فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء السابع
( كتاب الوديعة ) هي لغة ما وضع عند غير مالكه لحفظه من ودع يدع إذا سكن ؛ لأنها ساكنة عند الوديع وقيل من الدعة أي الراحة ؛ لأنها تحت راحته ومراعاته وشرعا العقد المقتضي للاستحفاظ أو العين المستحفظة فهي حقيقة فيهما وتصح إرادتهما وإرادة كل منهما في الترجمة ثم عقدها في الحقيقة توكيل من جهة المودع وتوكل من جهة الوديع في حفظ مال أو اختصاص كنجس منتفع به فخرجت اللقطة والأمانة الشرعية كأن طير نحو ريح شيئا إليه أو إلى محله وعلم به والحاجة بل الضرورة داعية إليها وأركانها بمعنى الإيداع أربعة وديعة ومودع ووديع وصيغة [ ص: 99 ] وشرط الوديعة - كما علم مما - : تقرر كونها محترمة كنجس يقتنى وحبة بر بخلاف نحو كلب لا ينفع وآله اللهو ( من عجز عن حفظها حرم عليه قبولها ) أي أخذها ؛ لأنه يعرضها للتلف وإن وثق بأمانة نفسه ( ومن قدر ) على حفظها ( و ) هو أمين ولكنه ( لم يثق بأمانته ) فيها حالا أو مستقبلا بأن جوز وقوع الخيانة منه فيها مرجوحا أو على السواء .

ويؤخذ منه الكراهة بالأولى إذا شك في قدرته وإن وثق بأمانة نفسه ( كره له ) أخذها من مالكها الرشيد الجاهل بحاله حيث لم يتعين عليه قبولها وقيل يحرم وعليه كثيرون ويرد بأنه لا يلزم من مجرد الخشية الوقوع ولا ظنه ومن ثم لو غلب على ظنه وقوع الخيانة منه فيها حرم عليه قبولها قطعا كما هو ظاهر أما غير مالكها كوليه فيحرم عليه إيداع من لم يثق بأمانته وإن ظن عدم الخيانة ويحرم عليه قبولها منه وأما إذا علم المالك الرشيد بحال الأول أو الثاني فلا حرمة ولا كراهة في قبولها على ما بحثه ابن الرفعة وفيه نظر وإن أقره السبكي وغيره وسبقه إليه ابن يونس والذي يتجه في الأول الحرمة عليهما إن كان في ذلك إضاعة مال محرمة لما يأتي وبقاء كراهة القبول في غير ظن الخيانة وحرمته فيها أما على المالك فلأنه حامل له بالإعطاء على الخيانة المحرمة وأما على القابل [ ص: 100 ] فلتسببه إلى وقوع الخيانة الغالبة منه ثم رأيت الزركشي نظر فيه أيضا عند العجز ثم قال الوجه تحريمه عليهما لإضاعة المالك ماله أي إن غلب ظن حصولها حينئذ ولإعانة الوديع عليه وعلم المالك بعجزه لا يبيح له القبول ا هـ .

وأما إذا تعين عليه قبولها فلا كراهة ولا حرمة على ما بحثه ابن الرفعة أيضا وفي عمومه نظر والذي يتجه أن ذلك إنما يرفع كراهة القبول في غير الأولى دون الحرمة فيها ؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وحيث قبل مع الحرمة أثم ولم يضمن على ما بحثه السبكي ومن تبعه وفيه نظر وعليه قال الأذرعي الوجه تخصيصه بالمالك الجائز التصرف ففي نحو وديع له الإيداع وولي يضمن بمجرد القبض ( فإن وثق ) بأمانة نفسه وقدر على حفظها ( استحب ) له قبولها ؛ لأنه من التعاون المأمور به ومحله إن لم يخف المالك من ضياعها لو تركها عنده أي غلب على ظنه ذلك كما هو ظاهر وإلا لزمه قبولها حيث لم يخش منه ضررا يلحقه أخذا مما ذكروه في الأمر بالمعروف وإن تعين لكن لا مجانا بل بأجرة لعمله وحرزه ؛ لأن الأصح جواز أخذ الأجرة على الواجب العيني كإنقاذ غريق وتعليم نحو الفاتحة ، ولو تعدد الأمناء القادرون فالأوجه تعينها على كل من سأله منهم لئلا يؤدي التواكل إلى تلفها ويظهر فيما لو علموا حاجته إلى الإيداع لكنه لم يسأل أحدا منهم أنه لا وجوب هنا ؛ لأنه لا تواكل حينئذ وأنه يستحب لكل منهم أن يعرض له بقبوله الإيداع إن أراده وقد يشمل المتن هذه الصورة .

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

[ ص: 98 ] كتاب الوديعة )

( قوله عند غير مالكه لحفظه ) قد يرد عليه إيداع البائع الذي له حق حبس المبيع للمشتري إلا أن يمنع أن هذا إيداع لغة وقد يستبعد منع ذلك ( قوله وإرادة كل منهما ) يؤيده إرادة العين من عجز عن حفظها ( قوله كنجس منتفع به ) إن كان قيد الانتفاع به ؛ لأن غيره وديعة فاسدة فالقيد غير ضروري ؛ لأنه قد يقصد بالتعريف جميع الأفراد ولو فاسدة وإن كان ؛ لأنه لا يسمى وديعة مطلقا فقد يمنع ( قوله فخرجت اللقطة والأمانة الشرعية ) أي إذ لا يصدق عليهما الاستحفاظ أي طلب الحفظ من الغير ولا التوكيل والتوكل ( قوله بل الضرورة ) ينبغي أن يجعل انتقاليا لا إبطاليا إذ قد يكون الداعي إليها حاجة وقد يكون ضرورة كما هو ظاهر ( قوله بمعنى الإيداع ) [ ص: 99 ] هلا قال بمعنى العقد ( قوله وشرط الوديعة إلخ ) المتبادر إرادة شرط صحتها لا تسميتها مطلقا ( قوله أي أخذها ) كان وجه التفسير بذلك أن القبول لفظا لا يشترط كما سيأتي لكن سيأتي أيضا أنه يكفي اللفظ من جهة الوديع فهل يحرم أيضا ؛ لأنه وسيلة للأخذ الحرام أو ؛ لأنه تعاطي عقد فاسد ( قوله بحال الأول أو الثاني ) المراد بالأول قوله في المتن من عجز إلخ والثاني قوله فيه ومن قدر إلخ ( قوله على ما بحثه ابن الرفعة إلخ ) اعتمده م ر ( قوله إن كان في ذلك إضاعة مال محرمة ) هذا ينبغي أن لا يخالفه أحد ( قوله وحرمته فيها إلخ ) هذا غير قوله السابق ومن ثم إلخ ؛ لأن هذا مع علم المالك بخلاف ذاك ( قوله أما على المالك فلأنه حامل له بالإعطاء على الخيانة المحرمة ) فيه نظر ؛ لأن غاية الأمر حينئذ أن المالك ممكن غيره من تصرفه في ماله لنفسه أعني نفس ذلك الغير الذي هو الوديع أو دفعه لشخص آخر يتصرف فيه لنفسه والمالك لا يمتنع عليه ذلك ؛ لأنه تمكين من الانتفاع بماله ومجرد هذا التمكين ليس من الخيانة المحرمة ولا من إضاعة المال المحرمة ولا المكروهة حيث [ ص: 100 ] كان الانتفاع به على وجه مباح نعم إن علم أنه يضيعه تضييعا محرما اتجه تحريم التمكين له ( قوله فلتسببه إلى وقوع الخيانة الغالبة ) وظاهر أن هذا التسبب إنما يحرم حيث لم يظن رضا المالك إذا كانت الخيانة بتصرف مباح في نفسه .

( قوله الغالبة ) هذا إنما يصلح لقوله وحرمته فيها دون ما قبله ( قوله في غير الأولى ) كأن مراده بالأولى العجز عن حفظها ( قوله ولم يضمن على ما بحثه السبكي ) أي ؛ لأنه وضع يده بإذن المالك وينبغي أن محل عدم الضمان إذا لم تتلف بتعمد تفريطه أو إتلافه وإلا فينبغي الضمان ؛ لأن إذن المالك لا يتضمن التسليط عليها بذلك ( قوله لزمه قبولها إلخ ) هل يجب قبولها من الذمي كالمسلم الأشبه نعم وهل يلحق به المعاهد والمستأمن فيه نظر قوت ( قوله فالأوجه تعينها إلخ ) أي كما بحثه الأذرعي والزركشي وقد يقال يبعد ذلك نقلا [ ص: 101 ] أنه لو كان كذلك ما شرطوا للوجوب عدم غيره بل كان المناسب اشتراطهم سؤاله فقط فتأمله


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 16

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة