التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين

مسألة: الجزء الحادي عشر
[ ص: 156 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين

فيها غزا بسر بن أبي أرطاة بلاد الروم ، فوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية ، وشتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي ، وأنكر ذلك آخرون ، وقالوا : لم يكن بها مشتى لأحد . فالله أعلم .

قال ابن جرير وفيها مات عمرو بن العاص بمصر ، ومحمد بن مسلمة . قلت : وسنذكر ترجمة كل منهما في آخرها .

فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو . قال الواقدي : فعمل له عليها سنتين .

وقد كانت في هذه السنة - أعني سنة ثلاث وأربعين - وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة وذلك أنهم صمموا ، كما قدمنا ، على الخروج على الناس في هذا الحين ، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة ، عليهمالمستورد بن علفة ، فجهز إليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف ، فسار إليهم ، وقدم بين يديه أبا الرواغ في طليعة ، هي ثلاثمائة على عدة الخوارج ، فلقيهم أبو الرواغ بمكان يقال له : المذار . فاقتتلوا معهم ، فهزمتهم الخوارج ، ثم كروا عليهم ، فهزمتهم الخوارج ، ولكن لم يقتل أحد منهم ، فلزموا [ ص: 157 ] مكانهم في مقابلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم ، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار بعد أن غربت الشمس ، فنزل وصلى بأصحابه ، ثم شرع في مدح أبي الرواغ ، فقال له : أيها الأمير ، إن لهم شدات منكرة ، فكن أنت ردء الناس ، ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك . فقال معقل بن قيس : نعم ما رأيت . فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه ، فانجفل عنه عامة أصحابه ، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال : يا معشر المسلمين ، الأرض الأرض . فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس منهم أبو الرواغ الشاكري ، فحمل عليهم المستورد بن علفة أمير الخوارج بأصحابه ، فاستقبلوهم بالرماح والسيوف ، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان ، فذمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار ، فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه قتالا شديدا ، والناس يتراجعون في أثناء الليل ، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال : لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم . فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج ، فرجعوا من حيث أتوا ، فسار معقل في طلبهم ، وقدم بين يديه أبا الرواغ في ستمائة ، فالتقوا بهم عند طلوع الشمس ، فثار إليهم الخوارج ، فتبارزوا ساعة ، ثم حملوا حملة رجل واحد ، فصبر لهم أبو الرواغ بمن معه ، وجعل يذمرهم وينهاهم عن الفرار ، ويحثهم على الصبر ، فصبروا وصدقوا في الثبات ، حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم ، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم ، فما يكون دون [ ص: 158 ] قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة ، ووقعوا في أرض بهرسير ، وتبعهم أبو الرواغ ، ولحقه معقل بن قيس ، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة ، فركب إليهم سماك بن عبيد نائب المدائن ، ولحقهم أبو الرواغ بمن معه من المقدمة .

وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة .

وممن توفي بها عمرو بن العاص ، ومحمد بن مسلمة ، رضي الله عنهما .

أما عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي أبو عبد الله ، ويقال : أبو محمد . أحد رؤساء قريش في الجاهلية ، وهو الذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده ، فلم يجبهم إلى ذلك لعدله ، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك ، فيقال : إنه أسلم على يديه . والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري . وكان أحد أمراء الإسلام ، وهو أمير غزوة ذات السلاسل ، وأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدد ، عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق ، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان ، فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقره عليها الصديق .

[ ص: 159 ] وقد قال الترمذي : ثنا قتيبة ، ثنا ابن لهيعة ثنا مشرح بن هاعان ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص " .

وقال أيضا : ثنا إسحاق بن منصور ، ثنا أبو أسامة ، عن نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة قال : قال طلحة بن عبيد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن عمرو بن العاص من صالحي قريش " . وفي الحديث الآخر " ابنا العاص مؤمنان " وفي الحديث الآخر " نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله " رووه في فضائل عمرو بن العاص

ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام ، فكان ممن شهد تلك الحروب ، وكانت له الآراء السديدة ، والمواقف الحميدة ، والأحوال السعيدة ، ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها ، وأقره عليها عثمان بن عفان أربع سنين ، ثم عزله ، كما قدمنا ، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فاعتزل عمرو بفلسطين ، وبقي في نفسه من عثمان ، رضي الله عنهما ، فلما قتل عثمان سار إلى معاوية ، فشهد مواقفه كلها بصفين وغيرها ، وكان هو أحد الحكمين ، ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبي بكر الصديق استعمل عمرو بن العاص عليها ، فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور ، وقيل : إنه توفي سنة سبع وأربعين . وقيل : سنة ثمان [ ص: 160 ] وأربعين . وقيل : سنة إحدى وخمسين . رحمه الله .

وقد كان معدودا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم ، وله أمثال حسنة وأشعار جيدة . وقد روي أنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل . ومن شعره :


إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما     قضى وطرا منه وغادر سبة
إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، ثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى ، فقال له ابنه عبد الله : لم تبكي ؟ أجزعا من الموت ؟ فقال : لا والله ، ولكن مما بعد الموت . فقال له : قد كنت على خير . فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتوحه الشام . فقال عمرو : تركت أفضل من ذلك كله ; شهادة أن لا إله إلا الله ، إنى كنت على ثلاثة أطباق ، ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه ، كنت أول شيء كافرا ، وكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو مت حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا راجعته فيما أريد ، حتى لحق بالله ; حياء منه ، فلو مت [ ص: 161 ] يومئذ قال الناس : هنيئا لعمرو ; أسلم وكان على خير فمات عليه ، نرجو له الجنة . ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء ، فلا أدري علي أم لي ، فإذا مت فلا تبكين علي باكية ، ولا تتبعني مادحا ولا نارا ، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم ، وشنوا علي التراب شنا ، فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر ، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا ، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها ; أستأنس بكم . وقد روى مسلم هذا الحديث في " صحيحه " من حديث يزيد بن أبي حبيب بإسناده نحوه ، وفيه زيادات على هذا السياق حسنة ، فمنها قوله : كي أستأنس بكم لأنظر ماذا أراجع به رسل ربي ، عز وجل . وفي رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار وجعل يقول : اللهم أمرتنا فعصينا ، ونهيتنا فما انتهينا ، ولا يسعنا إلا عفوك . وفي رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ، ورفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم لا قوي فأنتصر ، ولا بريء فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت . فلم يزل يرددها حتى مات ، رضي الله عنه .

[ ص: 162 ] وأما محمد بن مسلمة الأنصاري ، فإنه أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ، شهد بدرا وما بعدها إلا تبوك ; فإنه استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في قول ، وقيل : استخلفه في قرقرة الكدر . وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف اليهودي ، وقيل : إنه الذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا . وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو من خمس عشرة سرية ، وكان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل وصفين وغيرهما ، واتخذ سيفا من خشب . وقد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وخرج إلى الربذة . وكان من سادات الصحابة ، وكان هو بريد عمر إلى عماله ، وهو الذي شاطرهم عن أمره ، وله وقائع عظيمة وصيانة وأمانة بليغة ، رضي الله عنه ، واستعمله عمر على صدقات جهينة ، وقيل : إنه توفي سنة ست أو سبع وأربعين . وقيل غير ذلك . وقد جاوز السبعين ، وترك بعده عشرة ذكور وست بنات ، وكان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع ، رضي الله عنه .

وممن توفي فيها عبد الله بن سلام ، أبو يوسف الإسرائيلي ، أحد أحبار اليهود ، كان حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في نخل له ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت فيمن انجفل إليه ، فلما رأيت وجهه [ ص: 163 ] عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول ما سمعته يقول : " أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " . وقد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة ، وماذا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسئلة النافعة الحسنة ، رضي الله عنه . وهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وهو ممن يقطع له بدخولها .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة