الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسواس يوهمني بالمرض ويشعرني بالقلق.. فكيف أعود لطبيعتي؟
رقم الإستشارة: 2325027

1549 0 163

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا: أود شكر العاملين على هذا الموقع الرائع جزاكم الله خيراً.
ثم أني قررت أن أنتفع بعلمكم وخبرتكم وحسن ردكم الذي لمسته من قراءتي للكثير من الاستشارات فيما يشابه حالتي، وأود من الدكتور محمد عبد العليم بأسلوبه الجميل والمطمئن إجابة شافية لمشكلتي التي أرقتني كثيرا.

أنا سيدة، عمري 32 عاما، ولدي طفلان، ولدت وأعيش في السعودية، أحمل بكالوريوس هندسة برمجيات، ربة بيت لا أعمل، توفي زوجي منذ 3 سنوات بأزمة قلبية، وترك فراغاً كبيراً في حياتي والحمد لله على كل حال.

بدأت مشكلتي منذ ستة أشهر تقريبا بوسواس وخوف من حبة ظهرت داخل فمي بعد التهاب حلق وسخونة لعدة أيام، بدأت أقرأ عنها ومرت علي كلمة سرطان الفم فهلعت وقررت عدم البحث، ولكن الخوف والتفكير لازماني لأيام حتى قررت زيارة طبيب الجلدية الذي طمأنني فرجعت من عنده مرتاحة، ونسيت الحبة، وتوقفت عن مراقبتها وتحسسها فاختفت بعد أيام.

ارتحت أسبوعين إلا أنني بدأت أشعر بخوف وقلق مبالغ فيه وغير مبرر من الأمراض، فأصبحت أراقب جسمي، وأشك في أقل عارض، وأخاف من السرطان كثيراً، وأهلع إذا ذكرت الكلمة أو سمعت بشخص مصاب به.

اضطرب نومي، فأصبحت لا أنام إلا بصعوبة وإن استيقظت لأي سبب لا أستطيع العودة للنوم ثانية،
كما أنني فقدت الشهية، ونزل وزني حتى وصل 50 كجم، وأشعر بالتخمة وكأني أكلت للتو وجبة دسمة، وأتجشأ كثيراً، وبطني منتفخة وأشعر بحرقة فيها، وفي حالات الخوف الشديد يصيبني إسهال، كما أصابتني غصة في حلقي، وثقل في صدري وظهري، جميع هذه الأعراض زادت من خوفي، وذهب تفكيري لسرطان المعدة أو القولون، فذهبت لطبيب الباطنية فذكر لي أن الحالة بسيطة إن شاء الله، ووصف لي موتيليوم للهضم، وبروتون للارتجاع، ومكمل غذائي وموسيجور لفتح الشهية، وحمية غذائية، ونصحني بعدم التفكير والقلق، تحسنت بنسبة كبيرة جداً والحمد لله، وزالت غصة الحلق، وتحسنت نفسيتي أيضا فبدأت تزول عني الوساوس.

لكنها بعد فترة عادت وأحاول دائما تجاهلها ومقاومتها فأنجح أحيانا، وأحيانا تغلبني فيزداد الخوف وتعود معدتي للاضطراب من جديد، وأعود للقلق بشأن صحتي وهكذا.

أذكر قبل سنوات أني وسوست بسرطان الثدي، وأحسست بوخزات في ثديي وحينما أرهقني التفكير زرت الطبيبة وفحصتني وطمأنتني فعدت لطبيعتي، ثم بعدها بفترة كنت أراقب الثنيات بين أصابعي وأراها أفتح لوناً وبدأت أقلق من البهاق ولكنها أيام وطردت الأفكار عني وعدت كما كنت.

مشكلتي هذه المرة أن المسألة طالت وحتى حينما أتغلب على الأفكار والوسواس يبقى شيء من الخوف والقلق بلا سبب محدد، وسأضيف بعض الأمور في نقاط:
- تزاحمت الأفكار في رأسي كثيراً خصوصاً عندما بدأت حالتي وكنت حينها أنسى كثيراً حتى الأشياء القريبة؛ أنسى متى استيقظت، ومتى نمت البارحة، وماذا أكلت؟ إلا أن هذا العارض زال بعد فترة بسيطة.

- أرى الكوابيس أحيانا وهي قليلة.

- شعرت مرة بألم في أعلى يسار ظهري وكنت ذهبت للنوم وقتها ولا أعلم لماذا انتابني ذلك الخوف الشديد، وأحسست بأنه الأجل، وبدأت ارتجف، واحتجت للتبول كثيراً، وأصبحت أتحرك جيئةً وذهاباً في المنزل، وزال ذلك العارض بعد دقائق.

- قلقة أحياناً من المستقبل، وأفكر بتشاؤم، وإذا أصاب المقربين مني خصوصاً والداي، عارض صحي أو مشكلة ما ولو بسيطة أجدني قلقة وحزينة بصورة مبالغ فيها.

- استفدت من بعض الاستشارات، وصرت أطبق تمارين الاسترخاء أحيانا وأمارس الاوربتتراك عشر دقائق أو 15 دقيقة شبه يومياً، فصعب علي الخروج وممارسة المشي، واستفدت من ذلك كثيراً.

- صلاتي في وقتها وأحاول الالتزام بقراءة القرآن وأذكار الصباح والمساء.

- أحب الخروج والتنزه، ولكن لا أتمكن من ذلك دائماً.

- أنا شخصية لا أحب أن يظهر الضعف علي، ولا أبوح بمشاعري لأحد، ولا زلت أشعر بالوحدة والفراغ بعد فقد زوجي، ولكني أظهر عكس ذلك لأهلي خصوصاً.

- كنت متفوقة في دراستي وأحب النظام والانضباط، محبوبة، وأحب القراءة، ومحل استشارة ممن حولي، ولكن قلقة بطبيعتي، وعصبية.

أريد أن أعود كما كنت، صحيح أنني الآن أفضل بكثير من السابق، وغالباً أستطيع التغلب على الفكرة الوسواسية وأحقرها، ولكن لا زال بي شيء من القلق والخوف خصوصاً من أن يستمر حالي هكذا أو انتكس، أو يتطور وضعي النفسي مستقبلا للأسوأ.

كنت مترددة في العلاج الدوائي، ولكن إن كان لا بد منه فأنا أثق فيما ستصفه لي.

حاولت وصف حالتي، وأتمنى أنني استطعت ذلك، وعذراً فربما الفقرات غير مترابطة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد، وأشكرك على كلماتك الطيبة، وأقول لك: جزاك الله خيرًا على ما قلته وعلى مشاعرك الطيبة نحونا، وَفُضَّ فُوكِ، وأسأل الله تعالى لزوجك الكريم الرحمة والمغفرة ولجميع موتى المسلمين، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذريتك قُرة عينٍ لك وسندًا لك.

أيتها الفاضلة الكريمة: هذا السرد الجميل الذي ورد في رسالتك والأفكار المرتّبة والواضحة عن نوعية الأعراض التي تعانين منها أؤكد لك –وبما لا يدع مجالاً للشك– أنه لديك ما نسميه بقلق المخاوف ذي الطابع الوسواسي، والذي تلمَّسته من رسالتك أن هنالك شيئًا من الرِّقة والحساسية في شخصيتك، وهذا ربما يكون جعلك تكونين أكثر هشاشة بعض الشيء فيما يتعلق بالطريقة التي تظهر بها أعراض قلق المخاوف المتعلقة بصحتك الجسدية.

وشيء آخر مهمٌّ جدًّا: أن الحديث عن السرطان والأمراض المشابهة قد كَثُرَ، والمعلومات الطبية أصبحت كثيرة، وفي بعض الأحيان تكون مغلوطة، هذه قطعًا عوامل تتلاعب بوجداننا الداخلي، وتُثير لدى الكثير المخاوف المرضية، ومن ثمَّ تبدأ رحلة ما نسميه بالمراء المرضي والتشكك حول الصحة والبحث هنا وهناك، وهذا قطعًا دهليز مظلمٌ جدًّا يفقد الإنسان فيه طريقه الصحيح، ويظلّ مهمومًا حول صحته.

أنتِ بخير -إن شاء الله تعالى- وكل أعراضك التي ذكرتها بالفعل هي متطابقة تمامًا مع قلق المخاوف الوسواسي، وهنالك عامل قد يكون أيضًا لعب دورًا وهو وفاة زوجك بشكل مفاجئ –عليه رحمة الله تعالى– هذا أيضًا قد يكون تجسَّد على مستوى العقل الباطني، وجعلك دائمًا تتخوفين الأمراض وموت الفجاءة وما شابه ذلك، نسأل الله له الرحمة والمغفرة وحُسن العاقبة.

قطعًا منهجك العلاجي منهج ممتاز، ممارسة التمارين الاسترخائية، محافظتك على صلاتك، قطعًا لديك اهتمامًا كبيرًا بتربية أولادك، حُبك للقراءة، هذه كلها دوافع علاجية مهمّة جدًّا.

ويا حبذا أيضًا لو استثمرتِ وقتك كلّه بصورة أفضل، مثلاً: الانضمام إلى أحد مراكز تحفيظ القرآن ما دمتِ لا تعملين، وأنت صاحبة مؤهل عالٍ. تطوير أي نوعٍ من الهوايات، الانخراط في جمعية اجتماعية أو خيرية أو خلافه، هذا أعتقد أنه سوف يؤدي إلى صرف انتباهك من أعراضك هذه، وأرجوك ألا تتنقلي بين الأطباء، ما نسميه بـ (Doctor shopping) مشكلة كبيرة، هذا لا أريدك أن تقعي فيه أبدًا، وخير وسيلة لتجنب ذلك هي: أن تعيشي حياة صحيَّة – كما تحدَّثنا – وعليك أن تُراجعي طبيبة الرعاية الصحية، أو طبيبة الباطنية، أو أي طبيبة تثقين بها مرة واحدة كل ستة أشهر من أجل إجراء فحوصات عامَّة روتينية، والفحص المختبري المطلوب، هذا هو الذي أنصحك به.

بالنسبة للعلاج الدوائي، أقول لك: نعم، الزولفت والذي يُعرف علميًا باسم (سيرترالين) سيكون دواء رائعًا جدًّا في حالتك، وهو سليم، لا يؤثِّر على الهرمونات النسوية، ولا يؤدي أبدًا إلى الإدمان. هنالك أثر بسيط جدًّا، وهو أنه قد يفتح شهيتك قليلاً نحو الطعام.

الجرعة هي أن تبدئي بخمسة وعشرين مليجرامًا (نصف حبة) ليلاً لمدة أسبوعين، بعد ذلك اجعليها حبة واحدة (خمسين مليجرامًا) ليلاً لمدة ستة أشهر، وهذه جرعة صغيرة جدًّا، وهي تكفي في حالتك، بعد ذلك اجعليها نصف حبة يوميًا لمدة شهرٍ، ثم نصف حبة يومًا بعد يومٍ لمدة شهرٍ آخر، ثم توقفي عن تناول الدواء.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • الكويت REEM

    انا معي نفسك بالظبط

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً