تفسير القرآن

تفسير ابن كثير

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار طيبة

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء

مسألة: الجزء الثامن
[ ص: 275 ] تفسير سورة القيامة وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( لا أقسم بيوم القيامة ( 1 ) ولا أقسم بالنفس اللوامة ( 2 ) أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ( 3 ) بلى قادرين على أن نسوي بنانه ( 4 ) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ( 5 ) يسأل أيان يوم القيامة ( 6 ) فإذا برق البصر ( 7 ) وخسف القمر ( 8 ) وجمع الشمس والقمر ( 9 ) يقول الإنسان يومئذ أين المفر ( 10 ) كلا لا وزر ( 11 ) إلى ربك يومئذ المستقر ( 12 ) ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ( 13 ) بل الإنسان على نفسه بصيرة ( 14 ) ولو ألقى معاذيره ( 15 ) )

قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيا ، جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي . والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات الميعاد ، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بعث الأجساد ; ولهذا قال تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) قال الحسن : أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة . وقال قتادة : بل أقسم بهما جميعا . هكذا حكاه ابن أبي حاتم . وقد حكى ابن جرير ، عن الحسن والأعرج أنهما قرآ : " لأقسم [ بيوم القيامة ] " ، وهذا يوجه قول الحسن ; لأنه أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة . والصحيح أنه أقسم بهما جميعا كما قاله قتادة رحمه الله ، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، واختاره ابن جرير .

فأما يوم القيامة فمعروف ، وأما النفس اللوامة ، فقال قرة بن خالد ، عن الحسن البصري في هذه الآية : إن المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه .

وقال جويبر : بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله : ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) قال : ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم ، عن إسرائيل ، عن سماك : أنه سأل عكرمة عن قوله : ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) قال : يلوم على الخير والشر : لو فعلت كذا وكذا .

[ ص: 276 ]

ورواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن إسرائيل .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن سعيد بن جبير في : ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) قال : تلوم على الخير والشر .

ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك : فقال : هي النفس اللئوم .

وقال علي بن أبي نجيح ، عن مجاهد : تندم على ما فات وتلوم عليه .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : اللوامة : المذمومة .

وقال قتادة : ( اللوامة ) الفاجرة .

قال ابن جرير : وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى ، الأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات .

وقوله : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) أي : يوم القيامة ، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة ؟ ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) قال سعيد بن جبير والعوفي ، عن ابن عباس : أن نجعله خفا أو حافرا . وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وابن جرير . ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا .

والظاهر من الآية أن قوله : ( قادرين ) حال من قوله : ( نجمع ) أي : أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه ؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه ، أي : قدرتنا صالحة لجمعها ، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان ، فنجعل بنانه - وهي أطراف أصابعه - مستوية . وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج .

وقوله : ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) قال سعيد ، عن ابن عباس : يعني يمضي قدما .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( ليفجر أمامه ) يعني : الأمل ، يقول الإنسان : أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة ، ويقال : هو الكفر بالحق بين يدي القيامة .

وقال مجاهد ( ليفجر أمامه ) ليمضي أمامه راكبا رأسه . وقال الحسن : لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما ، إلا من عصمه الله .

وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي ، وغير واحد من السلف : هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو الكافر يكذب بيوم الحساب . وكذا قال ابن زيد ، وهذا هو الأظهر من المراد ; ولهذا قال بعده ( يسأل أيان يوم القيامة ) ؟ أي : يقول متى يكون يوم [ ص: 277 ] القيامة ؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه ، وتكذيب لوجوده ، كما قال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) [ سبأ : 29 ، 30 ] .

وقال تعالى هاهنا : ( فإذا برق البصر ) قال أبو عمرو بن العلاء : ( برق ) بكسر الراء ، أي : حار . وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى : ( لا يرتد إليهم طرفهم ) [ إبراهيم : 43 ] ، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا ، لا يستقر لهم بصر على شيء ; من شدة الرعب .

وقرأ آخرون : " برق " بالفتح ، وهو قريب في المعنى من الأول . والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال ، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور .

وقوله : ( وخسف القمر ) أي : ذهب ضوءه .

( وجمع الشمس والقمر ) قال مجاهد : كورا . وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية : ( إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت ) [ التكوير : 1 ، 2 ] وروي عن ابن مسعود أنه قرأ : " وجمع بين الشمس والقمر " .

وقوله : ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) أي : إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة ، حينئذ يريد أن يفر ويقول : أين المفر ؟ أي : هل من ملجأ أو موئل ؟ قال الله تعالى : ( كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ) قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف : أي لا نجاة .

وهذه كقوله : ( ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير ) [ الشورى : 47 ] أي : ليس لكم مكان تتنكرون فيه ، وكذا قال هاهنا ( لا وزر ) أي : ليس لكم مكان تعتصمون فيه ; ولهذا قال : ( إلى ربك يومئذ المستقر ) أي : المرجع والمصير .

ثم قال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) أي : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها ، أولها وآخرها ، صغيرها وكبيرها ، كما قال تعالى : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] وهكذا قال هاهنا : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) أي : هو شهيد على نفسه ، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر ، كما قال تعالى : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) [ الإسراء : 14 ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) يقول : سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه .

وقال قتادة : شاهد على نفسه . وفي رواية قال : إذا شئت - والله - رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه ، وكان يقال : إن في الإنجيل مكتوبا : يا ابن آدم ، تبصر القذاة في عين أخيك ، وتترك الجذل في عينك لا تبصره .

[ ص: 278 ]

وقال مجاهد : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو جادل عنها فهو بصير عليها . وقال قتادة : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه . وقال السدي : ( ولو ألقى معاذيره ) حجته . وكذا قال ابن زيد والحسن البصري ، وغيرهم . واختاره ابن جرير .

وقال قتادة ، عن زرارة ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) يقول : لو ألقى ثيابه .

وقال الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وأهل اليمن يسمون الستر : المعذار .

والصحيح قول مجاهد وأصحابه ، كقوله : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) [ الأنعام : 23 ] وكقوله ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) [ المجادلة : 18 ] .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) هي الاعتذار ، ألم تسمع أنه قال : ( لا ينفع الظالمين معذرتهم ) [ غافر : 52 ] وقال ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) [ النحل : 87 ] ( فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ) [ النحل : 28 ] وقولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين )

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة