فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء السابع
( كتاب الخلع )

بالضم من الخلع بالفتح وهو النزع ؛ لأن كلا لباس للآخر كما في الآية وأصله قبل الإجماع قوله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } { فإن طبن لكم } وخبر البخاري أنه صلى الله عليه وسلم { قال لثابت بن قيس وقد سألته زوجته أن يطلقها على حديقتها التي أصدقها إياها خذ الحديقة وطلقها تطليقة } وهو أول خلع في الإسلام وأصله مكروه [ ص: 458 ] وقد يستحب كالطلاق ويزيد هذا بندبه لمن حلف بالثلاث على شيء لا بد له من فعله وفيه نظر لكثرة القائلين بعود الصفة فالأوجه أنه مباح لذلك لا مندوب على أن في التخلص به تفصيلا يأتي في الطلاق فتفطن له وإذا فعل الخلع في هذه الصورة فليشهد عليه فإنه إذا أعادها لا يقبل قوله فيه وإن صدقته على ما جزم به بعضهم ويؤيده ما مر أن اتفاقهما على مفسد للعقد بعد الثلاث لا يفيد لرفعه التحليل فإن قلت فلم قبلت البينة هنا كما هو مقتضى أمره بالإشهاد لا ثم قلت يمكن توجيهه بأنها هنا لا ترفع العقد الموجب للوقوع بخلافها ثم فكانت التهمة فيها أقوى ثم رأيت شيخنا أفتى بعدم قبول بينته وهو القياس ولا نظر لتفاوت التهمة .

ولو منعها نحو نفقة لتختلع منه بمال ففعلت بطل الخلع ووقع رجعيا كما نقله جمع متقدمون عن الشيخ أبي حامد أولا بقصد ذلك وقع بائنا وعليه يحمل ما نقلاه عنه أنه يصح ويأثم بفعله في الحالين وإن تحقق زناها وكان الفرق أنه لما اقترن المنع بقصد الخلع وكان يعسر تخليص مثل ذلك منه بالحاكم لمشقته وتكرره نزل منزلة الإكراه بالنسبة لالتزام المال بخلاف ما إذا لم يقصد ذلك فإنه ينجع فيه القاضي وغيره غالبا فلم يلحقوه بالإكراه ذلك هذا غاية ما يوجه به ذلك وقضية قولهم إنه لا يؤثر إضمار المبطل الأخذ بإطلاق صحته ووقوعه بائنا في الحالين كما اقتضاه ما نقلاه عن الشيخ وأما زعم أنه إكراه فيهما فبعيد ؛ لأن شرطه أن لا يمكن التخلص منه بالحاكم وهنا يمكن ذلك على ما تقرر ( هو فرقة بعوض ) مقصود كميتة وقود لها عليه راجع للزوج أو سيده ولو كان العوض تقديرا كأن خالعها على ما في كفها عالمين بأنه لا شيء فيه [ ص: 459 ] فإنه يجب مهر المثل وكذا على البراءة من صداقها أو بقيته ولا شيء لها عليه ويؤخذ من اكتفائهم في العوض بالتقدير صحة ما أفتى به البلقيني ومن تبعه فيمن لو قال لزوجته قبل الدخول إن أبرأتني من مهرك فأنت طالق فأبرأته فإنه يصح الإبراء ويقع الطلاق ؛ لأنها مالكة لكل المهر حال الإبراء وإذا صح لم يرتفع .

وقال آخرون لا طلاق ؛ لأن من لازمه رجوع النصف إليه فلم يبرأ من الجميع فلم يوجد المعلق به من الإبراء من كله ولأن المعلق بصفة يقع مقارنا لها كما ذكروه في تعاليق الطلاق وأيده بعضهم بأنه يصح خلعها المنجز به لكنه يرجع عليها بنصف مهر المثل لفساد نصف عوضه برجوعه به للزوج ويجاب بمنع الملازمة لما مر أنها لو أبرأته ثم طلقها لم يرجع عليها بشيء وبأن معنى قولهم في تعاليق الطلاق الشرط علة وضعية والطلاق معلولها فيتقارنان في الوجود كالعلة الحقيقية مع معلولها أنه إذا وجد الشرط قارنه المشروط فهنا إذا وجد الإبراء قارنه الطلاق بمقتضى لفظه والتشطير إنما يوجد عقب الطلاق ؛ لأنه حكم رتبه الشارع عليه وعقبه لم يبق مهر حتى يتشطر على إن جمعا على تقدمها بالزمان على معلولها واختاره السبكي وغيره بل على الأول بينهما تقدم وتأخر من حيث الرتبة ويفرق بين ما هنا والخلع المنجز بأن البراءة وجدت في ضمنه وفي مسألتنا وجدت متقدمة على وقت التشطير فلم يرجع منه شيء له إما فرقة بلا عوض أو بعوض غير مقصود كدم أو بمقصود راجع لغير من مر كأن علق طلاقها على إبرائها زيدا عما لها عليه فإنه لا يكون خلعا بل يقع رجعيا وزعم أن وقوعه في الدم رجعيا يمنع كونه بعوض فلا يحتاج لمقصود يرد بأن العوض في هذا الباب يشمل المقصود وغيره فوجب التقييد بالمقصود وكان وقوعه رجعيا مانعا لكونه مقصودا لا لكونه عوضا .

ولو خالعها على إبرائه وإبراء زيد فأبرأتهما براءة صحيحة فهل يقع بائنا نظرا لرجوع بعضه للزوج أو رجعيا نظرا لرجوع البعض الآخر للأجنبي كل محتمل والأول أقرب ؛ لأن رجوعه لغير الزوج يحتمل أنه مانع للبينونة أو غير مقتض لها فعلى الثاني البينونة واضحة وكذا على الأول إذ كونه مانعا لها إنما يتجه إن انفرد لا إن انضم إليه مقتض لها ( بلفظ طلاق ) [ ص: 460 ] أي بلفظ محصل له صريح أو كناية ومن ذلك لفظ المفاداة الآتي ولكون لفظ الخلع الأصل في الباب عطفه على ما قبله من باب عطف الأخص على الأعم فقال ( أو خلع ) فالمراد بالخلع في الترجمة معناه كما أفاده حده له بما مر

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

( كتاب الخلع ) [ ص: 458 ] قوله على شيء ) أي على ترك شيء .

( قوله وإذا فعل الخلع في هذه الصورة ) أي وهي قوله حلف بالثلاث إلخ .

( قوله فليشهد إلخ ) كذا شرح م ر .

( قوله لا ترفع العقد إلخ ) قد يقال الموجب للوقوع بقاء العصمة الأولى وهي ترفعها ويمكن أن يفرق بأن ما صدر منه هنا وهو الفعل المحنث لا ينافي مدعاه وهو سبق الخلع بخلاف ما صدر منه ثم وهو إيقاع الثلاث فإنه ينافي مدعاه وهو فساد النكاح .

( قوله كما نقله جمع متقدمون عن الشيخ أبي حامد ) لكنه رأي مرجوح والمعتمد أنه ليس بإكراه والخلاف في ذلك قريب من الخلاف في بيع المصادر ؛ لأنه إذا منعها حقها لم يكرهها على الخلع بخصوصه شرح م ر أقول ولأن شرط الإكراه عجز المكره عن الدفع وهذا منتف إذ يمكنها الدفع بالحاكم إلا أن يفرض ذلك عند عجزها عن دفعه بالحاكم .

( قوله وإن تحقق زناها ) كذا م ر .

( قوله وكان الفرق ) أي بين بطلان الخلع في الأولى دون الثانية .

( قوله وقضية قولهم إلخ ) يتأمل موقعه ( قوله إضمار المبطل ) إن أراد أن قصده أن تختلع مبطل لكنه أضمره فلم يؤثر فقضيته [ ص: 459 ] أنه لو صرح به أبطل مع أن الوجه أنه ليس كذلك فليتأمل ( قوله صحة ما أفتى به البلقيني إلخ ) كذا شرح م ر .

( قوله وإذا صح ) أي الإبراء .

( قوله : لأن من لازمه ) أي في هذه الصورة فلا يفيد جوابه الآتي ( قوله لما مر إلخ ) هذا لا يفيد ؛ لأنها ثم لم تأخذ شيئا وهنا ملكت نفسها في نظير البراءة فهي في معنى المتعوضة عن المهر ومن هنا يمكن الاستدلال على الملازمة ( قوله لم يرجع عليها بشيء ) أي فليس من لازم الطلاق الرجوع إليه .

( قوله إنما يوجد عقب الطلاق ) قد يقال الطلاق علة التشطير والمعلول يقارن علته .

( قوله : لأنه حكم رتبه إلخ ) فهو علته فيتقارنان ( قوله بأن البراءة إلخ ) قد يرد عليه أن البراءة وإن كانت في ضمنه لكن الطلاق يقارنها والتشطير إنما يوجد عقبه كما قال وعقبه لم يبق مهر حتى يتشطر فتأمله ( قوله فهل يقع بائنا ) كلامه على هذا كالصريح في أن العوض هو إبراء الزوج وأنه لا يقال يجب مهر المثل ولا مانع من ذلك بل قضيته صحة الإبراء ( قوله والأول أقرب ) [ ص: 460 ] اعتمده م ر ( قوله من باب عطف الأخص ) يرد عليه أن عطف الأخص شرطه الواو .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 45

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة