الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بالارتباك والإحراج عند مواجهة الآخرين، فكيف أتخلص من هذا الشعور؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، أبلغ من العمر 15 سنة، لدي رهاب جمهور أو رهاب اجتماعي، ولقد سبب لي الكثير من المشاكل والإحراج التي لم أعانِ منه سابقاً، بدأ معي في السنة الماضية، وحاولت بكل الطرق أن أتخلص منه ولكن لا فائدة.

فعندما أقف للقراءة في الصف أبدأ بالارتعاش، ويتغير صوتي تدريجياً ويصبح غريبا كأنني مخنوقة أو أريد البكاء، ويبدأ قلبي بالخفقان بقوة لدرجة أنني أعتقد أن جميع من في الصف يسمعه، ثم يبدأ صوتي بالانقطاع وأشعر بأنني لا أستطيع التنفس، الجميع لاحظ هذا الشيء، وبدأ البعض يضحك ويستهزئ.

أعتقد أن وقوفي على حافة جبل مرتفع أهون علي من الوقوف للقراءة، بدأ هذا الأمر يؤثر على فعاليتي في المدرسة وفي الصف.

كنت أقرأ في الإذاعات والحفلات، وكنت من القارئات المفضلات في الصف لا أعلم ما السبب؟ وهل من الممكن أن تكون عين؟ أم أنها فترة وستمضي؟

في آخر إجازة التي كانت مدتها 4 أشهر لم يغب هذا الموضوع يوماً واحدا عن بالي، فكنت أدعو الله دائما أن أتخلص من هذا الرهاب، وبعد أن عدت الآن وكنت أعتقد أن الرهاب قد زال، اكتشفت أنه لم يتغير الكثير فلا أزال أخاف من الوقوف للقراءة، فهل هناك طريقة معينة للتخلص من هذا الرهاب؟ وكيف أتعايش معه؟ لأنني أدخل بحالات اكتئاب، وأخاف من سخرية الآخرين.

أطمئن نفسي في كل الأوقات، وأقنع نفسي بأشياء كثيرة، مثل أن لا أحد سيسخر مني، ولا يوجد في الصف إلا زميلاتي ومعلمتي فلا يوجد أحد غريب هناك لأخاف منه، ولكن عندما أبدأ القراءة أفقد جميع حواسي، وتذهب كل هذه الأفكار عن رأسي، ولا يتردد إلى ذهني إلا ماذا أفعل الآن هل سأخطئ؟ هل الجميع يستمعون لي؟ أتمنى أن لا يستمع لي أحد، حتى أنني أقرأ ولكن لا أعلم ماذا أقرأ؟ فقط أقول ما هو موجود أمامي بدون أن أسمع أي شيء، فكل تركيزي على صوتي وليس على ما أقوله.

علاقاتي في المدرسة كثيرة، ولدي الكثير من الصديقات اللاتي أتكلم معهن، لا أعاني من أي خجل وأنا أتكلم بل العكس أنا أكثر من يتكلم بينهن، حالة الرهاب هذه لا تأتي إلا عندما أبدأ قراءة نص، أو آية قرآنية في الصف وسط سكوت الجميع.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ محبة المسجد الأقصى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرا لك على التواصل معنا والكتابة إلينا بما في نفسك وحياتك، واطمئني فهي مرحلة عابرة وستتجاوزينها بعون الله، وإياك أن تشكّي بهذا.

من الواضح أنك فتاة وطالبة ذكية وطموحة واجتماعية، ولكن الرهاب الاجتماعي لا يفرّق بين الذكي وغير الذكي، أو الاجتماعي وغير الاجتماعي، وهو عادة ما يأتي في كثير من الحالات في مثل هذا العمر الذي حصل معك، حيث أنت في المرحلة المتوسطة من المراهقة، والتي تكاد تختصّ بنمو الجانب الاجتماعي في شخصيتك.

ونعم فبعض الناس ليس عندهم شيء من الخوف أو الخجل والارتباك في الظروف العادية إلا أنهم يشعرون بالحرج والارتباك، وربما ضعف القدرة على الردّ والمواجهة في حال الانفعال أو الغضب أو الانزعاج، وكما يحصل معك ربما عندما يطلب منك القراءة أمام بقية الطالبات، فتجدي نفسك غير قادرة على القراءة، وقد تشعري بحالة من الشلل، وربما ضعف القدرة على إخراج الكلمات فما هو الحلّ؟

مما يفيد هنا أن تدركي أولا طبيعة ما يجري معك أنها حالة من الانفعال العاطفي المتمثل في الرهاب الاجتماعي، وربما لهذا السبب وهو موقف مررت به في الماضي البعيد أو القريب عندما ترددت أو ارتبكت أمام الطالبات والمعلمة، ومن ثم وجدت نفسك عاجزة عن القراءة الجهرية أمامهم.

فمما يعينك بعد هذا الفهم، أن تأخذي بعض الوقت، ولو لثوان قبل أن تحاول القراءة ببطء، فهذا التباطؤ في الكلام سيعطيك فرصة لتستعيدي هدوئك وتركيزك، مما يخفف ارتباكك.

وبشيء من التدريب والتدرّج ستجدين نفسك أكثر جرأة وأقل ارتباكا في مواجهة الناس والقراءة أمامهم، ولكن حاولي أن تتحلي ببعض الصبر، وستجدين تغيّرا كبيرا وفي وقت قصير بعون الله.

ومن أهم علاجات الرهاب والخوف والأكثر فاعلية هو العلاج المعرفي/السلوكي، وكما هو واضح من اسمه أن لهذا العلاج النفسي جانبان، الجانب المعرفي، والذي يقوم على التعرف على الأفكار السلبية التي يحملها المصاب والعمل على استبدالها بأفكار أكثر إيجابية، وواضح أن عندك -ولله الحمد- الكثير من الأفكار الإيجابية عن نفسك، والجانب السلوكي والذي يقوم على إعادة تعليم المصاب ببعض السلوكيات والتصرفات الصحيّة كبديل عن السلوكيات السلبية، فبدل تجنب المواقف المربكة أو المزعجة كالقراءة أمام الطالبات، يقوم المصاب بالتعرض والإقدام على هذه المواقف والأماكن حتى "يتعلم" كيف أن هذه المواقف والأماكن ليست بالمخيفة أو الخطيرة كما كان يتصور سابقا، ويشرف عادة على هذه المعالجة الأخصائية النفسية، والتي تحتاج أن تكرر معك جلسات العلاج عدة مرات.

للاطلاع أكثر على الرهاب الاجتماعي يمكنك الاطلاع على كتابي "المرشد في الأمراض النفسية واضطرابات السلوك" وهو متوفر عندكم في مكتبات جرير.

أرجو أن لا تطيل معاناتك، وأن لا يمنعك ارتباكك من تجنب القراءة والحديث أمام صفك والمعلمات.

وفقك الله وشرح صدرك للخير، وهنيئا على اسم "محبة المسجد الأقصى".

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً