الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطر دخول مواقع المشككين

1941 0 434

من أبرز سمات عصرنا الراهن سهولة الوصول إلى المعلومة، فقد تيسر ذلك من خلال وسائل الاتصال الحديثة التي ذللت الصعاب ويسرت المشاق، وصار كثير من شباب المسلمين أمام مدٍّ جارف من المواقع والصفحات التي تبث شبهات تترى، والتي تجد صداها لدى شريحة غير قليلة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي خاصة، ولعل هذا هو المقصود مما أبصره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أُطُمٍ مِن آطام المدينة (1)، ثم قال: (هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفِتن خِلال بيوتكم كمواقع القَطْرِ) متفق عليه. فقد "أبصر النبي صلى الله عليه وسلم بعين الغيب – مما علمه الله – صورةً من الفتن النازلة بالناس من بعده صلى الله عليه وسلم، فشبَّهها بالمطر، إذ يعم بسقوطه كل شيء من البلاد والعباد، ... فالتعبير هنا في هذا الحديث النبوي دقيق جدا ! وعجيب جدا! وهو أشبه ما يدل على الخيوط الأثيرية لأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، كالفضائيات، والانترنت، والهواتف الجوالة، ونحو ذلك مما يبث في الفضاء، ثم ينزل عبر الأقمار الاصطناعية على كل البيوت" (2).

ولذلك نجد الإسلام قد حذر من فتن آخر الزمان أشد التحذير، وبالغ في إيصاء المسلمين بالبعد عن دعاة جهنم، فقال الله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} (النساء: 140)، وفي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) رواه البخاري ومسلم.

يقول الإمام ابن القيم: رحمه الله تعالى: "الفتنة نوعان :فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما. ففتنة الشبهات مِن ضَعْف البصيرة وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى، هذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال (3).

إن الناظر إلى كيد أعداء الأمة؛ يلفي أنهم يعملون على استغلال كل هذه وسائل الاتصال الحديثة للإيقاع بالشباب الذين يمثلون قلب الأمة النابض، وذلك من خلال ما تتيحه من سرعة الوصول إلى قلوبهم قبل عقولهم، فمحركات البحث كثيرا ما ألقت بروادها الى مواقع وصفحات طافحة بالشبهات المضللة، التي لا يجدون من العلم ما يسعفهم لنقضها وتفنيدها، فيتبنونها عن جهل وغفلة.

فهناك من وقعوا فريسة الشبكات التنصيرية التي تنشط في العالم الافتراضي وتنفث سمومها الناقعة بين النشء، ويغرون - من وجدوا فيه غِرَّة وضحالة علم - بإلقاء الأضاليل تارة، وببريق الذهب والفضة تارة أخرى ... وطائفة وقعت لهم شبهات صادفت قلوبا وعقولا فارغة فتمكنت منهم الأراجيف، وسامتهم سوء العذاب بالحيرة التي تمكنت من زمامها، ولم يجدوا بعد ذلك مُكنة للرد والإفحام، فانطلى عليهم سحر أبالسة الإعلام، وتمكنت من قلوبهم الشبهات بتكرار زيارة تلك المواقع الفينة بعد الأخرى، وزلت أقدامهم بعد ثبوتها، حتى صاروا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

وبناء على كل هذا؛ كان لزاما على الشباب أن يحتاط لنفسه ويترسم مواطئ قدمه، فإذا كانت الحمية تضرب على عليل الجسم الذي لا يستطيع دفع صائلة الجراثيم والميكروبات، فأولى بذلك أن يحمي المسلم نفسه من شبهات المغرضين وسهام المشككين، ولعل في خبر أبي حامد الغزالي عظة لكثير من متقحمي هذا الباب، فقد أبحر في غمار الفلسفة سنين عددا، وصاول متفلسفة زمانه وقهرهم بسلاحهم، لكنه لم يسلم من جراحات تلك الحروب الكلامية، فبقيت بعض الرواسب عالقة بفكر أبي حامد، ولم يستطع التحرز منها، وهو من هو، حتى قال تلميذه أبو بكر بن العربي قولة الشهيرة: "شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع" (4)، هذا مع ما للغزالي من قدم راسخة في علوم الدين أصوله وفروعه، فكيف إذا تعلق الأمر بمن دونه بفراسخ.

ومن ثم؛ كان لزاما على شبابنا أن يلتصقوا بالدعاة الصادقين، ويثنوا الركب بين يدي العلماء الربانيين، وأن يتضلعوا من معين كتب السلف، حتى يحصنوا أنفسهم من سهام المشككين، كما يجب الإلماع إلى الاستفادة من المواقع الإسلامية التي تتسم بسلامة المنهج واستقامة المعتقد ووسطية السبيل، وما أكثرها الآن ولله الحمد والمنة.

زبدة الكلام .. إننا على يقين من أحقية ديننا، ومن سداد مسلكنا، تلك عقيدة مستقرة في أعماق قلوبنا لا تنال منها الغِيَر والمحن، فهي تجري منا مجرى الدم في العروق، إنما الذي نحذر منه هو وقوع فئة من الشباب فريسة سهلة في فخاخ التشكيك ومصايد المشككين، وهذا هو ما أوصانا به الرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد صلى الله عليه وسلم، فعن حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدرِكني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: قوم يهدون بغير هَديِي، تعرِف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دُعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا؟ قال: هم من جِلدَتِنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتَزِل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يُدرِكَك الموت، وأنت على ذلك) رواه البخاري.

هوامش المقال
( 1) الأطُم: بضمتين، هو: كل حصن مبني بحجارة على هيأة مربعة، جمعه آطام. وقد كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم آطام بضواحي المدينة لحراستها.
(2) ميثاق العهد، فريد الأنصاري: ص 13 – 14.
(3) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم: ج2 ص 160- 161.
(4)سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي: ج19 ص327.
 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري