الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإسلام وإنسان العصر.. العودة إلى المنبع

3182 0 494
الكتاب : الإسلام وإنسان العصر.. العودة إلى المنبع
المؤلف: أ. د. نعمات أحمد فؤاد
الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - سلسلة قضايا إسلامية العدد 18، كانون ثان/ يناير 2002م
عرض: منى عبد العزيز شهاب

-الحريات في الإسلام ليس لها حدود إلا المحرمات والواجبات التي هي في صالح البشر.
- هولاكو خرج من بادية والعرب خرجوا من بادية ، لكن هولاكو هدم مكتبة بغداد وأقام العرب مكتبة الأندلس
- الحضارة الإسلامية بددت ظلمات أوروبا وفتحت عينها على معالم من العلم ونور الفن وآيات المدنية
- الشجر ينمو ويعمل في صمت ودائما الأعمال الكبيرة ترتفع عن لغو الكلام وصخب الثرثرة
- الحدود نزلت للحفاظ على أمن المجتمع، لذا يحاط تطبيقها بضمانات محددة
- لم يعط دين للمرأة من المكانة والحقوق ما أعطاها الإسلام وما لم تبلغه أي من القوانين الوضعية
- الإسلام يبدأ بالواقعية وينتهي بالمثالية :" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".
- الإسلام ليس شعائر وطقوسا فقط، بل دين ودولة بما شرع للحاكم والمحكوم في الاقتصاد والسياسة، والسلم والحرب
- أشد الناس سماحة من تعمقوا في فقه الإسلام والذين تدل أقوالهم وأعمالهم على العدل واليسر
................

هذا الكتاب ليس خطابا دفاعيا عن الإسلام؛ لأن للإسلام ربا يحميه في هذه الأيام التي يوصم فيها دين الله (عز وجل) ضمنيا بأنه دين قاصر وبه قيم عديدة ينبغي أن يتم مساعدة المسلمين من أجل تغييرها.
وهو ليس خطابا تبريريا لما يراد أن يتم إنجازه فيما يتعلق بإملاءات خارجية لتغيير الخطاب الإسلامي وبعض القيم الإسلامية، ولكنه خطاب موضوعي يتقدم نحو الأصول المنزلة - القرآن الكريم والسنة المطهرة - ليتعرف على ماهية الإسلام، وأهم قيمه ثم يعود إلى المنبع - الخبرة الإسلامية - ليجلب الشواهد والدلالات والنماذج التي تؤكد أن المسلمين فهموا الأصول وعملوا بها بإخلاص وتجرد فاستحقوا أن يكونوا من خير الناس.

ومؤلفة الكتاب هي د. نعمات أحمد فؤاد التي أطلقت عليها جامعة الدول العربية (أم العرب) تؤكد أن الإسلام (دين ودولة وحضارة)، ثم توجه (رسالة إلى الأبناء) بأن (الإسلام أخلاق)، وتوصي الشباب بـ (الأم)؛ لأن ذلك من أهم (القيم الإسلامية)، ثم تؤكد في خاتمة الكتاب بأن (الإسلام دين ودولة).
وبين هذه العناوين الشيقة تنساب سطور هذا العرض.

الإسلام دين.. دولة.. حضارة
تشير د. نعمات إلى أن الإسلام ليس طقوسا وعبادات فحسب، ولكنه دين ودولة وحضارة وحتى العبادات فيه ليست مجرد طقوس، ولكنها تربية للضمير الاجتماعي مثل الزكاة التي شرعها لصالح المجتمع كله حتى يشيع التعاطف بين الغني والفقير، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره من ذكر الفقير والمسكين.
والصلاة فيه ليست كلمات، ولكنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي صلة بين العبد وربه صلة يستحي بعدها أن يتدنى أو يتدنس بذنب أو إثم، والتوحيد أي شهادة أن لا إله إلا الله ارتفاع بالإنسان أن يؤله غيره فلا يتصاغر لإنسان مثله ولا يرضى بالدنية أو الدونية ما دام لا إله إلا الله.
والصيام في الإسلام ليس التعذيب أو الحرمان، ولكنه التطهير، تطهير الجسم والتخفف من شهوة الطعام، وتطهير الروح بالصفاء واستشعار الزهد واستشعار حرمان الفقير.

ومع الوجوب والنهي احترم الإسلام حرية الإنسان فليس لحريته في الإسلام حدود إلا المحرمات والواجبات الدينية التي هي في صالحه حين يعني المحرم كل خبيث ورجس ومنكر، وهكذا احترم الإسلام الشخصية الإنسانية فلم يقيدها إلا بأنفع ما يمكن من قيود الحق والمصلحة العامة والخاصة المشروعة.

فاحترم الإسلام الإنسان يوم جعل الاتصال بالله بدون وساطة، وفي أي مكان كما احترمه يوم حارب العلو في الأرض; فالمساواة دعوته إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

وتؤكد د. نعمات أن أزمة الإنسان المعاصر أنه أصبح إنسانا نمطيا، وقد سئل "يونج" عن سر أزمة أوروبا فقال في كتابه "The Undiscovered Self" أن السبب هو ضياع الفرد ، ولم يكن يونج وحده، فممن نقدوا الحضارة الغربية كان" برنارد شو" في كتابه "دليل المرأة الذكية"، و"ديوي" في كتابه عن الفردية القديمة والحديثة الذي أشار فيه إلى التشقق في النفس الأمريكية، و"أليكس كاريل" في كتابه "الإنسان ذلك المجهول".

وتنتقل د. نعمات للحديث عن شخصية المجتمع في الإسلام التي ضمنتها وتضمنتها آيات الشورى وآيات المجادلة، مما يتحتم معها وجود رأي عام له رقابة نفسية وواقعية.

ومن وسائل الإسلام إلى إيجاد مجتمع فاضل الحياء والاستتار، فالحياء فيه قيد اجتماعي نفسي والاستتار حظر للشر، وركز الإسلام على الحياء; لأنه يقظة ضمير والإنسان الحي يراقب الله في السر والعلن على أنه ليس من الحياء كتمان الشهادة والسكوت عن الحق.

هذا هو الإسلام دين ودولة في السلم، أما في الحرب فإنه إنساني الأحكام والتوجيه؛ لأنه في جوهره سلام، لقد خرج هولاكو من بادية، كما خرج العرب من بادية وفتح هولاكو بالسيف فلم تؤثر عنه حضارة ولم يرتفع به ذكر ولم يخلد به تاريخ، لقد هدم هولاكو مكتبة بغداد، وأنشأ العرب مكتبة الأندلس.
وفي أندونيسيا وأفغانستان وباكستان والهند والصين وروسيا في هذه البلاد ما يربو على ثمانمائة مليون من المسلمين ولم يفتحها الإسلام بالسيف، كما أن الإسلام يتزايد في أفريقيا حتى أطلقوا عليها قارة الإسلام في القرن الحادي والعشرين، بدون سيف؛ لأنها قوة التأثير الذاتية وبساطته وسماحته وإنسانيته وقابليته أو قابلية الفطرة الإنسانية له.

لقد حارب الإسلام ناشئا الفرس والروم بعد أن هددتا وجوده نفسه وحين يشرع الإسلام الحرب دفاعا عن النفس أو دفعا لظلم فإنه يحوطها بالتشريع ويضع لها من التقاليد والحرمات ما يفتقده القرن العشرون الذي يتشدق بحقوق الإنسان، وكما أن الإسلام دين ودولة فإنه حضارة باعترافه بالحضارات الأخرى فلم تملكه شهوة التدمير، بل تقبل وتبادل الأخذ والعطاء وأضفي وأضاف، كما أنه حضارة عندما صنع الرجال، فعمر في الجاهلية كان سيدا سيادته قوة وفتوة فحسب، ولكن عمر هذا صنع منه الإسلام مثالا عاليا وعزيز ا للعدل والحق والرأي والفتوى والتشريع والسياسة والحكم.

كما أنه حضارة بما أنصف المرأة، والإسلام حضارة كذلك باعترافه بالأديان السماوية قبله في صورتها الأولى قبل أن يمسها تغيير، والإسلام حين يقول: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " يشترط هذا بقوله: " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " فكل من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فهو في عداد الخيرية والأخيار.

ومهما اختلفت الآراء في الحضارة الإسلامية أو أصالتها فمن المؤكد أنها كانت الشعاع الذي بدد ظلمات أوروبا في حقبة العصور الوسطي، ففتحت عينيها على معالم جديدة للحياة الخصبة بمجد العلم ونور الفن وآيات المدنية، وتأثرت الحياة الأوروبية بالحضارة الإسلامية حتى انعكست في لغاتها عشرات الألفاظ ولا تأخذ هذا من العرب إلا إذا كانت الحضارة الإسلامية في تمام التفوق الذي يغري بالاقتباس.

1 - رسالة إلى الأبناء
وتقدم د. نعمات وصيتها إلى الأبناء فتدعوهم إلى البر بالوالدين والتفكر من خلال فتح كتاب النفس وكتاب الكون.
وتلفت أم العرب نظر الأبناء إلى الكون الفسيح بدلا من حصره في البيت والمدرسة والشارع والقرية والمصيف، فالدنيا كبيرة مملوءة بالأسرار والعجائب والغرائب تدل على قدرة الخالق، فعالم الطيور وعالم الحيوان وعالم الحشرات وعالم الأفلاك وعالم البحار ومملكة النبات كلها عوالم شتى ورائعة ودلائل لهذه القدرة.
ولكن أروع المخلوقات جميعا: الإنسان سواه ربه في أحسن تقويم وأروع ما في الإنسان: قلبه ولسانه (المرء بأصغريه) قل معي يا بني: "اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير"، فهذا الملك أمانة أبت الجبال أن يحملنها وحملها الإنسان، وهي مسئولية كبرى، فعليه أن يحفظ الأمانة ويؤديها والحفظ والأداء سلامة تصرف فيها وعدالة سلوك، ثم شكر صاحبها ومراقبته في السر والعلن؛ فإننا إذا كنا لا نراه فإنه يرانا ويعلم السر وما أخفي، والمقصود بالملك ليس المال وحده فالله تعالى يملكنا كلا لا يتجزأ يملكنا مالا ونفسا ومتاعا.

2 - الإسلام أخلاق
وفي معرض تأكيدها أن الإسلام ليس طقوسا فقط تقول أم العرب: إن الحج أحد قواعد الإسلام الخمس، ومع هذا كان الإمام أحمد بن حنبل قد سمعها عن شيخه عبد الله بن المبارك، وهو إمام جليل، وكلما تذكرها فاضت عيناه.
كان عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ في طريقه إلى الحج فرأى مزبلة قوم، وقد انكبت عليها فتاة تأخذ طائرا ميتا وتلفه فسألها عن أمره فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقي على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ ثلاثة أيام (أي أن الجوع اضطرهما إلى أكل الميتة)، وقد كان أبونا له مال فظُلم وأخذ ماله وقتل، فقال ابن المبارك لوكيله: كم معك من النفقة؟ فقال: ألف دينار، قال: عد منها عشرين دينارا تكفينا للرجوع، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجتنا هذا العام ورجع.

لقد كانت هذه القصة نقطة تحول في حياة الإمام أحمد بن حنبل طاف رجل بفقهاء بغداد يسألهم واحدا بعد الآخر: بم تلين القلوب؟ قالوا الجواب المنتظر: ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، ثم ذهب السائل إلى الإمام أحمد بن حنبل فاختلف الجواب، قال الإمام تلين القلوب بأكل الحلال وعملت القصة عملها في أعماقها وحين علم فقهاء بغداد بما قاله الإمام أحمد أفاقوا ولم يملكوا إلا أن يقولوا: جاء الإمام بالجوهر.. الأصل كما قال.
فليست الطقوس في الإسلام لمجرد الأوان، ولكنها سبيل إلى تزكية النفس وترقية الإنسان هذا إذا أحسن أداءها فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي صلة بين العبد وبين الخالق - تبارك وتعالى - تجعلنا على مقربة من النبع الصافي ومنبع الكمالات ولذكر الله أكبر والزكاة تزكي النفس وتشيع الرحمة والتعاطف وتسعد الفقير وتنزع الحقد من القلوب خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها .
والصوم إعلاء للضمير يمتد إلى احترام القانون الوضعي بعد السماوي وهو مرقاة إلى التقوى " يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "، كذلك حينما حرم الإسلام الخمر والميسر، وعدّد الأسباب لم يكن أولها الصد عن ذكر الله، وهو سبب أولى بتقديم فرض الله أعظم الظفر وغضبه أكبر الذنب، ولكنه مع هذا قدم المساوئ التي تلحق الإنسان من معاقرة الخمر وممارسة الميسر إنما يريد الشيطان أن يُوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة .

إن التشريع الإسلامي - كما يقول الشيخ محمد عبد الله دراز - يرى أن فساد الخلق ليس هو السبب الوحيد الذي تُرد به شهادة الرجل في المنازعات، بل إن مسلكا طائشا أو زيا يخرج عن الاحتشام أو انهماكا في الملذات حتى ما كان منها مباحا كان ذلك من شأنه أن يرد شهادة الرجل ويجعله غير أهل لوظيفة القاضي، (أو بالأحرى غير أهل لوظيفة رئيس الدولة).
"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ".

وهناك أمر جدير بالاعتبار هو أن التشريع الإسلامي لا يطلب كشف الجرائم الخاصة، ولا يلزم أحدا بالاعتراف، فالقرآن الكريم ينهى عن التجسس وتتبع عورات الناس، وفيما عدا السرقة والزنا فإن التشريع الإسلامي لم يحرص على توصيف العقوبات هنا يغدو القاضي المسلم طبيب ا يراعي الحالة النفسية والدافع الخاص وظروف البيئة الخاصة والعامة حتى ليجوز له أن يلجأ إلى النصيحة الخيرة والتوجيه الطيب.

3 - الأم
وتؤكد د. نعمات - أم العرب - أن دينا لم يعط للمرأة من الحقوق ما أعطاها الإسلام فلقد أعطاها ما لم تبلغه القوانين الوضعية بعد أربعة عشر قرنا في الشرق والغرب.

والبداية هي "الأم"، لذا حث الإسلام على رعاية الوالدين وقرن طاعتهما بطاعة الله "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" ، وزاد الإسلام في رعاية الأم بما حملت الابن وهن ا على وهن ، ويذهب رجل يسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من أحق الناس بحسن رعايتي يا رسول الله؟ فيقول على الفور: أمك، ثم من؟ فيقول (صلى الله عليه وسلم): أمك، ثم من؟ فيقول الرسول الكريم: أمك، ثم من؟ فيقول: أبوك".
ويتأسى أئمة الإسلام بأدب الإسلام فيحترم الإمام أبو حنيفة أمه حتى ليقف إذا دخلت عليه الحلقة امرأة تستفتيه ويسدل دونها سترا ليحفظها من عيون الرجال، ويجيبها عما تسأل وهو في هذا ينبع من حبه العميق لأمه وحرصه على رضاها، وفهمه العميق لروح الإسلام، وكانت الأم لا تقتنع بفتوى ابنها الذي يقصده الناس مسترشدين فتأمره أن يحملها إلى أحد الوعاظ فيلبي طائعا عن طيب خاطر ويخجل الواعظ، ويقول لها: كيف أفتي من ابنها فقيه الكوفة؟ ومع هذا حرص أبو حنيفة على ألا يرد لها طلب ا إلا مرة واحدة في سبيل الله، وذلك حين ذاق العذاب في سبيل رأيه فأشفقت أمه وطلبت منه أن يتفرغ للتجارة وينصرف عن الفقه، وقالت: ما خير علم يصيبك بهذا الضياع؟ فقال لها: إنهم يريدونني على دنيا وأنا أريد الآخرة، وإنني أختار عذابهم على عذاب الله.
وكان الإمام الشافعي بعد أن جاوز العشرين من سنه يسأل أمه النصيحة ويعمل بها، فتشير عليه بأسماء الشيوخ، وكانت حافظة للقرآن بصيرة بأحكام الشريعة إلى الحد الذي استطاعت معه أن ترد قاضي مكة حين استدعاها للشهادة، وأراد أن يفصل بين شهادتها وشهادة الشاهدة الأخرى، فأبت إلا أن تشهد إحداهما أمام الأخرى وذكرته بالآية الكريمة: ... أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى... .

كما كان الإمام الشافعي بار ا بها إذا أقام، مستأذن ا لها إذا رحل، بل بار ا بمكة بلدها حتى إذا دان له الغني تصدق بنصف ما معه على فقراء مكة تنفيذ ا لوصية أمه أن يتصدق على فقراء مكة بنصف ما معه كلما قدم إلى أم القرى).

وكان الإمام أحمد بن حنبل في الخامسة عشرة من عمره، وجاء إلى بغداد عالم عظيم وأقام على الضفة المقابلة لدار أحمد بن حنبل وفاض نهر دجلة وأغرق ما حوله حتى ترك الرشيد قصره وركب طلاب العلم الزوارق إلى دار العالم الوافد، وتنادوا على أحمد بن حنبل، ولكنه رفض العبور معهم قائلا : أمي لا تدعني أركب الماء في هذا الفيضان كان خائفا عليها أكثر من خوفه على حياته، وعاد إليها لتطمئن عليه.

4 - قيم إسلامية
وتذكر أم العرب أن الإنسان في الإسلام عطاء صادق فأما من أعطي واتقي وصدق بالحسنى ، بل إيثار فيه ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، والعطاء خفية لا رئاء الناس ولا رئاء المجتمع ولا اشتهاء التفاخر ولا ابتغاء الثناء "إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم" .

وكان الإمام جعفر الصادق يقول: (لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره)، والعطاء في غير من أو أذى " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ، وحين لجأ الإمام أحمد بن حنبل إلى الاقتراض أدرك بعض دائنيه ضيق حاله فأبى عليه رد الدين قائلا : ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك، فقال الإمام أحمد: وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي ردها إليك.

ومن العطاء والإنفاق: العفو ويسألونك ماذا ينفقون كل العفو فالإنسان في الإسلام نفس زكيه "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" بقدر ما أنه في الإسلام أواب حفيظ إنه من خشي الرحمن بالغيب ، كما أنه حيي يغض الطرف ويحفظ العرض عرضه وعرض الآخرين "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن" .

والإنسان في الإسلام متعفف حتى في الحرمان وليتعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ، والإنسان في الإسلام أمين إذا أؤتمن أدى وأوفى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، ومن الشجاعة في الإسلام الصراحة ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه "، وكذلك الإنسان في الإسلام مسئول يحاسب على الشر ويجزى عن الخير "من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها. ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها" .
وتقول د. نعمات أيضا: إن الإنسان في الإسلام دمث متواضع فكان الإمام جعفر الصادق له غلام كسول نؤوم أرسله يوما في حاجة فغاب وخشي الإمام أن يكون الغلام أصابه شر فخرج يبحث عنه فوجده على قارعة الطريق يغط في النوم فجلس الإمام عند رأسه ودنا منه حانيا عليه وهو يوقظه في رفق حتى إذا استيقظ هش له، وقال له ضاحكا: (تنام الليل والنهار! لك الليل ولنا النهار) إنها دماثة العلماء.

والإنسان في الإسلام دمث كذلك يستمع إلى نداء الآية: "واقصد في مشيك واغضض من صوتك "، ولا ينادي من الخارج: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون "، والإنسان في الإسلام كبير القلب لا يسيء إلى اليتيم أو المحتاج فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر إنسان عفو ومتسامح والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس  وإذا ما غضبوا هم يغفرون .

والإسلام دائما يبدأ بالواقعية وينتهي بالمثالية ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، والإنسان في الإسلام صادق مع نفسه ومع الناس ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، والمسلم لا يرائي حتى في الإنفاق والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس .

والمسلم لا يختال مغرورا "ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور" والمسلم لا يتعالى مستكبرا ولا يحتقر من دونه إنه لا يحب المستكبرين ، "ولا تصعر خدك للناس" والمسلم لا يسخر من الناس "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" .
والمسلم لا يمدح نفسه "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء" ، ولا يقرب غير المشروع من الكسب "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" ولا يرابي " يمحق الله الربا ويربي الصدقات" ، والتعفف في المال يطالب به الإسلام الغني والفقير على السواء "ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" ، ومن هنا كان الإمام الليث يرفض أن يقبل من صاحب منصب هدية، وكان يجاهر أن الهدية إذا دخلت من الباب خرجت العدالة من النافذة.

والمسلم لا يخادع ولا يغدر "إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما" ، ولا يتجسس "ولا تجسسوا" كان عم الإمام أحمد بن حنبل يعمل في خدمة الخليفة الرشيد ويجمع له أخبار بغداد ويسلمها إلى البريد ليوصلها إلى الخليفة إذا كان خارج بغداد، وحدث أن انقطعت الأخبار فأرسل هارون الرشيد إلى الوالي يسأله الخبر، فسأل الوالي بدوره عم أحمد، وكان أحمد في ذلك الوقت غلام ا صغير ا، ولكنه كان يحفظ القرآن ويتأدب بأدبه، وكان عمه يرسله بالأخبار إلى الوالي فلما سأله عمه: ألم أبعث الأخبار معك إلى الوالي؟ قال الطفل: نعم قال عمه: لماذا لم توصلها؟ قال أحمد: رميت بها في الماء، أنا أوصل الأخبار؟ وحين سمع الوالي جواب أحمد خجل من نفسه، وقال: "اللهم غفرانك هذا غلام يتورع فكيف نحن؟".

والإنسان في الإسلام لا ينم ولا يلمز ولا يغمز ولا ينتقص حق الآخرين "ويل لكل همزة لمزة"  "ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا" ، والإسلام لا يقسو على إنسان بظلمه أو اغتيابه أو غمزه أو لمزه، بل المسلم يرحم الحيوان، ومن يفعل ذلك حقت اللعنة عليه في الدنيا والآخرة " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسي ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ".

والإسلام إنساني واسع الأفق "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" .

خاتمة: الإسلام دين ودولة
وفي أيامنا هذه التي يراد فيها حصر الإسلام في العبادات والشعائر والطقوس، تؤكد د. نعمات أن الإسلام دين ودولة مما شرع للحاكم والمحكوم، فالإسلام يحتم صون مال الأمة وعدم المساس به ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون والحكم في الإسلام شوري قبل الديموقراطيات الحالية وأمرهم شوري بينهم ، ومن الشورى الاختيار للمناصب والشورى احترام للرأي وضمان للأصوب وتقويم يعتدل به الميزان.

والإسلام رقى بالإنسان والمجتمع في السلم وفي الحرب فالإسلام سلام في غير استسلام " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم" ، وفي كلمات جامعة يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إذا أردت أن يدوم لك الله كما تحب فكن كما يحب".

والإسلام لا يحتاج إلى تزيد، فالحلال بيّن والحرام بيّن: "قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" عرف الإمام جعفر الصادق الزهد بأنه: (الاكتفاء بالحلال لا التجرد من الحلال)، وكان الإمام أبو حنيفة إذا قام للصلاة لبس أفخر ثيابه ويتعطر؛ لأنه سيقف بين يدي الله، ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة فدس في يده ألف درهم وهمس في أذنه (أصلح بها حالك)، فقال الرجل: لست أحتاج إليها وأنا موسر، وإنما الزهد في الدنيا، فقال أبو حنيفة: أما بلغك الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟"

وحين اختار الله الإمام الليث إلى جواره سارت وراءه مصر بأجمعها وبكته أحر بكاء حتى قال طالب علم لأبيه وهما ينصرفان من جنازة الإمام: يا أبت كأن كل واحد من هؤلاء الناس صاحب الجنازة فقال يا بني كان عالما حسن العقل، كثير الأفضال يا بني لا ترى مثله، أما المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فقد قالوا: ذهب سيد الفقهاء ولم يكن التاريخ الإسلامي والعلمي دون ذلك تقديرا وتقريرا حين جاء الإمام الشافعي مصر ذهب من توه إلى قبر الإمام الليث فصلى ودعا له بالرحمة ووقف به طويلا يتأمل في صمت حياة طويلة عريضة خصبة عامرة بأعلى كرائم الإنسان.

ولتجدن أشد الناس سماحة أولئك الذين تعمقوا في دراسة فقه الإسلام بما يخولهم الحق في الإفتاء والفصل بين الحلال والحرام، ومع هذا دلت أقوالهم على اليسر السمح ونمت أعمالهم عليه.

دعا الإمام أبو حنيفة إلى المساواة بين الرجل والمرأة وأفتي بأن الإسلام يبيح للمرأة حق تولي كل الوظائف بلا استثناء حتى القضاء، كما أفتي بأن للبالغة أن تزوج نفسها، وكان إلى جانب الحرية فما يعطل حرية الإنسان أو يؤذيها لا يرضاه فعنده سوء الحرية أخف ضررا من تقيدها حتى أهب في فتواه إلى أن الشك لا يلغي اليقين في العبادات، واعتمد بعد الكتاب والسنة على الرأي يستمده من القياس مراعيا تحقيق المصالح أو الأعراف التي لا تتعارض مع قواعد الإسلام ومبادئ

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري