مجرد التحاكم بين الأب والابن لا يعد عقوقا
رقم الفتوى: 43086

  • تاريخ النشر:الخميس 23 ذو القعدة 1424 هـ - 15-1-2004 م
  • التقييم:
4763 0 432

السؤال

فضيلة الشيخ حياكم الله و أبقاكم
أنا اخوكم فى الله ع.أ.م. من ليبيا أكتب فى رسالتى هذه قصة حدثث مع أسرتى، هذه القصة تحمل الكثير من الآلام والمعاناة لجميع أفراد أسرتي المكونة من أبي الذي يعمل مدر سا لمادة الدراسات الإسلامية بأحد المعاهد العليا للعلوم الإدارية و حامل لكتاب الله ومحا فظ على الصلاة فى المسجد ويحمل شهادة الماجستير فى القانون المدني, و أمي و إخوتي الأربعة و أخواتي الثلاثة إحداهن متزوجة, أكبرنا عمره 35 سنة و أصغرنا 17 سنة، بدأت أحداث هذه القصة منذ عام 1982 م , المشكلة تكمن فى التغير الذي حدث مع أبي، وهذا التغير حدث مباشرة بعد عودة الأسرة من مناسبة فرح لأحد أعمامي في مدينة تبعد عن مكان إقامة أسرتى بحوالى 850 ك م. هذا التغير المفاجئ كان فى تصرفات والدى مع أمي حيث أصبح صعب المعاملة معها وقاس لدرجة أنه قال لها أمامي بأنه يكرهها وكذلك باقي أفراد الأسرة وكان يرى أن أمي تحاول تدمير حياته ولاتريد له الراحة والسعادة - أنقل إليك هذه التعابير و قلبي يتقطع ألما ولضرورة الأمر أضطر لتوضيح الأحداث لكم بالتفصيل - كما أصبح يشك فيها كثيرا و ينظر إليها على أنها امرأة فاجرة - والعياذ بالله -وكان ينعتنا نحن أ بناءه بأ ننا أبناء فاسدون في أخلاقنا و بأن لنا رفقاء سوء, ويصاحب معاملته القاسية بظنون بأن زوجته تتعاون مع زملائه في عمله ومع جيرانه على دماره ودمار صحته. وامتد هذا الحال إلى أن صار يكره و يوضح هذه الكراهية لجميع جيرانه وزملائه في العمل وباقي أسرته جدي و جدتي , والده ووالدته, وإخوته وأبناء عمومته وأصبح رجلا عنيفاً في معاملته لمن حوله و لا يعتد بكلام أحد ممن سبق ذكرهم، فكلامه هو الصواب و فعله هو الصحيح و من يعارضه يتعرض للطرد و الضرب أحيانا بالنسبة لأبنائه و زوجته بالإضافة إلى السباب والشتم لكل ناصح. وقد فرض حصارا كبيرا على أسرته - علينا نحن أبناءه وزوجته -بأن لا نقوم بأي نوع من الزيارات العائلية كانت أو اجتماعية مما أدى إلى انعزال الأسرة عن باقي العائلة و الجيران و المجتمع ولم يتوقف عن ضرب الوالدة والأبناء بعنف وقسوة بل زاد إلى أنه يهدد بطرد الأبناء وبطلاق الوالدة وكان كثيرا ما يختلق المشاكل بدون أية أسباب حتى وصل به الحد إلى أنه قلل كثيرا من مصروف الأسرة لدرجة أنها لايمكنها طلب أي شيء منه واستمر هذا الحال بالأسرة حتى عام 1995 م. بعد هذه الفترة ازدادت الأمور صعوبة وأصبحت معاملته أكثر قساوة مع الوالدة خاصة، وساومنا نحن أبناءه و أمنا بأن على أمنا أن تخرج من البيت مقابل الكف عن هذه التصرفات فخرجت الوالدة إلى بيت أهلها خوفا منه وحرصا على سعادة أبنائها فخرجت ولم تطلب الطلاق ولم يطلقها هو أيضا وبعد خروج الوالدة من البيت جاء الدور على الأبناء فلم يرحمهم وازدادت معاملته قسوة مما أدى إلى أن يفرجميع إخوتي من البيت إلى أخوالنا إلا أنا بقيت معه في منزل يتكون من طابقين هو في الطابق السفلي وأنا في العلوي وبعلم الله كم عانيت من معاملته القاسية لي. ومنذ خروج أمي وإخوتي لم يكلف نفسه بأن يسأل أو يبعث إلى أبنائه أية مصاريف ولايريد رؤيتهم ولا يقبل زيارتهم له للإطمئنان عليه. و بما أنني الوحيد الذي صاريعيش معه فقد لاحظت عليه تصرفات غريبة حيث إنه كثير البقاء في الطابق السفلي وكثيرالتجول ليلا فى الظلام داخل المنزل وكثير التدخين عند عتبة حمام الطابق السفلي ويقضي أوقات طويلة تحت ضوء الشمع –مع وجود الكهرباء بالمنزل و لكنه يطفئها - وهو يكتب ليلا و مازال كثير الشكوك بكل من حوله. راودتنى أسئلة كثيرة هل هو إنسان مريض نفسيا أو مسحور فإن كان مريضاً أو مسحوراً فإننا لا نستطيع الكلام معه أو أن نفعل معه أي شيء لمعالجته لأنه يتحول إلى رجل شرس عند القرب منه أو الحديث معه في هذا الموضوع بالأخص .لذلك لا أستطيع أن أعالجه بأى وسيلة ، ونطرا لضيق حالة باقي أفراد الأسرة حيث إنها تسكن في شقة ضيقة مستأجرة وعدم وجود عائد مادي يكفينا لتعيش عليه الأسرة فكرنا نحن الأبناء بأن ترفع أمنا قضية طلاق حتى نعود إلى بيتنا بالطابق العلوي أو السفلي و تصرف لها ولنا النفقة ولكننا عزفنا عن الفكرة خوفا من الله –لاننا سنكون سبب التفريق- علما بأن والدتى إمرأة صالحة وطيبة بشهادة كل من يعرفها غير أنها لا تقرأ و لاتكتب.
فأرجوا من فضيلتكم مساعدتنا فى إيجاد حل لهذه المشكلة، بحيث نعرف هل هو مسحور أم مريض نفسيا؟ وكيفية معالجته؟ فإن كان لا هذا ولا ذاك فهل يحق لنا أن نرفع عليه قضية طلاق؟ وأن نساعد أمنا على ذلك ؟ كما إنني أناشدك الله بأن تذهب الى الكعبة المشرفة وتشرب من ماء زمزم و تدعو لنا بأن يفرج الله كربتنا هذه فرج الله كرباتك في الدنيا و الآخرة, امتثالا لقول الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم زمزم لما شرب له أو كما قال.آملين من الله سبحانه وتعالى أن تجدوا لنا حلا لهذه المشكلة, وفقكم الله لكل خير.
أخوكم في الله ع.ا.م. من ليبيا

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

 

فإننا أولاً نسأل الله عز وجل أن يجعل لكم من هذا الهم فرجاً ومخرجاً.

ولا شك أن ما أقدم عليه أبوكم وما فعله في حقكم جميعاً أمر محرم شرعاً ومما يؤسف له، وذلك أنه ضيعكم من ناحية النفقة والسكن والتربية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت. رواه أبو داود والنسائي والحاكم، إلا أنه قال: "من يعول"، وحسنه الألباني.

وكان من المفترض أن يكون قائماً بحقكم أفضل قيام، لأنه حافظ لكتاب الله عز وجل، ومعلم يعلم الناس تعاليم الإسلام كما ذكرت.

وهذه الأعراض التي ذكرتها في السؤال من أنه كثير التجول ليلاً في الظلام ونحو ذلك، قد تكون ناتجة عن سحر، وقد تكون عن مرض نفسي، وكلا الأمرين محتمل.

ونحن ننصحكم بنصيحة تتلخص في ثلاث نقاط:

الأولى: التوبة الصادقة من جميع أفراد الأسرة إلى الله عز وجل، فلعل ما أصابكم كان بسبب ذنوب صدرت منكم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة".

وقال تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(الأنعام: من الآية42) ، وقال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ(الأنعام: من الآية43).

فتوجهوا إلى الله عز وجل بالتوبة والتضرع والاستغفار لعله أن يرفع عنكم سبحانه وتعالى هذا البلاء.

الثانية: إذا وُجِد شخص قريب من والدكم يسامره ويحادثه فليذكِّره بالله عز وجل، وبسطوته وعقابه، وأنه مسؤول أمام الله عز وجل عن هذه الأسرة التي مزق شملها، فلعله أن يتأثر ويتوب ويرجع، وليحاول جاهداً إقناعه بضرورة العلاج إذا أمكن ذلك، بأن يعرض نفسه على طبيب نفسي، أو على من يعالج من المشايخ الثقات بالقرآن والأدعية المأثورة في السنة، فلعل الله عز وجل أن يشفيه، فإن امتنع من تمكين أحد لرقيته، فبالإمكان قراءة آيات الرقية على ماء يشربه، فإن ذلك نافع إن شاء الله، مع الإكثار من قراءة سورة البقرة في البيت، وإخراج وسائل الشيطان منه كالصور والتماثيل والكلاب.

الثالثة: إذا علمتم منه الصدود أو غلب على ظنكم عدم استجابته، فلكم أن ترفعوا أمركم إلى القضاء الشرعي لإلزامه بما يلزمه شرعاً تجاهكم، وتجاه أمكم، واعلموا أن هذا ليس من العقوق، قال صاحب الزاد: "وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها، وحبسه عليها". ا.هـ

وقد دلت السنة على جواز مرافعة الأب ومخاصمته عند المحاكم، روى البخاري في صحيحه من حديث معن بن يزيد قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه.

كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيت بها فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن.

ففي هذا الحديث أن معنا خاصم أباه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم له رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيه، حيث أقر أن المال الذي أخذه له، وأن هذا ليس من العقوق، قال الحافظ في الفتح: "وفيه جواز التحاكم بين الأب والابن، وأن ذلك بمجرده لا يكون عقوقاً". ا.هـ

وعليه؛ فلا حرج عليكم في رفع قضية عند المحكمة الشرعية لأمكم تجاه أبيكم، بل لكم أيضاً أن ترفعوا أنتم  أيضاً أمركم إلى المحكمة ليلزموه بما هو لازم شرعاً تجاهكم.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة