الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من حقوق الإنسان الغربية إلى واجبات الاستخلاف الإسلامية

6561 0 506

هل يعني العنوان الذي وضعناه أن هناك خلافًا عميقًا بين الحضارتين الغربية والإسلامية في النظر إلى قضية حقوق الإنسان؟ الإجابة نعم، والبون شاسع. إن مفهوم حقوق الإنسان مفهوم غربي النشأة، حديث التكوُّن، نسبة للعصور الحديثة، وهو مخالف بصورة كبيرة لمفهوم حقوق الناس في المنظومة القيمية الحقوقية الإسلامية.
شاع مفهوم حقوق الإنسان في الفكر السياسي المعاصر لدرجة دفعت بعض الغيورين على الإسلام إلى التحرك لوضع ما تمت تسميته: بيان عالمي لحقوق الإنسان في الإسلام، على نسق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في عام 1948، إلى درجة أن الإعلان الإسلامي تضمن نفس المفاهيم والصور الحقوقية التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن الإسلام به نفس حقوق الإنسان الواردة في إعلان الأمم المتحدة، معتذرين إلى العالم عن عدم وضوح النص الإسلامي في هذا الصدد، أو معتذرين عن عدم اهتمام الحضارة الإسلامية به حتى ذلك الوقت.
وقد قام هؤلاء المفكرون الغيورون على الإسلام آنذاك بعرض مجموعة من الأدلة الدالة على أن كلامهم حق، وأن الإسلام دين به نفس المميزات التي تحفل بها الحضارة الغربية، وذلك من دون محاولة البحث في أصول الذات؛ إذ ربما يكون لديها ما يفوق في قيمته ما أنتجته الحضارة الغربية.
وكان دافع أولئك المفكرين والساسة المسلمين إدراكهم ضرورة التحرك السريع للخروج بوثيقة إسلامية تحفظ ماء وجه الحضارة الإسلامية في مواجهة التقدم الفكري السياسي الغربي، حتى لو كانت وثيقة شوهاء. وكان المنتج الإسلامي الكامن في ذلك الوقت يفوق في قيمته وفي نفاسته ما أنتجته الحضارة الغربية بالفعل. فما هي قصة ذلك التميز وتلك النفاسة؟

مفهوم حقوق الإنسان.. الطبعة الغربية:
مفهوم حقوق الإنسان كما يرى الباحثون والمفكرون مفهوم شائع الاستخدام في أدبيات الفكر والخطاب السياسيين المعاصرين، وهو أيضًا من المفاهيم الحديثة نسبيًا، التي لا يمكن اقتفاء أثرها بعيدًا في أدبيات الفكر السياسي.
فالمفهوم في الفكر السياسي الغربي لم يتم صكه كمصطلح إلا مع ظهور عدد من الوثائق السياسية المحددة التي حملت هذا الاسم بهذه الدرجة من الوضوح، مثل: إعلان حقوق الإنسان بالولايات المتحدة المعروف باسم "إعلان فيرجينيا" الصادر عام 1776، وإعلان الثورة الفرنسية الصادر في عام 1790، وانتهاءً بإعلان الأمم المتحدة الصادر في عام 1947، والمسمى "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
لذا فمن الصعب حين نتعامل مع مثل هذا المفهوم أن نقتفي له أثرًا متغلغلاً في قلب جذور الفكر الإنساني الغربي. فالحضارة اليونانية القديمة - وهي أصل الحضارة الغربية - كما يرى الباحثون لم تصك مفهوم الحق، ولم تضع لفظًا لغويًا يقابله. ولم تبدأ مفردة الحق في التداول بالصورة التي نعرفها اليوم إلا بعد أن أصلتها الحضارة الإسلامية، فمنذ مهدها الأول تكلم بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن حقوق الله على العباد وحقوق العباد على الله وحق الزوجين كل على الآخر، بل هناك ذلك الحديث الذي صدَّق فيه النبي صلى الله عليه وسلم على قول سلمان، "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان" (رواه البخاري).
ثم بدأ المفهوم يشق طريقه إلى حيز الاستخدام في أوروبا في العصور الوسطى، وقد أرخ المفكرون لذلك مع استخدام القس توماس الإكويني له في الحديث عن مفهوم حق الملكية، والتي تناولها باعتبارها حقا تترتب عليه مسؤولية اجتماعية، وهي فكرة معروفة في السياق التشريعي الإسلامي المتمثلة في مفهوم استخلاف الله تعالى الإنسان في المال لينفقه في سبيله على من يحتاجه.
وقد بدأ استخدام المفهوم بصورة منظمة مع كتابات مفكري نظرية العقد الاجتماعي: هوبز ولوك وروسُّو. وكان أولئك المفكرون طليعة مفكري عصر النهضة الساعين إلى فصل العملية السياسية بصفة خاصة والدولة بصفة عامة عن سلطان الكنيسة، وكانت فكرة التعاقد الأساس الوضعي لتشكل مفهوم الحق وتأسيسه في التشكيل الفكري والحضاري الغربي.

كيف تأسس المفهوم؟
استندت الأدبيات التي تناولت علاقات البشر قبل ظهور نظرية العقد الاجتماعي إلى مفهوم القانون الطبيعي، وهو مفهوم ذو طابع ميتافيزيقي لا أساس ملموسًا له إلا في أفكار مفكري اليونان القدامى، وهو يعني: مجموعة من العادات والقيم السلوكية والأخلاقية التي نسبت للإنسان استنادا إلى وجوده على ظهر البسيطة، وترتب على إسنادها له التزامه بها حيال غيره، لما يعنيه ذلك من التزام غيره بها حياله. فكانت العلاقات بين البشر تسير وفقًا لهذا المسمى: القانون الطبيعي. وهذا المفهوم كان من الغموض بمكان، بحيث كانت تحتشد تحت لوائه كل قيمة اجتماعية وسلوكية يرى المفكرون أنها ضرورية للحفاظ على سلامة سير الاجتماع الإنساني آنذاك.
وظلت علاقة الناس بفكرة القانون الطبيعي هذه، بما لفّها من غموض، هي الأساس الفلسفي لما يمكن لنا نحن أن نسميه بالحقوق الاجتماعية والفردية، وذلك طيلة وجود الحضارة الرومانية ومن بعدها الحضارة المسيحية التي امتد وجودها الفعلي في أوروبا حتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789م. وظلت هذه الفكرة هي المهيمنة إلا من شذرات أسلفنا الحديث عنها فيما سلف.
ومع تجذر الثورة الفرنسية، واتجاه المفكرين في إطارها إلى البحث عن أساس لا ديني للعلاقة بين الدين والسياسة، برز مفكرو العقد الاجتماعي ليقدموا نظريتهم التي أبرزت مفهوم الحق كحضور قانوني راسخ، ومكنت له في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأوروبي.
ونظرية العقد الاجتماعي لدى كل من توماس هوبز وجون لوك تحاول أن تفسر كيفية قيام الدولة في الماضي، من خلال افتراض أن الدولة قامت بموجب عقد بين الحاكم والمحكومين. ومن هذا المنطلق التعاقدي نشأ مفهوم الحق.
وتقوم نظريات العقد الاجتماعي على افتراض أن الأصل في الطبيعة الإنسانية أنها طبيعة شريرة، وأن هذه الخاصية خلقت بيئة صراعية مستمرة، قادت الجماعة الإنسانية إلى حالة اصطلح مفكرو العقد الاجتماعي على تسميتها: "حالة الطبيعة الأولى"، وأن هذه الحالة عرفت عند كل من هوبز ولوك باعتبارها حالة حرب الجميع ضد الجميع: أي تلك الحالة التي يعم فيها الصراع كل جوانب العلاقات الاجتماعية، بحيث يصير كل فردٍ عضوٍ في الجماعة البشرية خصمًا لكل أعضاء ذات الجماعة. ويرى كل من توماس هوبز وجون لوك أنه نتاجًا لهذه الحالة توافق الأفراد في الجماعة البشرية على التعاقد مع حاكم قوي ليكفل إدارة الجماعة البشرية على نحو يحقق الأمن للجميع، ويكفيهم مغبة حالة الطبيعة الأولى: حالة حرب الجميع ضد الجميع.
أما توماس هوبز فطرح فكرة تخلي الجماعة البشرية عن كل حقوقها لذلك الحاكم في مقابل أن يكفيهم حالة حرب الجميع ضد الجميع، ويوفر لهم الأمن.
وأما جون لوك فرفض فكرة تنازل الجماعة البشرية عن كامل حقوقها، وأكد أن الذي حدث هو تنازل الجماعة عن بعض حقوقها، وهي الحقوق التي يمكن أن نسميها اليوم الحقوق السيادية، في مقابل قيام هذا الحاكم أو الدولة بحماية سائر حقوق الأفراد، وعلى رأسها حق الملكية.
وأما جان جاك روسُّو فلم يتفق مع كل من هوبز ولوك في أن الأساس في البشر الشر، بل افترض العكس: الأساس هو الخير، ومن هنا فإن تصوره بالتالي لحالة الطبيعة الأول اختلف، فهي لم تكن من وجهة نظره حالة حرب الجميع ضد الجميع، بل كانت حالة رفاهية عامة.
وقد توجه جان جاك روسُّو إلى الأفكار الاقتصادية التي كانت قد بدأت تنتشر في عصره ليبين سبب نشأة الدولة على نحو مختلف، حيث أشار إلى تشكك الجماعة البشرية في إمكان استمرار هذه الحالة من الرفاهية إلى ما لا نهاية استنادًا إلى فكرة ندرة الموارد التي كانت قد بدأت تنتشر مع كتابات المفكرين الاقتصاديين أمثال آدم سميث وجيرمي بنثام. ولهذا أكد روسُّو أن الناس حرصًا منهم على عدم ضياع هذه الحالة الفردوسية قاموا بالاتفاق مع حاكم قوي قادر على تأمين عملية تداول القيم الاقتصادية، وتنازلوا له عن جزء من حقوقهم مقابل أن يكفل لهم استمرار حالة الرفاهة هذه.
ثم لم تلبث فكرة الحقوق أن تطورت مع إعلان فيرجينيا لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة، ثم مع إعلان الثورة الفرنسية، وانتهاءً بإعلان الأمم المتحدة في نفس الصدد.
لقد كان مردُّ التفصيل في بسط نظرية العقد الاجتماعي إلى حاجتنا لتحليل الأسس التي استند عليها المفهوم. ومن خلال معاودة قراءة هذه الخبرة نجد أن أطروحة حقوق الإنسان في الغرب استندت إلى ثلاثة أسس، هي:
أ - التعاقد.
ب - الصراع.
جـ - المنفعة.
فالتعاقد تم استنادا إلى رؤية أولئك المفكرين أن الجماعة الإنسانية تواضعت على أن المنفعة التي ستعود عليها من جراء الاتفاق مع حاكم، ووقف حالة الصراع القائم (لدى كل من هوبز ولوك)، أو المحتمل (لدى روسُّو) ستكون منفعة تستحق تقليص عدد الحقوق التي يتمتع بها الفرد.
أما الأساس الثاني وهو الصراع فيمكن تمثله في حديث كل من هوبز ولوك عن الطبيعة الشريرة للأفراد، والتي أدَّت بهم إلى حالة حرب الجميع ضد الجميع. وحتى روسُّو الذي تصور أن حالة الطبيعة الأولى كانت حالة رفاهية أكد على أن مصير الجماعة البشرية إلى الصراع استنادا إلى تجدد الحاجات وتغيرها وتنوعها في الوقت الذي تتجه فيه الموارد المتاحة نحو مزيد من الندرة. بل إن أساس المنظور الصراعي في الأدبيات التي تأسست عليها الحضارة الغربية يرجع في أحد روافده إلى الفكر الاقتصادي الوضعي الغربي الذي أكد على ندرة الموارد وتزايد الحاجات البشرية على نحو تعجز معه الموارد على الوفاء بهذه الحاجات.
وأما فكرة المنفعة فهي فكرة نشأت في حقل الأدبيات الفكرية الاقتصادية، في محاولة لتبرير الملكية ورأس المال وتحولات البرجوازية الأوروبية نحو التجارة ثم الصناعة، وجهود تعظيم الربح وتقليل الإنفاق.. إلخ. وكانت هذه الفكرة التي خط ملامحها المفكر جيريمي بنثام أساسا لنشأة مفهوم البراجماتية الذي مثَّل أحد أهم روافد بناء التشكيل الحضاري الغربي. كما أن نفس الفكرة: المنفعة، مثلت البيئة التي نما فيها مفهوم الرشادة أو العقلانية التي استند إليها بعض المفكرين في تدشينهم لمفهوم حقوق الإنسان.
فالحالة التعاقدية جماع ذلك كله، كما أنها في النهاية التجسيد الملموس لمفهوم الحق. فالترجمة العملية لأية حالة تعاقدية تتمثل فيما يترتب على العقد من حقوق على طرف والتزامات على طرف آخر في نفس العقد.

الطرح الإسلامي: التمايز والتميز:
أشرنا من قبل لحالة بعض المفكرين المسلمين الذين سارعوا إلى تقليد الغرب وأعلنوا أن الإسلام لديه منظومة حقوق إنسان كما لدى الغرب، وأن حقوق الإنسان في الإسلام لا تقلُّ ألبتة في نطاقها وفي قيمتها عن حقوق الإنسان في الفكر الغربي. من السهل أن نحذو حذو هؤلاء المفكرين، الذين اصطلح عدد غير قليل من المفكرين على تسميتهم بالمفكرين الاعتذاريين، ومن ثم نؤكد بأغلظ الأيمان على احتواء الإسلام على حقوق إنسانية مماثلة للحقوق الواردة في المواثيق والإعلانات الغربية لحقوق الإنسان.
بل من السهل علينا أيضا أن نقول: إن أسس حقوق الإنسان في الإسلام تعاقدية كما في الغرب.. فالإسلام كله تعاقد على التسليم لله رب العالمين في مقابل الجنة.
ومن السهل أن نقول: إن المنفعة أيضا أساس إسلامي للحقوق، ونلبس نظريات المقاصد والمصالح في الفقه الإسلامي وأصوله لباس نظرية المنفعة بدلالتها الأدنى في الفكر الغربي.
ويمكن من باب المزايدة أن نقول: إن الصراع أحد الأسس التي يحفل بها الإسلام ملبسين في هذا الإطار نظرية التدافع لباس نظرية الصراع.
يمكننا أن نفعل هذا كله، لكن لن نفعل لأسباب وجيهة. فإن لم يكن الوقت قد أسعف إخواننا المفكرين الاعتذاريين ليراجعوا كنزهم القرآني؛ فإن الوقت قد فسح أمامنا لنبحث في هذا الكنز، ولنخرج منه بما هو أرقى من طرح الغرب في مجال حقوق الإنسان.
إن محاولات مفكري الإسلام إثبات أن الإسلام ليس أدنى من الحضارة الغربية أدت بهم إلى أن استوردوا المنظومة القيمية الغربية، وقاموا بطلائها بلون إسلامي - إن جاز التعبير- وفاتهم أن المفاهيم مرتبطة بأسسها الفلسفية، وأن محاولة استيراد النموذج الغربي بأسسه الغربية ستؤدي بنا، وقد أدت بالفعل، إلى استمرار الاعتماد على الاستيراد الفكري من الآخر، ومن ثم قادت أمتنا العربية والإسلامية إلى حالة من التبعية الثقافية، ناهيك عن أثر المنظومة الحقوقية المستوردة في إحداث التفرق والصراع الاجتماعي. كما أن هذا الاستيراد حرمنا من أن نبني منظومتنا الخاصة، وحرم الغرب من مشعل حضاري هو اليوم في مسيس الحاجة إليه بعدما وصل إليه من تفسخ اجتماعي.
لا يمكننا أن ننكر أن في الإسلام حقوقًا تضارع حقوق الغرب إن لم تتفوق عليها كما قال الاعتذاريون، لكن ليس معنى هذا أن نجعل الغرب هو المعيار الذي نقلده، فنخيط أزياءنا على معاييره وطرازه. إن القضية أشبه بقضبان قطارين: منطلقهما مختلف، وغايتهما مختلفة، ولكن تقاطعت مساراتهما ومحطاتهما في بعض الأحيان، لكن هذا لا يعني أنهما بنفس المسار. وقد كان ذاك هو الخطأ الذي وقع فيه أساتذتنا الاعتذاريون الذين لا ننكر جهدهم واجتهادهم. فتوحد المسارات والمحطات أحيانًا لا يعني التشابه ناهيك عن التطابق. فالبون شاسع. ولكن كيف؟ .

من التعاقد إلى التراحم:
لست هنا بصدد أن أضع ثنائيات متقابلة طرفها الأول غربي والطرف الآخر إسلامي، فليس الأمر كما يشي به هذا العنوان الفرعي، لكن أحاول هنا أن أرسم ملامح صورة مقارنة بين البناء الإسلامي المستقل عن البناء الغربي، البناء المستقل في الأسس والمنطلقات، وفي أسلوب البناء، وفي الغاية من هذا البناء.
وبداية أقول: إن الفارق الأساسي بين الطرح الإسلامي والطرح الغربي في بناء مفهوم حقوق الإنسان تتمثل في المفارقة بين مفهومي الصراع والإيمان. فأساس مفهوم حقوق الإنسان في الغرب هو الصراع.. سواء أكان الصراع مؤسِّسًا للحالة الحقوقية أم أسلوبًا لممارستها. فحقوق الإنسان تأسست في الغرب بسبب حالة صراع الجميع ضد الجميع، وممارسة الحالة الحقوقية الغربية تعتمد كذلك على الصراع بين الحقوق وبعضها. فحقوق المرأة لم تتحقق ولم تتأسس إلا عبر صراع المرأة مع الرجل، وهكذا.
أما في الإطار الإسلامي فإن الإيمان كان الأساس الذي بنيت عليه المنظومة الحقوقية الإسلامية، فالإيمان ولّد مفهوم الأخوة والتراحم. قال الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10)، وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107). فالآية الأولى تستلزم التراحم لصون علاقة التآخي بين المسلمين. والآية الثانية مدَّت نطاق هذا التراحم للعالمين، على اعتبار أن هذه الأمة أمة دعوة ورحمة لا أمة منغلقة على رسالتها.

من الحق إلى الواجب:
كان لفضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى نظرة ثاقبة في بحث قضية الحقوق هذه، حيث أكد في إحدى كتاباته على أن الإسلام لم يعالج قضية الحقوق كما عالجها الغرب، فالغرب وضع للناس حقوقا في مواجهة بعضهم ، فتحولت العلاقات الإنسانية إلى تناقض مصلحي، ومن ثم إلى تنافس بل صراع، بينما صاغ الإسلام حقوق الناس في صورة واجبات تقع على عاتق المحيطين بهم، يسائلهم الله تعالى عنها يوم القيامة، فحقوق الزوجة واجبات على الزوج، وحقوق الزوج واجبات على الزوجة، وحقوق الجار واجبات على جاره وهكذا.. ومن ثم تحولت منظومة الحقوق في الحضارة الإسلامية إلى منظومة عطاء وتراحم وتراضٍ لا منظومة تناقض مصلحي وصراع وتنافس وغصب وإكراه.
ومن هنا نجد أن الأساس الإيماني للحقوق في الإسلام كواجبات في الإسلام جعل البشر يتسابقون للوفاء بها، في حين تحولت الحقوق في الغرب إلى أعباء يمكن للفرد أن يتخلص منها متى غابت أعين القانون أو غفل رعاته.

من النسبي الغربي إلى المطلق الإسلامي:
من أهم مميزات منظومة الحقوق الإسلامية أنها استندت إلى داعي الإيمان برب الخلق، فالحقوق في المنظومة الإسلامية هي حقوق الخلائق.. كل الخلائق. وهي منظومة أمر بها رب الخلائق، وما دام رب الخلائق مطلقًا فإن المنظومة التي فرضها منظومة مطلقة لا يمكن التهاون في الائتمار بها، كما أنها منظومة متعالية على أن يضعها بشر قد تكون لهم مصالحهم الطبقية أو الاقتصادية أو السياسية.. إلخ.
أما الغرب فقد أسند نسق الحقوق فيه إلى فكرة المنفعة. والمنفعة فكرة نسبية متغيرة بتغير الزمان ودوران الأحوال، كما أن فكرة المنفعة تتغير وفق نظرة الجماعة المهيمنة على دوائر صناعة القرار أو القريبة من دوائر التأثير عليه: كجماعات الضغط، أو الطبقات الاجتماعية، أو النخب السياسية المهيمنة.. إلخ. وهذا ما يجعل فكرة الحقوق في المنظومة الغربية فكرة نسبية بالتبعية.
وقد لمسنا تجليين بارزين لهذه النسبية في الحضارة الغربية:
التجلي الأول: تمثل في إنكار الغرب لحقوق الإنسان غير الغربي. وتاريخ الغرب حافل بالنماذج والأمثلة على هذه الحالة، ومن يريد المثال فليرقب اليابان في الحرب الاستعمارية العالمية الثانية، أو العراق أو فلسطين أو لبنان أو السودان أو كوريا الشمالية أو الأرجنتين أو بوليفيا.. إلخ.
التجلي الثاني: يتمثل في هشاشة وضع الحريات في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من تجسس على البريد العادي والإلكتروني والهاتف، والاعتقالات بلا محاكمات، ومنع من السفر، ومنع من العودة.. إلخ. أليس هذا دليلاً على أن فكرة الحق الإنساني هذه فكرة نسبية تأسيسًا على ما يرون من نفع لها، حتى لو كان ذاك النفع ظنيا أو متوهما.
إن للمسلم أن يفخر بأن منظومته القيمية الحقوقية مختلفة كثيرا، إن لم نقل جذريًا عن المنظومة الغربية. فهذا الاختلاف سببه تفرد منظومة الإسلام وسموها وصدق توجهها الإنساني العام الشامل.
ولكن ينبغي أيضًا على المفكرين المسلمين أن يحرصوا على توضيح هذه الصورة من ناحية، وأن يحرصوا من ناحية ثانية على بلورة برنامج لصون هذه الحقوق، وخاصة الحقوق السياسية. فالبريق الذي يلف حرص الغربيين على حقوقهم السياسية يجعل حملة المشروع الإسلامي يتوهمون أنهم في موقف ضعف في مواجهة المشروع الحقوقي الغربي في الوقت الذي لا يرقى فيه ذاك المشروع الغربي على بهرجه من مطاولة القمة السامقة التي يبلغها مشروعنا الإسلامي الحقوقي.
ــــــــــ
* كاتب وباحث من مصر

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري