الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا أريد أن أتزوج لأنني أخاف أن يكون نفس أبي، أرجوكم أفيدوني.

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشكلتي غريبة نوعاً ما، عندي 15 سنة، ولا أريد أن أتزوج لأنني أخاف أن اُرزق بزوج لا يعرف الله ويهينني، وأعتقد أن سبب حدوث هذا أبي؛ لأن معاملته معنا في أغلب الأحوال تكون قاسية، ولذلك فأنا خائفة جداً من اليوم الذي سأكبر فيه.

أحيانا أتمنى أن أظل في هذه السن بسبب هذه المشكلة، وهي تقلقني جداً حيال مستقبلي، ولا أعلم إن جاء ذلك اليوم ماذا أفعل؟ حتى أنني أحيانا أدعو الله أن أظل عانساً ولا أتزوج، وأكثر ما يقلقني هو أنني من النوع الانطوائي على نفسه، ولا أستطيع الدفاع عن نفسي إن انتقدني أحد أو أخذ ما هو من حقي، وكما أنني قد سمعت من شيوخ كثيرين أن ما يفعله الزوج في زوجته يحدث في ابنته، فهل ما يفعله أبي لأمي لابد أن يحدث لي ولا مفر منه؟ هذا أيضا يزيد من مخاوفي.

وكما وأنني حساسة جداً وقد أبكي من أي شيء رغم أنني لا أحب أن أبكي أمام أحد، فأكتم بكائي إلى أن أكون وحدي، فماذا أفعل؟ أرجوكم أفيدوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زهور الحياة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم. كما نسأله جل جلاله أن يمنّ عليك بالصلاح والاستقامة، وأن يجعل مستقبلك خيرًا من يومك، وأن يجعلك من سعداء الدنيا والآخرة.

وبخصوص ما ورد برسالتك – ابنتي الكريمة الفاضلة – فأرى أن هذا التفكير الذي يسيطر على خاطرك تفكيرًا سلبيًا، ولعل سببه إنما هي الظروف التي تعيشينها في بيتك والظروف التي يتعامل بها والدك معكم أو مع الأسرة كلها، لكن في الواقع هذا ليس مقياسًا وليس دليلاً على أن كل الرجال كذلك، فالرجال فيهم الأنبياء وفيهم المرسلون وفيهم الأولياء والصالحون، وفيهم أصحاب الخلق العالي أيضًا، الذين يعيشون حياة طيبة آمنة مستقرة، والذين يعاملون زوجاتهم معاملة رائعة ويجعلونهم أسعد نساء العالمين.

فإذا كانت هناك نقطة سوداء في جدار أبيض لا ينبغي أبدًا أن نجعلها هي الأصل، ولا ينبغي أن نحكم على الجدار كله بكل الفساد أو السواد لمجرد هذه النقطة السواء في هذا الجدار الأبيض الناصع للبياض. كذلك تصرف والدك ليس دليلاً أبدًا على أن كل الرجال كذلك، وإنما هناك – كما ذكرت – أدلة واضحة قاطعة على أن تعميم الأحكام ليست صحيحًا، فلو نظرت في أصابع يدك وجدتها أنها كلها ليست في مستوٍ واحد، وليست في صورةٍ واحدة، فهذا طويل وهذا قصير، وهذا متوسط وهذا متين، ورغم أنها تتغذى من دم واحد وموجودة في يد واحدة إلا أنها مختلفة.

ومن هنا أقول: أتمنى أن تتركي عنك هذه النظرة السوداوية التشاؤمية، وأن تتركي الأمر لله سبحانه وتعالى.

كل المطلوب مني ومنك – ابنتي زهور الحياة – أن نسأل الله تبارك وتعالى الخير كله، وأن نجتهد في دعوة جامعة – مثلاً - كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) هذا هو المطلوب منا، أن نتوجه إلى الله بالدعاء أن يقدر الله لنا الخير حيث ما كان وأن يرزقنا الرضا به، وأن نجتهد في البحث عن أسباب إجابة الدعاء، أما أن تفكري هذا التفكير وأنت ما زلت في هذه السن وتتمنين أن تكوني عانس وتظلين ولا تتزوجي، هذه كلها أفكار خاطئة، وهذه كلها إنما هي انعكاسات للواقع الذي تعيشينه في بيتك، وليست كل البيوت كبيتكم، وليس كل الآباء كأبيك، وليس كل البنات مثلك أيضًا.

ابنتي زهور الحياة – أرى أن تصرفي النظر تمامًا عن هذه الأفكار، وأن تتركي الأمر لله تعالى، وأن تمارسي حياتك بصفة طبيعية عادية جدًّا، تجتهدي في مذاكرتك، وتحسني علاقتك مع الله تعالى، وتتوجهي إلى الله عز وجل بالدعاء أن يقدر لك الخير حيث ما كان، ولا مانع أن تسألي الله تعالى أن يكرمك بزوج صالح يكون عونًا لك على طاعته ورضاه.

وما سوى ذلك هذا ليس لي ولا لك ولا لأحد من الخلق أبدًا، لأن الله قدر المقادير وقسم الأرزاق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومن هذه المقادير قضية الزواج.

كذلك أيضًا فيما يتعلق بأنك سمعت من بعض الشيوخ أن ما يفعله الزوج مع زوجته يحدث في ابنتهم؟ هذا ليس صحيحًا بهذا المفهوم، وإنما هو من باب التهويل والتخويف على أن الإنسان إذا نظر لامرأة غيره فإن الله قد يسلط عليه من ينظر إلى لامرأته، وإن ارتكب الحرام مع من لا تحل له فإن الله قد يسلط عليه من يفعل ذلك في بيته، أما مسألة أنه إذا كان سيئ الأخلاق فأن ابنته لابد أن تُبتلى بذلك، هذا ليس صحيحًا، ولذلك أرى أن تركزي على علاقتك مع الله تعالى، وأن تركزي على مذاكرتك، وألا تنتبهي لهذا الكلام كله، وأن تتركي الأمر لله، وعليك بالدعاء، وأبشري بكل خير، لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة، وعد الله لا يخلف الله وعده، وعد الله لا يخلف الله الميعاد.
هذا وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً