التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة إحدى وخمسين

مسألة: الجزء الحادي عشر
[ ص: 227 ]

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين

فيها كان مقتل حجر بن عدي وأصحابه ، وهو حجر بن عدي بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندي الكوفي . ويقال له : حجر الخير . ويقال له : حجر بن الأدبر . لأن أباه عديا طعن موليا فسمي الأدبر ، ويكنى حجر بأبي عبد الرحمن ، وهو من كندة من رؤساء أهل الكوفة .

قال ابن عساكر : وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع عليا وعمارا وشراحيل بن مرة . ويقال : شرحبيل بن مرة . وروى عنه أبو ليلى مولاه ، وعبد الرحمن بن عابس ، وأبو البختري الطائي . وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء وشهد صفين مع علي أميرا ، وقتل بعذراء من قرى دمشق . ومسجد قبره بها [ ص: 228 ] معروف . ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حجر ، فذكر طرفا صالحا من روايته عن علي وغيره .

وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة ، وذكر له وفادة ، ثم ذكره في الأولى من تابعي أهل الكوفة قال : وكان ثقة معروفا ، ولم يرو عن غير علي شيئا . قال ابن عساكر : بل قد روى عن عمار وشراحيل بن مرة .

وقال أبو أحمد العسكري : أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة ، شهد القادسية ، وافتتح مرج عذراء ، وشهد الجمل وصفين ، وكان مع علي حجر الخير ، وهو حجر بن عدي هذا ، وحجر الشر ، وهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة .

وقال المرزباني : قد روى أن حجر بن عدي وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ بن عدي .

[ ص: 229 ] وكان هذا الرجل من عباد الناس وزهادهم ، وكان بارا بأمه ، وكان كثير الصلاة والصيام . قال أبو معشر : ما أحدث قط إلا توضأ ، ولا توضأ إلا صلى ركعتين . هكذا قال غير واحد من الناس .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثني الأعمش ، عن أبي إسحاق قال : قال سلمان لحجر : يا ابن أم حجر ، لو تقطعت أعضاء ما بلغت الإيمان . وكان ، إذ كان المغيرة بن شعبة على الكوفة إذا ذكر عليا في خطبته يتنقصه بعد مدح عثمان وشيعته ، فيغضب حجر هذا ، ويظهر الإنكار عليه ، ولكن كان المغيرة فيه حلم وأناة ، فكان يصفح عنه ويعظه فيما بينه وبينه ، ويحذره غب هذا الصنيع ، فإن معارضة السلطان شديد وبالها ، فلم يرجع حجر عن ذلك . فلما كان في آخر أيام المغيرة قام حجر يوما ، فأنكر عليه في الخطبة وصاح به ، وذمه بتأخيره العطاء عن الناس ، وقام معه فئام من الناس لقيامه ، يصدقونه ويشنعون على المغيرة ، ودخل المغيرة بعد الصلاة قصر الإمارة ، ودخل معه جمهور الناس من الأمراء وغيرهم ، فأشاروا على المغيرة بأن يرد حجرا عما يتعاطاه من الجرأة على السلطان وشق العصا والقيام على الأمير وذمروه [ ص: 230 ] وحثوه على التنكيل به ، فصفح عنه وحلم .

وذكر يونس بن عبيد أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال ، فبعث عيرا تحمل مالا فاعترض لها حجر ، فأمسك بزمام أولها ، وقال : لا والله حتى يوفي كل ذي حق حقه . فقال شباب ثقيف للمغيرة : ألا نأتيك برأسه ؟ فقال : ما كنت لأفعل ذلك بحجر . فتركه ، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة وولى زيادا . والصحيح أنه لم يعزل المغيرة حتى مات ، فلما توفي المغيرة بن شعبة ، رضي الله عنه ، وجمعت الكوفة مع البصرة لزياد دخلها ، وقد التف على حجر جماعات من شيعة علي يقوونه ويشدون أمره على يده ، ويسبون معاوية ويتبرءون منه ، فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة ، ذكر في آخرها فضل عثمان ، وذم من قتله أو أعان على قتله . فقام حجر كما كان يقوم في أيام المغيرة ، وتكلم بنحو مما قال للمغيرة ، فلم يعرض له زياد ، ثم ركب زياد إلى البصرة وأراد أن يأخذ حجرا معه إلى البصرة لئلا يحدث حدثا ، فقال : إني مريض . فقال : والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل والله لئن أحدثت شيئا لأسعين في قتلك ثم سار زياد إلى البصرة فبلغه أن حجرا وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة ، وهو عمرو بن حريث ، وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة ، فركب زياد إلى الكوفة فنزل القصر ، ثم خرج إلى المنبر وعليه قباء سندس ، ومطرف خز أحمر ، قد فرق شعره ، وحجر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا يومئذ ، وكان من لبس من أصحابه يومئذ نحوا من ثلاثة آلاف ، [ ص: 231 ] وجلسوا حوله في المسجد في الحديد والسلاح ، فخطب زياد ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن غب البغي والغي وخيم ، وإن هؤلاء القوم جموا فأشروا وأمنوني فاجترءوا علي ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم . ثم قال : ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر ، وأدعه نكالا لمن بعده ، ويل أمك يا حجر ، سقط بك العشاء على سرحان . ثم قال :


أبلغ نصيحة أن راعي إبلها سقط العشاء به على سرحان

وجعل زياد يقول في خطبته : إن من حق أمير المؤمنين ، إن من حق أمير المؤمنين . فقال حجر : كذبت . فسكت زياد ونظر إليه ، ثم عاد زياد : إن من حق أمير المؤمنين ، إن من حق أمير المؤمنين . يعني كذا وكذا ، فأخذ حجر كفا من حصا فحصبه ، وقال : كذبت عليك لعنة الله . فانحدر زياد فصلى ، ثم دخل القصر ، واستحضر حجرا ، ويقال : إن زيادا لما خطب طول الخطبة وأخر الصلاة ، فقال له حجر : الصلاة . فمضى في خطبته ، ثم قال له : الصلاة . فمضى في خطبته فلما خشي حجر فوت الصلاة عمد إلى كف من حصا ، وثار إلى الصلاة ، وثار الناس معه ، فلما رأى ذلك زياد نزل ، فصلى بالناس ، [ ص: 232 ] فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه ، فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد واحمله إلي ، فبعث إليه زياد والي الشرطة ، وهو شداد بن الهيثم ومعه أعوانه فقال له : إن الأمير يطلبك . فامتنع من الحضور إلى زياد ، وقام دونه أصحابه ، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه ، فاستنهض زياد جماعات من القبائل ، فركبوا مع الوالي إلى حجر وأصحابه ، فكان بينهم قتال بالحجارة والعصي ، فعجزوا عنه ، فندب له محمد بن الأشعث ، وأمهله ثلاثا ، وجهز معه جيشا ، فركبوا في طلبه ولم يزالوا حتى أحضروه إلى زياد ، وما أغنى عنه قومه ولا من كان يظن أنه ينصره ، فعند ذلك قيده زياد وسجنه عشرة أيام ، ثم بعث به إلى معاوية ، وبعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سب الخليفة ، وأنه حارب الأمير ، وأنه يقول : إن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل علي بن أبي طالب وكان من جملة الشهود عليه ; أبو بردة بن أبي موسى ، ووائل بن حجر ، وعمر بن سعد بن أبي وقاص ، وإسحاق وإسماعيل وموسى بنو طلحة بن عبيد الله والمنذر بن الزبير ، وكثير بن شهاب ، وشبث بن ربعي ، في سبعين رجلا ، ويقال : إنه كتبت شهادة شريح القاضي فيهم ، وإنه أنكر ذلك وقال : إنما قلت لزياد : إنه كان صواما قواما . ثم بعث زياد حجرا وأصحابه مع وائل بن حجر وكثير بن شهاب إلى الشام . وكان مع حجر بن عدي بن جبلة الكندي من أصحابه جماعة قيل : عشرون رجلا . وقيل : أربعة عشر رجلا . منهم ; الأرقم بن [ ص: 233 ] عبد الله الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل ، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي ، وكريم بن عفيف الخثعمي ، وعاصم بن عوف البجلي ، وورقاء بن سمي البجلي ، وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بنى تميم ، ومحرز بن شهاب التميمي ، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي أيضا . فهؤلاء أصحابه الذين وصلوا معه ، فساروا بهم إلى الشام ، ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين ; عتبة بن الأخنس من بني سعد ، وسعد بن نمران الهمداني ، فكملوا أربعة عشر رجلا . فيقال : إن حجرا لما دخل على معاوية قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فغضب معاوية غضبا شديدا ، وأمر بضرب عنقه هو ومن معه . ويقال : إن معاوية ركب فتلقاهم إلى مرج عذراء . ويقال : بل بعث إليهم من تلقاهم إلى عذراء تحت الثنية ; ثنية العقاب فقتلوا هناك ، وكان الذين بعث إليهم ثلاثة نفر ، وهم ; هدبة بن فياض القضاعي ، والحصين بن عبد الله الكلابي ، وأبو شريف [ ص: 234 ] البدي ، فجاءوا إليهم عشاء فبات حجر وأصحابه يصلون طول الليل ، فلما صلوا الصبح قتلوهم ، وهذا هو الأشهر . والله أعلم . وذكر محمد بن سعد أنهم دخلوا عليه ، ثم ردهم ، فقتلوا بعذراء . وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حين وصلوا إلى مرج عذراء وقيل : إنهم حبسوا بها . فمن مشير بقتلهم ، ومن مشير بتفريقهم في البلاد ، فكتب معاوية إلى زياد كتابا آخر في أمرهم ، فأشار عليه بقتلهم إن كان له حاجة في ملك العراق ، فعند ذلك أمر بقتلهم ، فاستوهب منه الأمراء واحدا بعد واحد ، حتى استوهبوا منه ستة ، وقتل منهم ستة ، أولهم حجر بن عدي ورجع آخر ، فعفا عنه معاوية ، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الحكم ، ومدح عليا ، فبعث به معاوية إلى زياد ، وقال له : لم تبعث إلي فيهم أردى من هذا . فلما وصل إلى زياد دفنه في قس الناطف حيا ، وهو عبد الرحمن بن حسان العنزي .

وهذه تسمية الذين قتلوا بعذراء ; حجر بن عدي وشريك بن شداد ، [ ص: 235 ] وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، ومحرز بن شهاب المنقري السعدي ، وكدام بن حيان ، وعبد الرحمن بن حسان العنزي المبعوث إلى زياد المدفون في قس الناطف ، فلما قتلوا صلي عليهم ودفنوا . ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القصب ، - ومنهم من يزعم أنهم مدفونون بمسجد السبعة خارج باب توماء - وإنما نسبت السبعة إليهم ; لأنهم سبعة - في شرقيه ، وقيل : هم في غربي مسجد القصب . والصحيح أنهم مدفونون بعذراء من غوطة دمشق رحمهم الله .

ويذكر أن حجرا لما أرادوا قتله قال : دعوني حتى أتوضأ . فقالوا : توضأ . فقال : دعوني حتى أصلي ركعتين . فصلاهما وخفف فيهما . ثم قال : والله ما صليت صلاة قط أخف منهما ، ولولا أن يقولوا : إن ما بي جزع من الموت . لطولتهما . ثم قال : قد تقدم لهما صلوات كثيرة . ثم قدموه للقتل وقد حفرت قبورهم ونشرت أكفانهم ، فلما تقدم إليه السياف ارتعدت فرائصه ، فقيل له : إنك قلت : لست بجازع من القتل . فقال : وما لي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا . فأرسلها مثلا . ثم تقدم إليه الأعور هدبة بن فياض بالسيف ، فقال له : امدد عنقك . فقال : لا أعين على [ ص: 236 ] قتل نفسي . فضربه فقتله . وكان قد أوصى أن يدفن في قيوده ، ففعلوا به ذلك ، وقيل : بل غسلوه وصلوا عليه .

وروى أن الحسن بن علي قال : أصلوا عليه ودفنوه في قيوده ؟ ! قالوا : نعم . قال : حجهم والله .

والظاهر أن قائل هذا إنما هو الحسين بن علي فإن حجرا إنما قتل في سنة إحدى وخمسين ، وقيل : سنة ثلاث وخمسين . وعلى كل تقدير فالحسن كان قد مات قبله . والله أعلم . رضي الله عن الحسن ، ورحم الله حجرا وأصحابه .

وروينا أن معاوية لما دخل على أم المؤمنين عائشة ، فسلم عليها من وراء الحجاب ، وذلك بعد مقتل حجر وأصحابه ، قالت له : أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا وأصحابه ؟ فقال لها : فقدته حين غاب عني من قومي مثلك يا أماه . ثم قال لها : فكيف بري بك يا أمه ؟ فقالت : إنك بي لبار . فقال : يكفيني هذا عند الله ، وغدا لي ولحجر موقف بين يدي الله عز وجل . وفي [ ص: 237 ] رواية أنه قال لها : إنما قتله الذين شهدوا عليه .

وروى ابن جرير أن معاوية لما حضره الموت جعل يغرغر بروحه وهو يقول : إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل . قالها ثلاثا . فالله أعلم .

وقال محمد بن سعد في " الطبقات " : ذكر بعض أهل العلم أن حجرا وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ بن عدي ، وكان من أصحاب علي ، فلما قدم زياد بن أبي سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي ، فقال : تعلم أني أعرفك ، وقد كنت أنا وإياك على ما قد علمت - يعني من حب علي - وأنه قد جاء غير ذلك ، وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله ، املك عليك لسانك ، وليسعك منزلك ، وهذا سريري فهو مجلسك ، وحوائجك مقضية لدي ، فاكفني نفسك فإني أعرف عجلتك ، فأنشدك الله في نفسك ، وإياك وهذه السفلة وهؤلاء السفهاء أن يستنزلوك عن رأيك . فقال حجر : قد فهمت . ثم انصرف إلى منزله ، فأتاه الشيعة فقالوا : ما قال لك ؟ قال : قال لي كذا وكذا . فقالوا : ما نصح لك . وسار زياد إلى البصرة ، ثم جعلوا يترددون إليه يقولون له : أنت شيخنا . وإذا جاء إلى المسجد مشوا معه ، فأرسل إليه عمرو بن حريث نائب زياد على الكوفة ، يقول : ما هذه [ ص: 238 ] الجماعة وقد أعطيت الأمير ما قد علمت ؟ فقال للرسول : إنهم ينكرون ما أنتم عليه ، إليك وراءك أوسع لك . فكتب عمرو بن حريث إلى زياد : إن كانت لك حاجة بالكوفة فالعجل . فأعجل زياد السير إلى الكوفة ، فلما وصل بعث إليه عدي بن حاتم وجرير بن عبد الله البجلي ، وخالد بن عرفطة في جماعة من أشراف أهل الكوفة لينهوه عن هذه الجماعة ، فأتوه فجعلوا يحدثونه ولا يرد عليهم شيئا ، بل جعل يقول : يا غلام ، اعلف البكر . لبكر مربوط في الدار . فقال له عدي بن حاتم : أمجنون أنت ؟ نكلمك وأنت تقول : يا غلام ، اعلف البكر ! ثم قال عدي لأصحابه : ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى . ثم نهضوا فأخبروا زيادا ببعض الخبر وكتموه بعضا ، وحسنوا أمره وسألوه الرفق به ، فلم يقبل ، بل بعث إليه الشرط والبخارية ، فأتى به وبأصحابه ، فقال له : زياد : ويلك ما لك ؟ قال : إني على بيعتي لمعاوية . فجمع زياد سبعين من وجوه أهل الكوفة ، فقال : اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه . ففعلوا ثم أوفدهم إلى معاوية ، وبلغ الخبر عائشة ، فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم ، فلما دخلوا على معاوية قرأ كتاب زياد ، وشهد الشهود فقال معاوية : اخرجوا بهم إلى عذراء ، فاقتلوهم هناك . فذهبوا بهم ، ثم قتلوا منهم سبعة ، ثم جاء رسول معاوية بالتخلية عنهم ، وأن يطلقوهم كلهم ، فوجدهم قد قتلوا منهم سبعة فأطلقوا السبعة [ ص: 239 ] الباقين ، ولكن كان حجر فيمن قتل ، وكان قد سألهم أن يصلي ركعتين قبل أن يقتلوه ، فصلى ركعتين فطول فيهما ، وقال : إنهما لأخف صلاة صليتها . وجاء رسول عائشة بعد ما فرغ من شأنهم ، فلما حج معاوية قالت له عائشة : أين عزب عنك حلمك حين قتلت حجرا ؟ فقال : حين غاب عني مثلك من قومي .

ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية أقتلت حجر بن الأدبر ؟ فقال معاوية : قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف . وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان ، ويقولون فيه مقالة الجور ، وينتقدون على الأمراء ، ويسارعون في الإنكار عليهم ، ويبالغون في ذلك ، ويتولون شيعة علي ، ويتشددون في الدين .

ويروى أنه لما أخذ في قيوده سائرا من الكوفة إلى الشام ، تلقته بناته في الطريق وهن يبكين ، فمال نحوهن فسكت ساعة ثم قال : إن الذي يطعمكن ويسقيكن ويكسوكن هو الله ، وهو باق لكن بعدي ، فعليكن بتقوى الله وعبادته ، والصبر ابتغاء وجهه ، والتوكل عليه ، فإنه حي لا يموت أبدا ، فاتقين الله واصبرن ، فإني لأرجو من ربي ، عز وجل ، في وجهي هذا إحدى الحسنيين ; إما [ ص: 240 ] الشهادة وهي السعادة الكبرى ، وإما الانصراف إليكن في عافية ، وإني لأرجو من الله الذي كان يكفيني مؤنتكن أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن . ثم انصرف فمر بقومه فجعلوا يدعون الله له بالعافية ، فأتوا به وبأصحابه مرج عذراء فقتلوا ودفنوهم مستقبلي القبلة ، رحمهم الله وعفا عنهم . وقد قالت امرأة من المتشيعات ترثي حجرا ، وهي هند بنت زيد بن مخرمة - الأنصارية - ويقال : إنها لهند أخت حجر . فالله أعلم - :


ترفع أيها القمر المنير     تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب     ليقتله كما زعم الأمير
يرى قتل الخيار عليه حقا     له من شر أمته وزير
ألا يا ليت حجرا مات موتا     ولم ينحر كما نحر البعير
تجبرت الجبابر بعد حجر     وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا     كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي     تلقتك السلامة والسرور
[ ص: 241 ] أخاف عليك ما أردى عديا     وشيخا في دمشق له زئير
فإن تهلك فكل زعيم قوم     من الدنيا إلى هلك يصير

وقد ذكر ابن عساكر له مراثي كثيرة .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثني حرملة ، أنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : دخل معاوية على عائشة ، فقالت : ما حملك على قتل أهل عذراء حجر وأصحابه ؟ فقال : يا أم المؤمنين ، إني رأيت في قتلهم صلاحا للأمة ، وفي بقائهم فسادا للأمة . فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء " . وهذا إسناد ضعيف منقطع .

وقد رواه عبد الله بن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، أن عائشة قالت : بلغني أنه سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثني ابن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، [ ص: 242 ] حدثني الحارث بن يزيد ، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال : سمعت عليا يقول : يا أهل العراق ، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء ، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود . قال : فقتل حجر وأصحابه . ابن لهيعة ضعيف .

وروى الإمام أحمد عن ابن علية ، عن ابن عون ، عن نافع قال : كان ابن عمر في السوق ، فنعي له حجر ، فأطلق حبوته ، وقام وغلب عليه النحيب .

وروى الإمام أحمد أيضا ، عن عفان ، عن ابن علية ، عن أيوب ، عن عبد الله بن أبي مليكة أو غيره قال : لما قدم معاوية المدينة دخل على عائشة فقالت : أقتلت حجرا ؟ فقال : يا أم المؤمنين ، إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرا من استحيائه في فسادهم .

وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال : دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت : يا معاوية ، قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت ، أما خشيت أن أخبئ لك رجلا يقتلك ؟ فقال : لا ، إني في بيت الأمان ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ ص: 243 ] " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن " . يا أم المؤمنين ، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك ؟ قالت : صالح . قال : فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا ، عز وجل .

وفي رواية أنها حجبته وقالت : لا يدخل علي أبدا . فلم يزل يتلطف حتى دخل ، فلامته في قتله حجرا ، فلم يزل يعتذر حتى عذرته .

وفي رواية أنها كانت تتوعده وتقول : لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حجرا شأن . فلما اعتذر إليها عذرته .

قال ابن جرير : وفي هذه السنة ولى زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو ، الربيع بن زياد الحارثي ، ففتح بلخ صلحا ، وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس ، وفتح قوهستان عنوة ، وكان عندها أتراك فقتلهم ، ولم يبق منهم إلا نيزك طرخان ، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك ، كما سيأتي . وفيها غزا الربيع ما وراء النهر ، فغنم وسلم ، وكان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو ، وكان أول من شرب من النهر غلام للحكم ، فسقى سيده ، وتوضأ الحكم وصلى وراء النهر ركعتين ، ثم رجع ، فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر ، فغنم وسلم . وفيها حج بالناس يزيد بن معاوية ، فيما قاله أبو معشر والواقدي .

[ ص: 244 ] وذكر ابن الجوزي في " المنتظم " أنه توفي في هذه السنة من الأكابر جرير بن عبد الله البجلي ، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث ، وحارثة بن النعمان ، وحجر بن عدي ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وعبد الله بن أنيس ، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ، رضي الله عنهم .



فأما جرير بن عبد الله البجلي

فأسلم بعد نزول المائدة ، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر ، وكان قدومه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، وكان قد قال في خطبته : " إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن ، وإن على وجهه مسحة ملك " . فلما دخل جرير رماه الناس بأبصارهم ينظرون . وأخبروه بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله تعالى .

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جالسه بسط له رداءه وقال : " إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه " . وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الخلصة - وهو بيت كانت تعظمه دوس في الجاهلية - فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل ، فضرب في صدره وقال : " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " . فذهب إليه فهدمه . وفي " الصحيحين " عنه أنه قال : ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم . وكان عمر بن الخطاب يقول : جرير يوسف هذه الأمة .

[ ص: 245 ] وقال عبد الملك بن عمير : رأيت جريرا كأن وجهه شقة قمر .

وقال الشعبي : كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت ، فاشتم عمر من بعضهم ريحا ، فقال : عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ . فقال جرير أو نقوم كلنا فنتوضأ يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : نعم السيد كنت في الجاهلية ، ونعم السيد أنت في الإسلام .

وقد كان عاملا لعثمان على همذان ، ويقال : إنه أصيبت عينه هناك . فلما قتل عثمان اعتزل عليا ومعاوية ، ولم يزل مقيما بالجزيرة حتى توفي بالسراة سنة إحدى وخمسين . قاله الواقدي ، وقيل : سنة أربع وقيل : سنة ست وخمسين .



وأما جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب

فأسلم مع أبيه حين تلقياه بين مكة والمدينة عام الفتح ، فلما ردهما قال أبو سفيان : والله لئن [ ص: 246 ] لم يأذن لي لآخذن بيد بني هذا فأذهبن في الأرض ، فلا يدرى أين أذهب . فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق له وأذن له ، وقبل إسلامهما ، فأسلما إسلاما حسنا ، بعد ما كان أبو سفيان هذا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى كثيرا ، وشهد حنينا ، وكان ممن ثبت يومئذ . رضي الله عنهما .



وأما حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري

فشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها ، وكان من فضلاء الصحابة ، وروي أنه رأى جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمقاعد يتحدثان بعد خيبر . وأنه رآه يوم بني قريظة في صورة دحية . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قراءته في الجنة .

قال محمد بن سعد : حدثنا عبد الرحمن بن يونس ، ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، ثنا محمد بن عثمان ، عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره ، فجعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته ، وكان يضع عنده مكتلا فيه تمر وغيره ، فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ، ثم أخذ يمسك [ ص: 247 ] بذلك الخيط حتى يضع ذلك في يد المسكين ، وكان أهله يقولون له : نحن نكفيك ذلك . فيقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن مناولة المسكين تقي ميتة السوء " . وأما حجر بن عدي فقد تقدمت قصته مبسوطة .



وأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي أبو الأعور العدوي

فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة
، وهو ابن عم عمر بن الخطاب ، وأخته عاتكة زوجة عمر ، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد . أسلم قبل عمر هو وزوجته فاطمة ، وهاجرا ، وكان من سادات الصحابة .

قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد : لم يشهد بدرا ; لأنه كان قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش ، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر ، فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجرهما .

ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى ، فتركه لذلك ، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في جملة العشرة ، كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة ، ولم يتول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاية ، وما زال كذلك حتى مات بالكوفة ، وقيل : بالمدينة . وهو الأصح . [ ص: 248 ] قال الفلاس وغيره : سنة إحدى وخمسين . وقيل : سنة ثنتين وخمسين . والله أعلم .

وكان رجلا طوالا أشعر ، وقد غسله سعد بن أبي وقاص ، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة ، وكان عمره يومئذ بضعا وسبعين سنة .



وأما عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني

فصحابي جليل
، شهد العقبة ، ولم يشهد بدرا ، وشهد ما بعدها ، وكان هو ومعاذ يكسران أصنام الأنصار . له في " الصحيح " حديث أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين . وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ، فقتله بعرنة ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصرة ، وقال : " هذه آية ما بيني وبينك يوم القيامة " فأمر بها . فدفنت معه في أكفانه . وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفي سنة إحدى وخمسين . وقال غيره : سنة أربع وخمسين . وقيل : سنة ثمانين . [ ص: 249 ]

وأما أبو بكرة نفيع بن الحارث

بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة الثقفي ، فصحابي جليل كبير القدر ، ويقال : كان اسمه مسروح . وإنما قيل له : أبو بكرة . لأنه تدلى في بكرة يوم الطائف ، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من نزل من مواليهم يومئذ . وأمه سمية هي أم زياد ، وكان ممن شهد على المغيرة بن شعبة بالزنى هو وأخوه زياد ، ومعهما شبل بن معبد ، ونافع بن الحارث ، فلما تلكأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين ، ثم استتابهم فتابوا إلا أبا بكرة فإنه صمم على الشهادة ، وقال المغيرة : يا أمير المؤمنين ، اشفني من هذا العبد . فنهره عمر وقال له : اسكت لو كملت الشهادة لرجمتك بأحجارك . وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود ، وكان ممن اعتزل الفتن ، فلم يحضر شيئا منها ، ومات في هذه السنة ، وقيل : قبلها بسنة . وقيل : بعدها بسنة . وصلى عليه أبو برزة الأسلمي ، وكان قد آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 250 ] وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء سنة سبع . قال ابن عباس ، وكان ابن أختها أم الفضل لبابة بنت الحارث : تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم . أخرجاه . وثبت في " صحيح مسلم " عنها أنهما كانا حلالين . وقولها مقدم عند الأكثرين على قول ابن عباس .

وروى الترمذي عن أبي رافع - وكان هو السفير بينهما - أنهما كانا حلالين . ويقال : كان اسمها برة ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة . وتوفيت بسرف بين مكة والمدينة حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة . وقيل : في سنة ثلاث وستين . وقيل : سنة ست وستين . والمشهور الأول ، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة