الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوكيل يضمن إذا فرط أو تعدى
رقم الفتوى: 70372

  • تاريخ النشر:الأربعاء 28 ذو القعدة 1426 هـ - 28-12-2005 م
  • التقييم:
5098 0 267

السؤال

أنا يوسف طالب بدولة أوروبية ولي صديق (مصطفى) وهو طالب معي في نفس الدولة جاءه والده (خليفة) في زيارة للعلاج وعند عودته لبلدنا العربي رغبت في إرسال مبلغ من المال لعائلتي الموجودة في بلدنا العربي، أخذت المبلغ وسلمته لصديقي ليسلمه لوالده على أساس تسليمه لعائلتي هناك عن طريق الوالد بنفسه أو ابنه الأصغر، ولكن عند توديع صديقي لوالده أبلغه أن ابني سوف يأتي شخصيا إليه ويأخذ منه المبلغ ولم يعطني علما بهذا التغيير في عملية تسليم المبلغ هناك بعد مغادرة الوالد مباشرة، رجع والد صديقي للبلد ومرت عدة أيام ولم يصل المبلغ لعائلتي، وعندما راجعت مصطفى عن الأمر اتصل بوالده الذي قال له إن ابني جاءه واستلم المبلغ، وهنا كانت المفاجأة، حيث اتضح أن الحاج خليفة قد أخبر بعض ضيوفه وعائلته أن معه مبلغا ماليا مرسلا معه لعائلتي وأنه في انتظار ابني (الذي لا يعرفه ولا يعرف اسمه) ليعطيه هذا المبلغ، لقد أفادنا الحاج بأنه بعد 4 – 5 أيام جاءه شاب منتحلا صفة ابني وقال له أنه يدعى وليد يوسف (علما بأن اسم ابني محمد) ويريد استلام المبلغ المرسل معه، فقام الحاج بتسليمه المبلغ ظنا منه أنني أبلغت ابني بالذهاب إليه دون أن يتأكد منه ولو ببعض الأسئلة، وعندما اتضحت الأمور للحاج عرض دفع المبلغ لعائلتي كاملا نظراً لخطئه في التسليم، إلا أنني رفضت ذلك لحين وضوح رأي الشرع في هذا الموضوع، لذا أود شاكراً أن أستفسر منكم كيف يمكنني التصرف بهدا الموضوع، هل آخذ المبلغ من الحاج على اعتبار أنه أخطأ في التسليم، هل أعتبر أن المبلغ وكأنه قد ضاع مني ويجب نسيانه، علما بأن الحاج هو في حرج شديد الآن من هذا الموقف، أفيدوني أفادكم الله؟ وفقكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالحاصل من السؤال أنك وكلت صديقك في إيصال المبلغ إلى أهلك في البيت الذي يقيمون فيه، وأذنت له أن يوكل أباه في ذلك، وكلا الأمرين جائز عند جماهير الفقهاء.

قال في درر الحكام -وهو حنفي-: كما أن للوكيل بإيفاء الديون أن يوفيها بنفسه فله أن يوفيها بواسطة أمينه أما غير أمينه فليس له أن يوفيها بواسطته، فلو قال أحد لآخر: أعط هذه النقود لدائني فلان وأرسل الوكيل المبلغ المذكور مع أحد ليس بأمين له وتلف ذلك المال في يد ذلك الشخص بعد المفارقة لزم الوكيل الضمان، لكن إذا كان ذلك الشخص أميناً للوكيل فليس له أن يضمن الوكيل. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني: إذا أذن الموكل في التوكيل، فوكل، كان الوكيل الثاني وكيلا للموكل، لأنه لا ينعزل بموت الوكيل الأول، ولا عزله، ولا يملك الأول عزل الثاني، لأنه ليس بوكيله. انتهى.

والأصل في الوكيل أنه مؤتمن فلا يضمن ما وكل فيه إلا بتعد أو تفريط، والظاهر من السؤال أن صديقك قد فرط بمخالفة أمرك وشرطك في إيصال المبلغ إلى البيت الذي تعيش فيه أسرتك، مما أدى إلى ضياعه، وهذا يوجب ضمانه للمال الضائع إلا إذا تنازلت له عنه طوعا منك.

قال الكاساني في بدائع الصنائع: الأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن، وإذا كان القيد مفيدا كان يمكن الاعتبار فيعتبر، لقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام (المسلمون عند شروطهم) فيتقيد بالمذكور ويبقى مطلقاً فيما وراءه على الأصل المعهود في المطلق إذا قيد ببعض المذكور، إنه يبقى مطلقاً فيما وراءه، كالعام إذا خص منه بعضه، إنه يبقى عاما فيما وراءه، وإن لم يكن مفيداً لا يثبت بل يبقى مطلقاً، لأن ما لا فائدة فيه يلغو ويلحق بالعدم. انتهى.

أما صديقك فيرجع على أبيه بالمال إذا كان أبوه قد فرط في التحري، وتفريط الأب هنا واضح، وذلك بعدم التأكد من الشخص الذي أعطاه المال، وكذلك بعدم الإشهاد عليه.

قال في التاج والإكليل وهو مالكي: إذا وكله بأن يقضي عنه دينا أو يودع له مالا لم يكن له أن يدفع ذلك إلا ببينة، فإن دفعه بغير بينة ضمن. انتهى.

وقال في الإنصاف وهو حنبلي: وإن وكله في قضاء دين، فقضاه ولم يشهد، وأنكر الغريم ضمن. هذا المذهب بشرطه، وعليه أكثر الأصحاب، كما لو أمره بالإشهاد فلم يفعل. انتهى.

وفي تحفة المحتاج -وهو شافعي-: (ولو) أعطاه موكله مالا و (وكله بقضاء دين) عليه به (فقال قضيته وأنكر المستحق) دفعه إليه (صدق المستحق بيمينه)، لأن الأصل عدم القضاء فيحلف ويطالب الموكل فقط (والأظهر أنه لا يصدق الوكيل على الموكل) فيما قال (إلا ببينة) أو حجة أخرى، لأنه يدفع لمن لم يأتمنه فكان حقه إما الإشهاد عليه، ولو واحداً مستوراً، وإما الدفع بحضرة الموكل نظير ما مر آخر الضمان. انتهى، وراجع الفتاوى ذات الأرقام التالية: 35647، 18433، 19455.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: