الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خوف من المستقبل ومن فقد الأهل والموت، ما تشخيص حالتي وعلاجها؟
رقم الإستشارة: 2177207

49390 0 835

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله لكم الأجر على هذا الموقع الرائع، وجعله في ميزان حسناتكم.

أكتب لكم اليوم بعد تردد دام 4 أشهر، لا لشيء لكن كلما دخلت الموقع وهممت أن أكتب مشكلتي، أرى مشكلات غيري وأحمد الله على كل حال.

بدأت مشكلتي قبل حوالي سنة تقريباً، كنت في الجامعة وحكت لي إحدى صديقاتي عن وفاة ابن خالتها الفجائية عندما كان نائماً -رحمه الله-، وأنه كان يدرس في الغرب، واستغرق وصول جثته أياماً، وحكت لي بالتفصيل ماذا جرى له، وردة فعل أهله وأمه، بكيت لشدة تأثري برغم أني لا أعرفه.

عندما عدت للمنزل ووضعت رأسي على المخدة، أصابتني رعشة وتذكرته، وأصبحت أقول أني سأموت إذا نمت، أصابني رجفان في قلبي، قرأت القرآن وصليت ودعوت الله، لكن لم أستطع محو موضوعه من بالي، واستمرت الحالة ما يقارب ساعتين ثم هدأت، ومن بعدها مرت علي فترة صعبة جداً بخصوص الموضوع، أصبحت أخاف من الموت وذكره، وأربط أي شيء يصير لي به، نقص وزني كثيراً وفقدت شهيتي حتى أتت الإجازة الصيفية، -والحمد لله- مع الانشغال والسفر تناسيت الموضوع.

بعد 3 شهور وبعد عيد الفطر فجعت بموت صديقة عزيزة جداً، هي وأهلها كلهم باستثناء أخيها وأختيها في حادث مروري، كانت صدمتي شديدة -رحمها الله وغفر لها-، كانت بمثابة أخت، ومن بعدها رجعت الحالة أشد، أصبحت أخاف ركوب السيارات ومن السفر، وأستخرج ألف عذر حتى لا نذهب، وبالفعل لم نسافر، أخاف من ركوب الحافلة وأنا في طريقي للجامعة، أتوقع في أي لحظة سيقع لنا حادث، لكن في الفترة الأخيرة أصبحت أبني كل موضوع على ما حدث لصديقتي، يعني مثلاً أختي ستتزوج بالصيف -بإذن الله-، لم أشعر بالحماس لأني خفت أن نموت ونحن في الطريق، لأن صديقتي كانت مخطوبة وقتها، وسمعت هي قصة عن وفاة عروس وأهلها في أثناء ذهابهم للزواج وهكذا.

أصبحت أخاف أن يموت أحد والديّ أو إخواني أو أولادهم، لأني شديدة التعلق بهم، أخاف أن أنام ولا أستيقظ أو أختي أو أمي، أضحك وكأنها آخر ضحكة، أو أجلس للحديث معهم، وعندما أقوم أقول أن هذه آخر جلسة معهم، أتخيل ماذا سيصير بعد موتي، كيف سيتصرفون؟ إذا شعرت بهذه الأعراض أوقف نفسي عن التفكير بها، لكني لا زلت خائفة، أعلم أن الموت حق، لكني أخاف، وأظل على أعصابي حتى يرجعوا للمنزل، ومن قبل أن تصيبني هذه المخاوف أنا بطبيعتي خوافة من صغري، كنت أخاف من الظلام والقطط والوحدة، ولكن –الحمد لله- من بعد هذه الأحداث وثقت صلتي بالله رب العالمين، حافظت على الأذكار التي لم أكن أحافظ عليها، أصبحت أصلي النوافل، ابتعدت-والحمد لله- عن سماع الأغاني.

أريد حياتي الجديدة مع الماضية، أريد ضحكتي وراحة بالي مع التزامي -ولله الحمد-، أريد أن أركب السيارة وأنا أضحك وأتكلم مثل السابق، ولست مترقبة وساكتة، أريد إبعاد فكرة ووسواس الموت، صرت لا أدخل المواقع الاجتماعية كثيراً، لأني رأيت أشخاصاً كانوا معنا وفجأة ماتوا، والناس صاروا يعزون فيهم، صرت أتخيل أني مكانهم، وماذا سيقولون عني؟ أريد التفاؤل بمستقبلي، بقيت لي سنة -إن شاء الله- وأتخرج، وأحس أني لن أكملها، حتى في كتابتي لموقعكم الكريم ترددت، وقلت لو مت وهم لم يردوا علي لن ينفعونني مهما قالوا، ومن ناحية ثانية أعرف أنه خطأ، وأبعد هذه الفكرة الغبية.

ما تشخيص حالتي؟ وما الحل -جزاكم الله خيراً-؟

وآسفة على الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بسمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

الخوف الذي أصابك ناتج من مشاعر إنسانية طيبة ورقيقة، والخوف يُكتسب ويتم تعلمه مثله مثل أي شيء آخر، وما مررت به من تجارب عزز لديك فكرة الخوف، فالصديقة التي حكت لك عن وفاة ابن خالتها الفجائية، وما تبع ذلك من تأخر في حضور الجثمان، هذا حدث كبير جدًّا ليس بالصغير، ولسبب ما رسّخ في وجدانك الخوف، وبما أن الموضوع يتمركز حول الموت وبصورة مفاجئة، هذا عزز لديك الخوف وجعله ليس خوفًا عموميًا، إنما خوف خاص، ثم بعد ذلك أتت فاجعة موت الصديقة العزيزة وتحت ظروف محزنة، هذا الحدث قطعًا مثَّل جرعة إضافية تعزيزية لتقوية نواة الخوف لديك، وكان الحاصل النهائي لهذه الظواهر النفسية هي أنك أصبحت تتخوفين من الموت ومن ركوب السيارات، حيث إن السيارات هي مصدر الحوادث، وأصبح يأتيك الفكر الوسواسي القلقي التوقعي، وجعلك بهذه الصورة التي أنت عليها الآن.

لكن -الحمد لله تعالى– أنت أيضًا أدركت الطرق العلاجية، وهي أنك وثقتِ صلتك بالله تعالى رب العالمين، فهو خير حافظ، والأذكار من وجهة نظري هو علاج عظيم لمثل مخاوفك هذه، بشرط أن يكون هنالك تدبر وتأمل وتفكر.

أحكي لك قصة بسيطة عن نفسي: ركبتُ الطائرة لأول مرة في شهر ديسمبر عام 1980، وكانت متجهة من مدينة الخرطوم في السودان إلى لندن، وكنتُ خائفًا جدًّا من ركوب الطائرات، وبفضل من الله تعالى قرأ الطيّار دعاء الركوب، وهذا الطيَّار معروف وموجود -بفضل الله تعالى– حتى اليوم، واسمه (شيخ الدين) وهو رئيس الطيارين للخطوات الجوية في السودان في ذاك الوقت، قرأ دعاء الركوب، ثم بعد ذلك عند لحظة الإقلاع قال وبصوتٍ جميل: {بسْم الله مَجْريها ومُرساها}، وصدّقيني -أيتها الفاضلة الكريمة– كأن فتحًا عظيمًا قد أتاني في تلك اللحظة، وشعرت أنني في أأمن مكان في الدنيا، هذا ليس مبالغة، وأنا أعرف الكثير الذين يتأملون في هذه الأذكار، ويدققون فيها، ويكون مستوى استيعابهم لها عاليًا، لأن الاستيعاب على المستوى الوجداني والفكري والمعرفي هو الذي يجعل الإنسان يتفهم الأمور على حقيقتها، ويأخذ بها، فأرجو أن تنتهجي هذا المنهج.

الخوف من موت الفجاءة، أو أن ينام الإنسان ولا يستيقظ، فالنوم هو الموتة الصغرى، والوفاة هي الموتة الكبرى، تصوري -أيتها الفاضلة الكريمة– الدعاء الذي علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم– حين ننام: (باسمك ربي وضعتُ جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، أو دعاء: (اللهم إني أسلمتُ نفسي إليك، ووجهتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) لا أعتقد أنه سوف تكون هنالك رهبة بعد ذلك، خاصة وهذا الدعاء الأخير من قاله فمات مات على الفطرة كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم–، وما دام الموت حقّ، فالإنسان يطلب من الله تعالى في تلك اللحظة أن يرحمه، وإن أصبح واستيقظ يسأل الله تعالى أن يحفظه، ويقول: (الحمد الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) أو يقول: (الحمد لله الذي رد إليَّ روحي وأذنِ لي بذكره) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-.

ليس هنالك أجمل من ذلك، ليس هنالك شيء مطمئن للإنسان أكثر من ذلك، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، إن في ذلك الاطمئنان الكبير العظيم، فأرجو أن تنتهجي هذا العلاج السلوكي، وهذا جميل ويكفي.

وشيء آخر: لا مانع أن تتناولي دواء بسيطًا جدًّا مضادًا للمخاوف، هذا الدواء يسمى (سبرالكس) واسمه العلمي (استالوبرام)، تناوليه بجرعة خمسة مليجرام –أي نصف حبة من الحبة التي تحتوي على عشرة مليجرام– لمدة عشرة أيام، ثم اجعلها حبة كاملة لمدة ثلاثة أشهر، ثم نصف حبة ليلاً لمدة أسبوعين، ثم نصف حبة يومًا بعد يوم لمدة أسبوع آخر، ثم توقفي عن تناول هذا الدواء.

أؤكد لك مرة أخرى أنه سليم وغير إدماني، وسوف يزيل عنك الخوف تمامًا، أرجو أن تعيشي حياتك بكل نشاط واقتدار وإدارة للوقت بصورة ممتازة، وانظري علاج الخوف من الموت سلوكيا: (259342 - 265858 - 230225)، وآداب النوم: (277975).

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • الجزائر yasino

    انا ايضا مثلك

  • السعودية ام دلع

    حتئ انا مثلك ولكني استعنت بالله وتوكلت علئ رب العالمين فمن توكل علئ الله فهو حسبه

  • تونس نور

    أنا أخاف كثيرا من الموت

  • علياء عبدالله

    انا ايضا مثلك اخاف من الموت حتى لا استطيع الدراسة

  • سوريا sham edress

    ذكر الله يبعد عن المخاوف وكذلك الإيمان به انا لدي نفس المشكلة

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً