الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فضل معاوية وبراءته من دم محمد بن أبي بكر الصديق
رقم الفتوى: 120404

  • تاريخ النشر:السبت 23 ربيع الآخر 1430 هـ - 18-4-2009 م
  • التقييم:
11332 0 348

السؤال

شيخنا الحبيب بعد قراءتي لمقتل محمد بن أبي بكر الصديق كرهت معاوية الطليق ابن الطليق كيف يكون مبشراً بالجنة، وهو قاتل ومثل بجسد ابن خليفة رسول الله، حيث قال رسول الله (ص) إياكم والمثلى ولو بالكلب العقور. وروي أنه كان اغتال كثيرا من أهل بيت الرسول وأصحابه الأبرار، وكان يقول إن للناس جنوداً من عسل.
السؤال لو سألنا مستشرق عن أفعال معاوية ؟ إن قلنا خطأ سيسألنا كيف للرسول أن يبشره بالجنة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فما ذكره السائل عن معاوية رضي الله عنه في أمر قتل محمد بن أبي بكر الصديق لم يثبت. بل الذي قتله هو معاوية بن حديج على المشهور في كتب التاريخ، وقد سبق تفصيل ذلك في الفتوى رقم: 61988.

وينبغي هنا أن ننبه على أن كثيرا من الروايات المتداولة في بعض كتب التاريخ عن بني أمية عموما وعن معاوية خصوصا، فيها جانب كبير من الكذب والزور بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، والتي كانت شرارتها الأولى مقتل عثمان، وكذلك بسبب الزندقة والطعن في الإسلام، فقد شوهت بعض كتب التاريخ العهد الأموي برمته بروايات أعداء بني أمية التي ذكرها كثير من المؤرخين، كروايات أبي مخنف، ومن ذلك اتهام معاوية رضي الله عنه بحمل الناس على سب علي ولعنه فوق المنابر، وقتل كثير من أهل بيته، فهذه الدعوة لا أساس لها من الصحة.

والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها، علماً بأنها لم تثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الدميري، واليعقوبي، وأبي الفرج الأصفهاني. والمسعودي.

علماً بأن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية لأمير المؤمنين علي وأهل بيته الأطهار، فمعاوية رضي الله عنه بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين وحسن السيرة في الأمة، وقد أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير، وراجع الفتوى رقم: 37060.

 وننصح السائل الكريم بقراءة الكتب والرسائل التي اهتمت بتجلية هذا الجانب، ومن ذلك رسالة (تبرئة معاوية بن أبي سفيان مما نسب إليه من الزور والبهتان) لعبد الله زقيل. ورسالة (رد البهتان عن معاوية بن أبي سفيان) لأبي عبد الله الذهبي. ورسالة (سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان) لسعد بن ضيدان السبيعي. وكتاب (معاوية بن أبي سفيان صحابي كبير وملك مجاهد) لمنير الغضبان. وما كتبه الدكتور علي محمد الصلابي عن العهد الأموي وعن خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما. وما جمعه الشيخ محمد مال الله من الشبهات حول الصحابة والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، في الجزء الخاص بمعاوية.

وأما قول السائل: (كيف للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبشره بالجنة) إن كان مراده أن معاوية رضي الله عنه من العشرة المبشرين بالجنة؟ فليس منهم قطعا. وإن كان قصده ورود حديث صحيح بأنه من أهل الجنة؟ فلم نقف على ذلك فيما اطلعنا عليه. وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة أكثرها موضوع أو باطل، كما قال  الذهبي  في السير وبعضها مقارب، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 62933.

ثم إنه من المعروف أن دخول الجنة ليس حكرا على المعصومين من الذنب، بل من غلبت حسناته سيئاته وثقلت موازينه فهو من أهلها، كما قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {الأعراف:8}] وقال سبحانه: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ {القارعة:7، 8}.

 فلا يجوز إهدار فضل معاوية رضي الله عنه لخطأ أو أخطاء وقع فيها، فإنه إن كان وقع في هذه الأخطاء عن اجتهاد، فحاله يدور بين الأجر والأجرين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر. متفق عليه. وإن كانت هذه الأخطاء ذنوبا، فهي يسيرة في جانب ما له من حسنات، ومما يبين ذلك أن المسور بن مخرمة كان يعيب على معاوية أشياء، فسأله معاوية عنها فذكرها له، فقال معاوية رضي الله عنه: لا أبرأ من الذنوب، فهل لك ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت: نعم. قال: فما يجعلك أحق بأن ترجو المغفرة مني، فو الله لما ألي من الإصلاح بين الناس، وإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، والأمور العظام التي تحصيها أكثر مما تلي، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو فيه عن السيئات، والله مع ذلك ما كنت لأخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه. قال: ففكرت حين قال لي ما قال، فوجدته قد خصمني، فكان إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير. رواه عبد الرزاق. وقد سبق ذكر ذلك وبيان هذا المعنى في الفتوى رقم: 34898.

والله أعلم.


 

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: