الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خدمة الوالدين من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله
رقم الفتوى: 366745

  • تاريخ النشر:الإثنين 23 ربيع الأول 1439 هـ - 11-12-2017 م
  • التقييم:
2643 0 87

السؤال

أردت السؤال عن البر بالوالدين, لم ألحظ قط بأني لست بارة بوالدي , كما أنني أعترف أني أرفع صوتي، وأصرخ تجاه والدي، وأنا شديدة الغضب والتوتر؛ لذلك لم أر نفسي قط عندما يأتي للشجار بيني وبين والدي, وأردت الهداية تجاههم، لكن أجد صعوبة في تلبية طلباتهم , فوالدتي كثيرا ما تطلب مني أن أوصلها لمنزل جدي، ويصادف في يوم أنا حقا متعبة فيه، ولا أرتاح، فأجلس في منزل جدي، فهو منزل قديم مهترئ لدرجة أن زوجة خالي تحاول التجديد فيه قدر المستطاع لكنها تفشل؛ لأن جدي يكره التغيير بشدة والإصلاح , والآن جدي رجل كبير في السن, وزوجة خالي من حقها أن تخرج وتزور أهلها, فمجرد أن تزور أهلها يتضايق جدي من عدم وجود أحد في المنزل، فيتصل بوالدتي من أجل أن تزوره، ويأتي الأمر على عاتقي , فكثيرا ما يطلب منها أن تذهب له، وبمجرد أن يصادف عطلة يجب أن نزوره، وأحيانا تكون الزيارة في الإجازة الصفية يوميا , لدرجة أنني أرهق بشدة من سياقة السيارة؛ فأتشاجر مع والدي كثيرا الذي يتجنب بدوره أن يأخذ والدتي لمنزل جدي؛ لأنه يتعطل، ويريد أن يزور ابنة وابن عمتي المريضين -أسأل الله الشفاء لهما - في المستشفى , ويتشاجر معي مع أنه يعلم أنني أرهق بشدة, وأصبح جدي حساسا جدا بسبب كبر سنه، وترفض زيارته في وقت العصر، وترغمنا على الزيارة مساء وعلى العشاء، فكثيرا ما أطلب منها أن تغير موعد الزيارة، فمللنا من الذهاب على العشاء , فنحن نادرا ما نخرج للترفيه، ومع ذلك عندما نزور جدي لا نمرح ولا يتغير شيء , فالمنزل مهترئ ووالدتي بنفسها تكره الزيارة لانها مصابة بالسكري والضغط، وتحتاج أحيانا للاستلقاء، ولا تجد مكانا مريحا لها، ومع ذلك لا يوجد انترنت، والتلفاز معظم قنواته مغلقة, ونصحوني أهلي بقراءة القرآن وقت زيارتنا , لكن عندما يراني أقرأ القرآن في كل زيارة يغضب ويقول أنت تأتين لا لزيارتي فقط لقراءة القرآن، مع أن جدي لا يجلس معنا، ويظل في المجلس، ويحب الجلوس وحده , وهذه المشكلة الوحيدة التي تعيقني على بر والدي، فأنا أرهق من كثرة زيارة والدتي إلى منزل جدي، ولو كنا نخرج للترفيه وزيارة الأهل نضطر لأن نغير مخططاتنا، ولو كان لدينا ضيوف , فأتشاجر مع والدي كثيرا, وإن عزمنا جدي على العشاء فهو لا يراعينا، فهو ملتزم بالوقت بشدة , فإن أحضره والدي يريد أن يأكل العشاء في ساعة، ويعود مباشرة إلى المنزل، ووالدي يتضايق لأنه تفوته الصلاة، ولا يستطيع السماح لي بإعادته، لأنه يخاف علي من السياقة في وقت الازدحام والصلاة.
أرجو نصيحتي كيف يكون بر الوالدين؟ هل هو في تلبية كل ما يأمرون به ؟ فأنا أتعجب أني أصرخ من التعب الذي يصيبني من السياقة، ومع ذلك أراعي والدي كثيرا في المال لدرجة أنه مرت ثلاثة أشهر ولم أشتر لي فستانا, وأخي يصرف كثيرا من المال، وأختي تسب وأحيانا تصرخ على والدتي، ومع ذلك والدتي تقول لي أنت عاقة، ولا تكلميني عن إخوتك الصغار, فهل من بر الوالدين فقط تلبية أوامرهم؟ و كيف يكون ذلك؟ أرجو نصيحتي؟ وكيف أتعامل مع والدتي في ما يخص جدي، فلا حق لنا أن نقول لزوجة خالي أن تبقى في المنزل فهي بنفسها تقول أحرم من الخروج من المنزل من أجله، فهو يتضايق بمجرد أن أوصل أطفالي إلى مدارسهم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فحق الوالدين عظيم، وقد أمرنا الله بمخاطبتهما بالأدب والرفق والتواضع والتوقير، ونهى عن زجرهما وإغلاظ القول لهما، فلا ريب في كون رفع الصوت على الوالدين ينافي برهما، قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء23 ،24]
قال القرطبي –رحمه الله- : (وقل لهما قولا كريما ) أي لينا لطيفا مثل : يا أبتاه ويا أمّاه من غير أن يسميهما ويكنيهما، قال عطاء: وقال ابن البداح التجيبي: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله: وقل لهما قولا كريما ما هذا القول الكريم؟ قال بن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. الجامع لأحكام القرآن - (10 / 243)
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: ومن هذه الآية الكريمة تعلم أنه لا يجوز رفع الصوت عليهما، بل يجب التأدب معهما وخفض الجناح لهما. اهـ
والواجب عليك طاعة والديك في المعروف، فإذا أمراك بما لا يخالف الشرع، ولا ضرر عليك فيه وجب عليك طاعتهما؛ حتى ولو كان عليك فيه مشقة، قال ابن تيمية –رحمه الله- : وَيَلْزَمُ الْإِنْسَانَ طَاعَةُ وَالِدِيهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ أَحْمَدَ، وَهَذَا فِيمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا. اهـ الفتاوى الكبرى - (5 / 381) وراجعي حدود طاعة الوالدين في الفتوى رقم: 76303.
فإذا أمرتك أمّك بتوصيلها لزيارة جدك فواجب عليك طاعتها حتى ولو كان ذلك يشق عليك ما دمت لا تتضررين، فإن كان عليك ضرر في بعض الأحوال، فلا تجب عليك الطاعة حينئذ، لكن عليك أن تعتذري لهما برفق وأدب. ومما يعينك على ذلك أن تستحضري الأجر العظيم والفضل الكبير في برّ الوالدين، فإنّه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، ففي الأدب المفرد للبخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قَالَ: رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرب في سخط الوالد.
وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه. رواه ابن ماجه والترمذي.
قال المباركفوري رحمه الله: قَالَ الْقَاضِي: أَيْ خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ وَيُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ. اهـ تحفة الأحوذي (6/ 21)

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: