تفسير القرآن

تفسير الطبري

محمد بن جرير الطبري

دار المعارف

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

الكتب » تفسير الطبري » تفسير سورة الحجرات » القول في تأويل قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما "

مسألة: الجزء الثاني والعشرون
القول في تأويل قوله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( 9 ) )

يقول - تعالى ذكره - : وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا ، فأصلحوا - أيها المؤمنون - بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله ، والرضا بما فيه لهما وعليهما ، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) يقول : فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له وعليه ، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه ، وأجابت الأخرى منهما ( فقاتلوا التي تبغي ) يقول : فقاتلوا التي تعتدي ، وتأبى الإجابة إلى حكم الله ( حتى تفيء إلى أمر الله ) يقول : حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه ( فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ) يقول : فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه ، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل : يعني بالإنصاف بينهما ، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) فإن الله سبحانه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله ، وينصف بعضهم من بعض ، فإن أجابوا حكم فيهم [ ص: 293 ] بكتاب الله ، حتى ينصف المظلوم من الظالم ، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ ، فحق على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم ، حتى يفيئوا إلى أمر الله ، ويقروا بحكم الله .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) . . . إلى آخر الآية ، قال : هذا أمر من الله أمر به الولاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس ، وأمرهم أن يصلحوا بينهما ، فإن أبوا قاتل الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله ، فإذا رجعت أصلحوا بينهما ، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة ، فأصلحوا بين أخويكم قال : ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام .

وذكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه ، مما سأذكره إن شاء الله تعالى .

ذكر الرواية بذلك :

حدثني محمد بن عبد الأعلى قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أتيت عبد الله بن أبي قال : فانطلق إليه وركب حمارا ، وانطلق المسلمون ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إليك عني ، فوالله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لنتن حمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطيب ريحا منك ، قال : فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه ، قال : فغضب لكل واحد منهما أصحابه ، قال : فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال . فبلغنا أنه نزلت فيهم ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) .

حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال : ثنا عبثر قال : ثني حصين ، عن أبي مالك في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال : رجلان اقتتلا فغضب لذا قومه ، ولذا قومه ، فاجتمعوا [ ص: 294 ] حتى اضربوا بالنعال حتى كاد يكون بينهم قتال ، فأنزل الله هذه الآية .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قال : كان بينهم قتال بغير سلاح .

حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا حصين ، عن أبي مالك في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال : كانا حيين من أحياء الأنصار ، كان بينهما تنازع بغير سلاح .

حدثنا ابن حميد قال : أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال : كان قتالهم بالنعال والعصي ، فأمرهم أن يصلحوا بينهم .

قال : ثنا مهران قال : ثنا المبارك بن فضالة ، عن الحسن ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين ، فيدعوهم إلى الحكم ، فيأبون أن يجيبوا فأنزل الله : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) يقول : ادفعوهم إلى الحكم ، فكان قتالهم الدفع .

قال : ثنا مهران قال : ثنا سفيان ، عن السدي ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل ، فكان بينها وبين زوجها شيء ، فرقاها إلى علية ، فقال لهم : احفظوا ، فبلغ ذلك قومها ، فجاءوا وجاء قومه ، فاقتتلوا بالأيدي والنعال فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء ليصلح بينهم ، فنزل القرآن ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ) قال : تبغي : لا ترضى بصلح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، [ ص: 295 ] عن مجاهد قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قال : الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي بينهم .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) . . . الآية ، ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته ، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يتبعه ، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا ، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف ، فأمر الله أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله - كتاب الله - وإلى حكم نبيه - صلى الله عليه وسلم - وليست كما تأولها أهل الشبهات ، وأهل البدع ، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه ، أنه المؤمن يحل لك قتله ، فوالله لقد عظم الله حرمة المؤمن حتى نهاك أن تظن بأخيك إلا خيرا ، فقال ( إنما المؤمنون إخوة ) . . . الآية .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضربوا بالنعال والأيدي ، فأنزل الله فيهم ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قال قتادة : كان رجلان بينهما حق ، فتدارآ فيه ، فقال أحدهما : لآخذنه عنوة ؛ لكثرة عشيرته ، وقال الآخر : بيني وبينك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد قال : ثني عبد الله بن عباس قال : قال زيد في قول الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام ، أو النفر والنفر ، أو القبيلة والقبيلة فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحق الذي أنزله في كتابه : إما القصاص والقود ، وإما العقل والعير ، وإما العفو . ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على [ ص: 296 ] الظالم ، حتى يفيء إلى أمر الله ، ويرضى به .

حدثنا ابن البرقي قال : ثنا ابن أبي مريم قال : أخبرنا نافع بن يزيد قال : أخبرنا ابن جريج قال : ثني ابن شهاب وغيره يزيد في الحديث بعضهم على بعض قال : " جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس فيه عبد الله بن رواحة ، وعبد الله بن أبي ابن سلول : فلما ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله بن أبي ابن سلول : لقد آذانا بول حماره ، وسد علينا الروح ، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم ، فحجز بينهم ، فلذلك يقول عبد الله بن أبي :


متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا تظلم ويصرعك الذين تصارع



قال : فأنزلت فيهم هذه الآية ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) .

وقوله ( وأقسطوا ) يقول - تعالى ذكره - : واعدلوا - أيها المؤمنون - في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله ( إن الله يحب المقسطين ) يقول : إن الله يحب العادلين في أحكامهم القاضين بين خلقه بالقسط .

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة