شروح الحديث

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك

محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري

مكتبة الثقافة الدينية

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة أجزاء

الكتب » موطأ مالك » كتاب الجمعة » باب العمل في غسل يوم الجمعة

مسألة:
كتاب الجمعة باب العمل في غسل يوم الجمعة

حدثني يحيى عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر
الحاشية رقم: 1
[ ص: 369 ] 5 - كتاب الجمعة

1 - باب العمل في غسل يوم الجمعة

227 225 - ( مالك عن سمي ) بضم المهملة وفتح الميم ( مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ) بن الحارث بن هشام ( عن أبي صالح ) ذكوان ( السمان ) بائع السمن ( عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل ) يدخل فيه كل من يصح التقرب منه من ذكر أو أنثى حر أو عبد ( يوم الجمعة غسل الجنابة ) نعت لمقدر محذوف أي غسلا كغسل الجنابة وهو قول الأكثر ، وفي رواية ابن جريج عن سمي عند عبد الرزاق : فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، وظاهره أن التشبيه للكيفية لا للحكم وهو كقوله تعالى : وهي تمر مر السحاب ( سورة النمل : الآية 88 ) وقيل إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة ، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاة ولا تمتد عينه إلى شيء يراه فيه ، وأيضا حمل المرأة على الاغتسال ذلك اليوم ، وعليه حمل قائل ذلك حديث " من غسل واغتسل " المخرج في السنن على رواية غسل بالتشديد ، قال النووي : ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل والصواب الأول ، وتعقبه الحافظ بأنه حكاه ابن قدامة عن أحمد ، وثبت أيضا عن جماعة من التابعين وقال القرطبي : أنه أنسب الأقوال فلا وجه لادعاء بطلانه وإن كان الأول أرجح ، ولعله عنى أنه باطل في المذهب .

قال السيوطي : ويؤيده حديث : " أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل يوم جمعة فإن له أجرين اثنين أجر غسله وأجر امرأته " أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة .

( ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ) أي تصدق بها متقربا إلى الله ، تعالى ، وقيل : المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان ; لأن القربان لم يشرع [ ص: 370 ] لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السابقة .

وفي رواية ابن جريج عن سمي : فله من الأجر مثل الجزور ، وظاهره أن الثواب لو تجسد لكان قدر الجزور ، وقيل ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة ، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا ، ويدل عليه أن في مرسل طاوس عند عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة .

وفي رواية الزهري عند البخاري بلفظ : كمثل الذي يهدي بدنة ، فكان المراد بالقربان في رواية الباب الإهداء إلى الكعبة .

قال الطيبي : وفي لفظ الإهداء جماع معنى التعظيم للجمعة ، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي ، والمراد بالبدنة البعير ذكرا كان أو أنثى والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث .

وحكى ابن التين أن مالكا كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى ، قال الزهري : البدنة لا تكون إلا من الإبل وصح ذلك عن عطاء .

وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم هذا لفظه .

وحكى النووي عنه أنه قال : البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم وكأنه خطأ نشأ عن سقط .

وفي الصحاح : البدنة ناقة أو بقرة تذبح بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها اهـ .

واستدل به على أن البدنة تختص بالإبل لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق ، وقسم الشيء لا يكون قسيمه أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد .

( ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ) ذكرا أو أنثى فالتاء للوحدة لا للتأنيث .

( ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ) ذكرا ( أقرن ) قال النووي : وصفه به لأنه أكمل وأحسن صورة ولأن قرنه ينتفع به .

( ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ) بفتح الدال ويجوز الكسر والضم ، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان وبالكسر من الناس .

( ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ) واستشكل التعبير فيها وفي دجاجة بقرب كقوله في رواية ابن شهاب : كالذي يهدي لأن الهدي لا يكون منهما ، وأجاب عياض تبعا لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ فهو من الاتباع كقوله : متقلدا سيفا ورمحا ، وتعقبه ابن المنير بأن شرط الاتباع أن لا يصرح باللفظ في الثاني ، فلا يسوغ أن يقال متقلدا سيفا ومتقلدا رمحا ، والذي يظهر أنه من المشاكلة ، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله : وهو من تسمية الشيء باسم قرينه .

وقال ابن دقيق العيد : قوله قرب بيضة ، وفي الرواية الأخرى : كالذي يهدي يدل على أن المراد بالتقرب الهدي ، وينشأ منه أن الهدي يطلق على مثل هذا حتى لو التزم هديا هل يكفيه ذلك أو لا ؟ اهـ .

والصحيح من المذاهب الأربعة الثاني ، وهذا ينبني على أن النذر هل يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه ؟ فعلى الأول يكفي أقل ما يتقرب به ، [ ص: 371 ] وعلى الثاني يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس ، ويقوي الصحيح أيضا أن المراد بالهدي هنا التصديق ، وللنسائي من طريق الليث عن ابن عجلان عن سمي زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة وهي العصفور ، وله أيضا من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري زيادة بطة فقال في الرابعة : فكأنما قرب بطة وجعل الدجاجة في الخامسة والبيضة في السادسة ، لكن خالفه عبد الرزاق فلم يذكرها وهو أثبت منه في معمر ، قال النووي في الخلاصة : هاتان الروايتان وإن صح إسنادهما فهما شاذتان لمخالفتهما الروايات المشهورة .

( فإذا خرج الإمام ) في الجامع عما كان مستورا فيه أو غيره قاله الباجي فلا دليل فيه لما استنبطه الماوردي منه أن الإمام لا يستحب له المبادرة بل يستحب له التأخير لوقت الخطبة ، قال : ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر ، وتعقبه الحافظ بأن ما قاله لا يظهر لإمكان أن يجمع بين الأمرين بأن يبكر ولا يخرج من المكان المعد له في الجامع إلا إذا حضر الوقت أو يحمل على من ليس له مكان معد ( حضرت ) بفتح الضاد أفصح من كسرها ( الملائكة يستمعون الذكر ) ما في الخطبة من المواعظ وغيرها وهم غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة .

وفي رواية للشيخين من طريق الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة مرفوعا : " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول فذكر الحديث إلى أن قال : فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر " ونحوه في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي ، فكان ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر وهو أول سماعهم للذكر .

وفي رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن خزيمة : " على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول " فكان المراد بقوله في رواية الزهري على باب المسجد جنس الباب ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع ، فلا حجة فيه لمن أجاز التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعا : " إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور " الحديث ، فبين صفة الصحف ودل على أنهم غير الحفظة ، والمراد بطي الصحف على صحف الفضائل المتعلقة بالمبادر إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك فإنه يكتبه الحافظان قطعا .

وفي حديث الزهري عند ابن ماجه : " فمن جاء بعد ذلك فإنما يجيء لحق الصلاة " وفي رواية ابن جريج عن سمي زيادة في آخره هي : " ثم إذا استمع وأنصت غفر له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام " وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن خزيمة : " فيقول بعض الملائكة لبعض : ما حبس فلانا فيقول : اللهم إن كان ضالا فاهده ، وإن كان فقيرا فأغنه ، وإن كان مريضا فعافه " وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحض على الغسل يوم الجمعة [ ص: 372 ] وفضله وفضل السبق إليها وأنه إنما يحصل لمن جمعهما ، وعليه يحمل ما أطلقه في باقي الروايات من ترتب الفضل على السبق من غير تقييد بالغسل ، وفيه أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم ، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع ، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر ، وهو باتفاق في الهدي وفي الضحايا خلاف فالأكثر كذلك .

وقال مالك : الأفضل في الضحايا الغنم ، قال أبو عمر : لأنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أملحين وأكثر ما ضحى به الكباش وقال تعالى : وفديناه بذبح عظيم ( سورة الصافات : الآية 107 ) ولو كان غيره أعظم منه لفدى به ولو لم يكن من فضل الكبش إلا أنه أول قربان تقرب به إلى الله في الدنيا وأنه فدي به نبي كريم من الذبح وقال الله فيه : بذبح عظيم .

ذكر عبد الرزاق : " مر النعمان بن أبي قطبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبش أعين أقرن فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذي ذبحه إبراهيم ، فاشترى معاذ بن عفراء كبشا أعين أقرن فأهداه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحى به " وقال الزين بن المنير : فرق مالك بين التقريبين باختلاف المقصودين لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقضية الذبيح وهو قد فدي بالغنم ، والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين فناسب البدن ، واختلف في المراد بالساعات فذهب الجمهور وابن حبيب إلى أنها ساعات النهار من أوله فاستحبوا المسير إليها من طلوع الشمس ، وذهب مالك وأصحابه إلا القليل وإمام الحرمين والقاضي حسين إلى أنها لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الإمام على المنبر لأن الساعة تطلق على جزء من الزمان غير محدود تقول جئت ساعة كذا .

وقوله في الحديث : ثم راح يدل على ذلك لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار ، والغدو من أوله إلى الزوال قال تعالى : غدوها شهر ورواحها شهر ( سورة سبأ : الآية 12 ) وقال المازري : تمسك مالك بحقيقة الرواح وتجوز في الساعة وعكس غيره اهـ .

وقال غيره : حملها على ساعات النهار الزمانية المنقسمة إلى اثني عشر جزءا تبعد حالة الشرع عليه لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه ، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة " الحديث ، فإن قالوا : قد تستعمل الهاجرة في غير موضعها فيجب الحمل عليه جمعا بينه وبين لفظ ساعة .

قلنا : ليس إخراجها عن ظاهرها بأولى من إخراج الساعة عن ظاهرها ، فإذا تساويا على زعمكم فمجازنا أرجح لأنه عمل الناس جيلا بعد جيل لم يعرف أن أحدا من الصحابة كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة من طلوع الشمس ، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة ، وبأنه يلزم عليه إشكال قوي وهو صحة الجمعة قبل الزوال ، لأنه قسم الساعات إلى خمس وعقب بخروج الإمام ، فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة وهي قبل الزوال ، وأما زيادة [ ص: 373 ] ابن عجلان العصفور في حديث سمي فشاذة كما قال النووي ، لأن الحفاظ من أصحاب سمي لم يذكروها ، وقد تعسفوا الجواب عن هذا بما لا يخلو عن نظر ، وقول الإمام أحمد كراهة مالك التبكير خلاف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبحان الله إلى أي شيء ذهب والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كالمهدي جزورا " وكالمهدي كذا مدفوع بقوله أول الحديث المذكور : " فالمتهجر إلى الجمعة " وهذه اللفظة مأخوذة من الهاجرة والهجير وذلك وقت النهوض إلى الجمعة وليس ذلك عند وقت طلوع الشمس لأنه ليس وقت هاجرة ولا هجير .

وقول ابن حبيب : إنه تحريف في تأويل الحديث ، ومحال أن تكون ساعات في ساعة واحدة والشمس إنما تزول في الساعة السادسة وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة فدل ذلك على أنها ساعات النهار المعروفة ، فبدأ بأولها فقال : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ثم قال في الخامسة بيضة فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن وجهه وشرح بالخلف من القول وبما لا يكون ، وزهد شارحه بذلك الناس فيما رغبهم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وزعم أن ذلك كله يجتمع في ساعة واحدة عند زوال الشمس ، قال ابن عبد البر : هذا تحامل منه على مالك فإنه قد قال ما أنكره وجعله تحريفا في التأويل وخلفا من القول .

قال ابن وهب : سألت مالكا عن هذا فقال : إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات ، ولو لم يكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون تسع ساعات وذلك وقت العصر أو قريب منه ، وقول مالك هو الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة مع ما صحبه من عمل المدينة ، فإن مالكا كان مجالسا لهم ومشاهدا لوقت خروجهم إلى الجمعة فلو كانوا يخرجون إليها مع طلوع الشمس ما أنكره مع حرصه على اتباعهم ، ثم روى بأسانيده أحاديث تشهد لقول مالك وأطال النفس في ذلك ، وحديث الباب رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك به .

السابق

|

| من 5

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة