الأربعاء 18 رمضان 1440

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




المرء بعد موته إما أن يعذب وإما أن ينعم

الثلاثاء 20 صفر 1424 - 22-4-2003

رقم الفتوى: 31047
التصنيف: الجنة

 

[ قراءة: 10494 | طباعة: 485 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال
هل يوجد أحد الآن في الجنة والنار؟ مع الدليل؟ شكراً.
الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن الإنسان بعد ولادته يمر بثلاث مراحل من الحياة، أولها الحياة الدنيا، وثانيها الحياة البرزخية، وثالثتها الحياة الأخرى، وهي ما بعد قيام الساعة، ولكل واحدة من هذه الأنواع الثلاثة طبيعتها الخاصة بها بالنسبة لما يحسه المرء فيها من العذاب أو النعيم، وقد ذكر العلامة السفاريني في لوامع الأنوار نقلاً عن ابن القيم في كتاب الروح: أن أحكام الدنيا تقع على البدن أصالة والروح تبع له، وفي البرزخ تقع على الروح أصالة والبدن تبع لها، فإذا كان يوم القيامة، وقع العذاب والنعيم على الروح والبدن معاً اصالة 2/21، وهذا يدل على التغاير التام بين ما يحصل للمرء في كل دار من هذه الدور من نعيم أو عذاب، والقاعدة العامة أن ذلك يحصل له ويتفاوت فيه الناس على قدر أعمالهم، والجنة والنار مخلوقتان وموجودتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، قال حافظ بن أحمد الحكمي: في سلم الوصول:
والنار والجنة حق وهما ===== موجودتان لا فناء لهما
وراجع في هذا الفتوى رقم:
19264، والفتوى رقم: 1676.
وقد دلت النصوص القرآنية والنبوية على أن المرء بعد موته إما أن يعذب وإما أن ينعم، ومن ذلك قول الله تعالى عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات أحدكم فإنه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار.
وهذا العذاب والنعيم يدخل تحت ما ذكرناه من حصول ذلك للروح أصلاً وللبدن تبعاً، كما هو طبيعة الحياة البرزخية، ومجموع ما ورد من الأحاديث يدل على أن صالحي المؤمنين يتمتعون بما في الجنة من النعيم، لكن نعيمهم فيها في البرزخ ليس كنعيمهم فيها بعد البعث والنشور، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا.
فهذا الحديث في الشهداء خاصة، وروى أحمد في مسنده عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يُرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه. وصححه الأرناؤوط.
قال ابن كثير في تفسيره عن هذا الحديث: فيه البشارة لكل مؤمن، بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضاً فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة. انتهى.
وقال أيضاً: وأما أرواح الشهداء -فكما تقدم- في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
انتهى.
وكما أن صالحي المؤمنين ينالون من نعيم الجنة نيلاً يليق بحياة البرزخ، فكذلك أهل الكفر والضلال من الكفار، وأهل المعاصي من المسلمين، ينالهم من عذاب النار ما يليق بحياة البرزخ، وقد دلت على ذلك الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها، ودل على ذلك أيضاً ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن أحوال الناس في البرزخ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول اًلله صلى الله عليه وسلم - يعني - مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منكم من رؤيا؟). قال: فيقصُّ عليه من شاء الله أن يقصَّ، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به مرَّة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقَّي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه - قال: وربما قال أبو رجاء: فيشقُّ - قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنُّور - قال: وأحسب أنه كان
يقول - فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطَّلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول - أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة، فإذا عنده نار يحشُّها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ، قال: قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قطُّ أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنيَّة بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقَّانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعداً، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه، يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنُّور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشُّها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطراً منهم حسن وشطراً منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحا وآخر سيِّئاً، تجاوز الله عنهم.

قال ابن حجر عن هذا الحديث: وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ. انتهى، وراجع الفتاوى ذات الأرقام التالية:
18488، 16902، 16778.
والله أعلم.

الفتوى التالية الفتوى السابقة