فخرج رجل من الدار ، فقال لصاحبه : ومع هذا البطء جئت لنا بصيد . فلما سمعها الطبيب هرب ، فخرجا خلفه سراعا فما [ ص: 704 ] خلص إلا بعد جهد جهيد .

وفيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن ، وكانوا يسكنون في عشرين قرية ، فبادت منها ثماني عشرة قرية ، ولم يبق فيها ديار ولا نافخ نار ، وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قاني لها ، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى ولا يدخلها ، بل كان من اقترب إلى شيء من هذه القرى هلك من ساعته ، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم ؛ بل هم على ما كانوا عليه لم يفقد منهم أحد .

واتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدا ، وهي أن رجلا يقال له : عبد الله بن حمزة العلوي كان قد تغلب على كثير من بلاد اليمن ، وجمع نحوا من اثني عشر ألف فارس ومن الرجالة جمعا كثيرا ، وخافه ملك اليمن المعز بن إسماعيل بن سيف الإسلام بن طغتكين بن أيوب ، وغلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا المتغلب ، وأيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته ، واختلاف أمرائه معه في المشورة ، فأرسل الله صاعقة ، فنزلت عليهم ، فلم يبق منهم أحد فاضطرب الجيش فيما بينهم ، وأقبل المعز بعسكره فقتل منهم ستة آلاف قتيل ، واستقر في ملكه آمنا .

وفيها تكاتب الأخوان ; الأفضل من صرخد والظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق وينزعاها من المعظم بن العادل ، وتكون للأفضل ، ثم يسيرا إلى الديار المصرية فيأخذاها من العادل وابنه الكامل اللذين نقضا العهد [ ص: 705 ] وأبطلا خطبة المنصور بن عبد العزيز ، ونكثا المواثيق ، فإذا استقر لهما ملك مصر كانت للأفضل ، وتصير دمشق مضافة إلى الظاهر مع حلب فلما بلغ العادل ما تمالآ عليه ، أرسل جيشا مددا لابنه المعظم بدمشق ، فوصلوا قبل وصول الظاهر وأخيه الأفضل ، وكان وصولهما إليها في ذي القعدة من ناحية بعلبك فنزلا بجيشهما في مسجد القدم ، واشتد الحصار للبلد ، وتسلق كثير من الجيش من ناحية خان ابن المقدم ، ولم يبق إلا فتح البلد ، لولا هجوم الليل . ثم إن الظاهر بدا له فيما كان عاهد أخاه عليه من كون دمشق تكون للأفضل ، فرأى أن تكون له أولا ، ثم إذا فتحت مصر يسلمها للأفضل ، فأرسل إليه في ذلك فلم يقبل الأفضل ذلك ، واختلفا وتفرقت كلمتهما ، وتنازعا على الملك بدمشق ، فتفرقت الأمراء عنهما ، وكوتب العادل في الصلح ، فأرسل يجيب إلى ما سألا من إقطاعهما شيئا من بلاد الجزيرة وبعض معاملة المعرة . وتفرقت العساكر عن البلد في محرم سنة ثمان وتسعين ، وسار كل من الملكين إلى تسلم البلاد التي أقطعها ، وجرت خطوب يطول شرحها ، وقد كان الظاهر وأخوه كتبا إلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما العادل ، فركب في جيشه وأرسل إلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار ، واجتمع معهما صاحب ماردين الذي كان العادل قد حاصره وضيق عليه مدة طويلة ، فقصدت العساكر حران وبها الفائز بن العادل ، فحاصروه مدة ، ثم لما بلغهم وقوع الصلح بين العادل وابني أخيه الظاهر والأفضل عدلوا إلى المصالحة أيضا ، وذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم ، وتمهدت الأمور واستقرت على ما كانت عليه ؛ ولله الحمد والمنة .

وفي هذه السنة ملك غياث الدين وأخوه شهاب الدين الغوريان جميع ما [ ص: 706 ] كان يملكه خوارزم شاه من البلدان والحواصل والأموال ، وجرت لهم خطوب طويلة جدا . وفيها كانت زلزلة عظيمة ، ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة وبلاد الروم والعراق ، وكان جمهورها وعظمها بالشام ; تهدمت منها دور كثيرة ، وخسف بقرية من أرض بصرى ، وأما السواحل فهلك فيها شيء كثير ، وخربت محال كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس ، ولم يبق بنابلس سوى حارة السامرة ومات بها وبقراها ثلاثون ألفا تحت الردم ، وسقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية بجامع دمشق وأربع عشرة شرفة منه ، وغالب الكلاسة والمارستان النوري ، وخرج الناس إلى الميادين يستغيثون‌‌ ، وسقط غالب قلعة بعلبك مع وثاقة بنائها ، وانفرق البحر إلى قبرس وحذف بالمراكب إلى ساحله ، وتعدى إلى ناحية الشرق ، فسقط بسببها دور كثيرة ، ومات أمم لا يحصون حتى قال صاحب " مرآة الزمان " : إنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو من ألف ألف ومائة ألف إنسان . نقله في " ذيل الروضتين " عنه .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة