التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة خمس وأربعين

مسألة: الجزء الحادي عشر
[ ص: 168 ]

ثم دخلت سنة خمس وأربعين

فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الأزدي ، ثم عزله بعد أربعة أشهر ، وولى زيادا ، فقدم زياد الكوفة وعليها المغيرة بن شعبة ، فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة ، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة ، فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم له خبره ، فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء ، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة واستعمله على خراسان وسجستان ، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان . ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأولى ، فقام في أول خطبة خطبها ، وقد وجد الفسق ظاهرا في البصرة ، فقال فيها : أيها الناس ، كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لأهل الطاعة ، والعذاب لأهل المعصية ، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا ، وسدت مسامعه الشهوات فاختار الفانية على الباقية . ثم ما زال يقيم أمر السلطان ويجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما ، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة ، واستعان بجماعة من الصحابة ، وولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة ، وولى الحكم بن عمرو الغفاري نيابة خراسان ، وولى سمرة بن جندب وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك .

وكان زياد حازم الرأي ، ذا هيبة ، داهية ، وكان مفوها فصيحا بليغا ; قال [ ص: 169 ] الشعبي : ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت ; خوفا من أن يسيء إلا زيادا ; فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما . وقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب .

وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمرو نائب زياد على خراسان جبل الأشل ، عن أمر زياد ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، وغنم أموالا جمة ، فكتب إليه زياد : إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء وبيضاء - يعني الذهب والفضة - يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال . فكتب الحكم بن عمرو إليه : إن كتاب الله مقدم على كتاب أمير المؤمنين ، وإنه والله لو كانت السماوات والأرض على عبد فاتقى الله ، لجعل له مخرجا . ثم نادى في الناس أن اغدوا على قسم غنيمتكم . فقسمها بينهم ، وخالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية ، وعزل الخمس كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحكم : اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك . فمات بمرو من خراسان ، رضي الله عنه .

قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان نائب المدينة . وكانت الولاة والعمال هم الذين كانوا في السنة الماضية .

[ ص: 170 ] وفي هذه السنة توفي زيد بن ثابت الأنصاري أحد كتاب الوحي ، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة ، وهو الذي كتب هذا المصحف الإمام الذي بالشام ، عن أمر عثمان بن عفان ، وهو خط جيد قوي جدا فيما رأيته ، وقد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاء ، تعلم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يوما . قال أبو الحسن بن البراء : تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما ، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الواقدي : وأول مشاهده الخندق ، وهو ابن خمس عشرة سنة . وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي : " وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت " . وقد استعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، على القضاء . وقال مسروق : كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم .

وقال محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له : تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : لا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا .

[ ص: 171 ] وقال الأعمش ، عن ثابت بن عبيد قال : كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته ، ومن أزمته إذا خرج إلى الرجال .

وقال محمد بن سيرين : خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة ، فوجد الناس راجعين منها ، فتوارى عنهم وقال : من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله .

مات في هذه السنة ، وقيل : في سنة خمس وخمسين . والصحيح الأول ، وقد قارب الستين ، وصلى عليه مروان بن الحكم نائب المدينة . وقال ابن عباس : لقد مات اليوم علم كثير . وقال أبو هريرة : مات حبر هذه الأمة .

وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش ، عن سبعين سنة ، وقد شهد بدرا وما بعدها ، ولا عقب له .

وعاصم بن عدي ، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى بدر على قباء وأهل العالية ، وشهد أحدا وما بعدها ، وتوفي عن خمس عشرة ومائة ، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ومالك بن الدخشم إلى مسجد الضرار فحرقاه .

[ ص: 172 ] وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة السهمي ، وهاجرت معه إلى المدينة ، فتوفي عنها بعد بدر ، فلما انقضت عدتها عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يتزوجها ، فعرضها على أبي بكر فلم يرد عليه شيئا ، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها ، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك ، فقال له أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ذكرها ، فما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها لتزوجتها .

وقد روينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها . وفي رواية أن جبريل أمره بمراجعتها ، وقال : إنها صوامة قوامة ، وهي زوجتك في الجنة . وقد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة . وقيل : إنها توفيت أيام عثمان . والأول أصح . والله أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة