شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

مقدمة المؤلفالحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعرالحديث الثالث بني الإسلام على خمس
الحديث الرابع إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفةالحديث الخامس من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد
الحديث السادس إن الحلال بين وإن الحرام بينالحديث السابع الدين النصيحة
الحديث الثامن أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهالحديث التاسع ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم
الحديث العاشر إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباالحديث الحادي عشر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيهالحديث الثالث عشر لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه
الحديث الرابع عشر لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثالحديث الخامس عشر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
الحديث السادس عشر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضبالحديث السابع عشر إن الله كتب الإحسان على كل شيء
الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحهاالحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله
الحديث العشرون إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئتالحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم
الحديث الثاني والعشرون أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرامالحديث الثالث والعشرون الطهور شطر الإيمان
الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالمواالحديث الخامس والعشرون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة
الحديث السادس والعشرون كل سلامى من الناس عليه صدقةالحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق
الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدالحديث التاسع والعشرون يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار
الحديث الثلاثون إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوهاالحديث الحادي والثلاثون ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس
الحديث الثاني والثلاثون لا ضرر ولا ضرارالحديث الثالث والثلاثون لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم
الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانهالحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض
الحديث السادس والثلاثون من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنياالحديث السابع والثلاثون إن الله كتب الحسنات والسيئات
الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحربالحديث التاسع والثلاثون إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
الحديث الأربعون كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيلالحديث الحادي والأربعون لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أباليالحديث الثالث والأربعون ألحقوا الفرائض بأهلها
الحديث الرابع والأربعون الرضاعة تحرم ما تحرم الولادةالحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
الحديث السادس والأربعون كل مسكر حرامالحديث السابع والأربعون ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن
الحديث الثامن والأربعون أربع من كن فيه كان منافقاالحديث التاسع والأربعون لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير
الحديث الخمسون لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل
مسألة: الجزء الأول
[ ص: 395 ] الحديث الثامن عشر عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، وفي بعض النسخ : حسن صحيح .
الحاشية رقم: 4
وقوله صلى الله عليه وسلم " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى ، إما بترك بعض المأمورات ، أو بارتكاب بعض المحظورات ، فأمره بأن يفعل ما يمحو به هذه [ ص: 412 ] السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة ، قال الله عز وجل : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين [ هود : 114 ] . وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية ، فدعاه فقرأها عليه ، فقال رجل : هذا له خاصة ؟ قال : " بل للناس عامة " . وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين [ آل عمران : 133 - 136 ] . فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق ، وكظم الغيظ ، والعفو عنهم ، فجمع بين وصفهم ببذل الندى ، واحتمال الأذى ، وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ، ثم وصفهم بأنهم : إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا عليها ، فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش ، وصغائر وهي ظلم النفس ، لكنهم لا يصرون عليها ، بل يذكرون الله عقب وقوعها ، فيستغفرونه ويتوبون إليه منها ، والتوبة : هي ترك الإصرار . ومعنى قوله : ذكروا الله أي : ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه ، وما [ ص: 413 ] توعد به على المعصية من العقاب ، فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال والاستغفار وترك الإصرار ، وقال الله تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] . وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أذنب عبد ذنبا ، فقال : رب إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، قد غفرت لعبدي ، ثم إذا أذنب ذنبا آخر - إلى أن قال في الرابعة : - فليعمل ما شاء يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه . وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة . وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أحدنا يذنب ، قال : " يكتب عليه " قال : ثم يستغفر منه ، قال : " يغفر له ويتاب عليه " قال : فيعود فيذنب ، قال : " يكتب عليه " قال : ثم يستغفر منه ويتوب ، قال : " يغفر له ، ويتاب عليه ، ولا يمل الله حتى تملوا " . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء حبيب بن الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب ، قال : " فتب إلى الله عز وجل " ، قال : أتوب ، ثم أعود ، قال : " فكلما أذنبت ، فتب " قال : يا رسول الله إذا تكثر ذنوبي ، قال : " فعفو الله أكثر من ذنوبك يا [ ص: 414 ] حبيب بن الحارث " وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعا بإسناد ضعيف . وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال : من ذكر خطيئة عملها ، فوجل قلبه منها ، واستغفر الله ، لم يحبسها شيء حتى يمحاها . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال : خياركم كل مفتن تواب ، قيل : فإذا عاد ؟ قال : يستغفر الله ويتوب ، قيل : فإن عاد ؟ قال : يستغفر الله ويتوب ، قيل : فإن عاد ؟ قال : يستغفر الله ويتوب ، قيل حتى متى ؟ قال : حتى يكون الشيطان هو المحسور . وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعا : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " . [ ص: 415 ] وقيل للحسن : ألا يستحيي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ، ثم يعود ، ثم يستغفر ، ثم يعود ، فقال : ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه ، فلا تملوا الاستغفار وروي عنه أنه قال : ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين ، يعني : أن المؤمن كلما أذنب تاب ، وقد روي " المؤمن مفتن تواب " وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعا " المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على رقعه " . وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : من أحسن منكم ، فليحمد الله ، ومن أساء ، فليستغفر الله ، وليتب ، فإنه لابد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم ، وكتبها عليهم . وفي رواية أخرى أنه قال : أيها الناس من ألم بذنب ، فليستغفر الله وليتب ، فإن عاد ، فليستغفر الله وليتب ، فإن عاد فليستغفر وليتب ، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال ، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها . ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، فهو مدرك ذلك لا محالة . ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب ، ومحاه بالتوبة والاستغفار ، فإن فعل ، فقد تخلص من شر الذنوب ، وإن أصر على الذنب ، هلك . وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو ، ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 416 ] ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون وفسر أقماع القول بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة ، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج في الأخرى ، ولم ينتفع بشيء مما سمع . وقوله صلى الله عليه وسلم : " أتبع السيئة الحسنة " قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة ، وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال : " يا معاذ اتق الله ما استطعت ، واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت ، واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر ، وإن أحدثت ذنبا ، فأحدث عنده توبة ، إن سرا فسر وإن علانية فعلانية " وخرجه أبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ . وقال قتادة : قال سلمان : إذا أسأت سيئة في سريرة ، فأحسن حسنة في سريرة ، وإذا أسأت سيئة في علانية ، فأحسن حسنة في علانية ، لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها . وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه ، فإنه يغفر له ذنبه أو يتاب عليه [ ص: 417 ] في مواضع كثيرة ، كقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم [ النساء : 17 ] ، وقوله : ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [ النحل : 119 ] وقوله إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات [ الفرقان : 70 ] وقوله : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [ طه : 82 ] وقوله : إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا [ مريم : 60 ] وقوله : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله [ آل عمران : 135 ] الآيتين . قال عبد الرازق : أخبرنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم [ آل عمران : 135 ] الآية ، بكى ويروى عن ابن مسعود قال : هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها . وقال ابن سيرين : أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : قال رجل : يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة ، وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها ، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت خزيا في الآخرة ، فما [ ص: 418 ] أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [ النساء : 110 ] ، وقال ابن عباس في قوله تعالى : ما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] ، قال : هو سعة الإسلام ، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة والكفارة . وظاهر هذه النصوص يدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوحا ، واجتمعت شروط التوبة في حقه ، فإنه يقطع بقبول الله توبته ، كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلاما صحيحا ، وهذا قول الجمهور ، وكلام ابن عبد البر يدل على أنه إجماع . ومن الناس من قال : لا يقطع بقبول التوبة ، بل يرجى وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب ، واستدلوا بقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : 48 ] فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته ، وربما استدل بمثل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم [ التحريم : 8 ] ، وبقوله : فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين [ القصص : 67 ] ، وقوله : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [ النور : 31 ] ، وقوله : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم [ التوبة : 102 ] . [ ص: 419 ] والظاهر أن هذا في حق التائب ، لأن الاعتراف يقتضي الندم ، وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : إن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب ، تاب الله عليه ، والصحيح قول الأكثرين . وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع ، فإن الكريم إذا أطمع ، لم يقطع من رجائه المطمع ، ومن هنا قال ابن عباس : إن " عسى " من الله واجبة ، نقله عنه علي بن أبي طلحة . وقد ورد جزاء الإيمان والعمل الصالح بلفظ : " عسى " أيضا ، ولم يدل ذلك على أنه مقطوع به ، كما في قوله : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [ التوبة : 18 ] . وأما قوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : 48 ] ، فإن التائب ممن شاء أن يغفر له ، كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه . وقد يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم " أتبع السيئة الحسنة " ما هو أعم من التوبة ، كما في قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : 114 ] ، وقد روي من حديث معاذ أن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي [ ص: 420 ] وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم [ آل عمران : 135 ] . وفي " الصحيحين " عن عثمان أنه توضأ ، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه . وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا يحسن فيهما الركوع والخشوع ، ثم استغفر الله غفر له . وفي " الصحيحين " عن أنس قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل ، [ ص: 421 ] فقال : يا رسول الله إني أصبت حدا ، فأقمه علي قال : ولم يسأله عنه ، فحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إليه الرجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حدا ، فأقم في كتاب الله ، قال : أليس قد صليت معنا ؟ قال : نعم ، قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال - حدك وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أمامة ، وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أمامة ، وفي حديثه قال : " فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد " فأنزل الله : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : 114 ] .

الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة