شروح الحديث

شرح النووي على مسلم

يحيي بن شرف أبو زكريا النووي

دار الخير

سنة النشر: 1416هـ / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

الكتب » صحيح مسلم » كتاب الطهارة

باب فضل الوضوءباب وجوب الطهارة للصلاة
باب صفة الوضوء وكمالهباب فضل الوضوء والصلاة عقبه
باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائرباب الذكر المستحب عقب الوضوء
باب في وضوء النبي صلى الله عليه وسلمباب الإيتار في الاستنثار والاستجمار
باب وجوب غسل الرجلين بكمالهماباب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة
باب خروج الخطايا مع ماء الوضوءباب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء
باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوءباب فضل إسباغ الوضوء على المكاره
باب السواكباب خصال الفطرة
باب الاستطابةباب النهي عن الاستنجاء باليمين
باب التيمن في الطهور وغيرهباب النهي عن التخلي في الطرق والظلال
باب الاستنجاء بالماء من التبرزباب المسح على الخفين
باب المسح على الناصية والعمامةباب التوقيت في المسح على الخفين
باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحدباب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا
باب حكم ولوغ الكلبباب النهي عن البول في الماء الراكد
باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكدباب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها
باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسلهباب حكم المني
باب نجاسة الدم وكيفية غسلهباب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه
مسألة:
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارة باب فضل الوضوء

223 حدثنا إسحق بن منصور حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها
الحاشية رقم: 1
قال مسلم - رحمه الله - : ( حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري ) هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطني وغيره فقالوا : سقط فيه رجل بين أبي سلام وأبي مالك ، والساقط عبد الرحمن بن غنم ، قالوا : والدليل على سقوطه : أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري ، وهكذا أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما ، ويمكن أن يجاب لمسلم عن [ ص: 456 ] هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك ، وسمعه أيضا من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك ; فرواه مرة عنه ومرة عن عبد الرحمن ، وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه . والله أعلم .

وأما ( حبان بن هلال ) فبفتح الحاء وبالباء الموحدة . وأما ( أبان ) فقد تقدم ذكره في أول الكتاب ، وأنه يجوز صرفه وترك صرفه ، وأن المختار صرفه . وأما أبو سلام فاسمه ( ممطور ) الأعرج الحبشي الدمشقي ، نسب إلى حي من حمير من اليمن لا إلى الحبشة . وأما ( أبو مالك ) فاختلف في اسمه فقيل : الحارث ، وقيل : عبيد ، وقيل : كعب بن عاصم ، وقيل : عمرو ، وهو معدود في الشاميين .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام ، قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام ، فأما ( الطهور ) فالمراد به الفعل فهو مضموم الطاء على المختار وقول الأكثرين ، ويجوز فتحها كما تقدم ، وأصل الشطر النصف ، واختلف في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : الطهور شطر الإيمان ، فقيل : معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان ، وقيل : معناه أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا ، وكذلك الوضوء ; لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر ، وقيل المراد بالإيمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا ، وهذا القول أقرب الأقوال ، ويحتمل أن يكون معناه : أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر ، وهما شطران للإيمان ، والطهارة متضمنة الصلاة ، فهي انقياد في الظاهر . والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والحمد لله تملأ الميزان ) فمعناه : عظم أجرها ، وأنه يملأ الميزان ، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ) ، فضبطناه بالتاء المثناة من فوق في تملآن وتملأ ، وهو صحيح ، فالأول ضمير مؤنثتين غائبتين ، والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام ، وقال صاحب التحرير : يجوز ( تملآن ) بالتأنيث والتذكير جميعا ، فالتأنيث على ما ذكرناه ، والتذكير على إرادة النوعين من الكلام أو الذكرين ، قال : وأما تملأ فمذكر على إرادة الذكر ، [ ص: 457 ] وأما معناه فيحتمل أن يقال : لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماوات والأرض ، وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله : ( سبحان الله ) ، والتفويض والافتقار إلى الله تعالى بقوله : ( الحمد لله ) والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والصلاة نور ) ، فمعناه : أنها تمنع من المعاصي ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتهدي إلى الصواب ، كما أن النور يستضاء به . وقيل : معناه أنه يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة ، وقيل : لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف ، وانشراح القلب ، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها ، وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه ، وقد قال الله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وقيل : معناه أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة ، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل . والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والصدقة برهان ) ، فقال صاحب التحرير : معناه : يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين ، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال ، فيقول : تصدقت به ، قال : ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها فيكون برهانا له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله . وقال غير صاحب التحرير : معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها ، فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه . والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والصبر ضياء ) ، فمعناه الصبر المحبوب في الشرع ، وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته ، والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا ، والمراد أن الصبر محمود ، ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب ، قال إبراهيم الخواص : الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة . وقال ابن عطاء : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب . وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه الله - تعالى - : حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور ، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في أيوب عليه السلام : إنا وجدناه صابرا نعم العبد مع أنه قال : إني مسني الضر والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والقرآن حجة لك أو عليك ) ، فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به ، وإلا فهو حجة عليك .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) ، فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أي يهلكها . والله أعلم .

[ ص: 458 ] باب وجوب الطهارة للصلاة

في إسناده ( أبو كامل الجحدري ) بفتح الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الدال ، واسمه : الفضيل بن حسين ، منسوب إلى جد له ، اسمه جحدر وتقدم بيانه مرات . وفيه ( أبو عوانة ) واسمه : الوضاح بن عبد الله :

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول ) هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة ، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة ، قال القاضي عياض : واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة ، فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم ، قال الجمهور : بل كان قبل ذلك فرضا ، قال : واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة ؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة الآية ، وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ ، وقيل : الأمر به لكل صلاة على الندب ، وقيل : بل لم يشرع إلا لمن أحدث . ولكن تجديده لكل صلاة مستحب ، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ، ولم يبق بينهم فيه خلاف ، ومعنى الآية عندهم إذا كنتم محدثين . هذا كلام القاضي - رحمه الله - تعالى . واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه : أحدها أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا ، والثاني : لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة ، والثالث : يجب بالأمرين وهو الراجح عند أصحابنا ، وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة ، وهذا مذهب باطل وأجمع العلماء على خلافه ، ولو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجماهير ، وحكي عن أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى أنه يكفر لتلاعبه . ودليلنا أن الكفر للاعتقاد وهذا المصلي اعتقاده صحيح ، وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثا عذر . أما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ترابا ففيه أربعة أقوال للشافعي - رحمه الله - تعالى وهي مذاهب للعلماء قال بكل واحد منها قائلون أصحها عند أصحابنا : يجب عليه أن يصلي على حاله ، ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة ، والثاني : يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء ، والثالث يستحب أن يصلي ويجب القضاء ، والرابع : يجب أن يصلي ولا يجب القضاء ، وهذا القول اختيار المزني وهو أقوى الأقوال [ ص: 459 ] دليلا ، فأما وجوب الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم - : وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم ، وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مجدد والأصل عدمه . وكذا يقول المزني : كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها . والله أعلم .

السابق

|

| من 112

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة