تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

مسألة:
[ ص: 127 ] ( سورة الكافرون ) .

ست آيات ، مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

قل يا أيها الكافرون اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروي أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن ، والله أعلم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

( قل ياأيها الكافرون ) .

اعلم أن قوله تعالى : ( قل ) فيه فوائد :

أحدها : أنه عليه السلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ، ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) ، ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) ، ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل : 125 ] ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بـ " ياأيها الكافرون " فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق ؟ فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي ، فكان المراد من قوله ( قل ) تقرير هذا المعنى .

وثانيها : أنه لما قيل له : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] وهو كان يحب أقرباءه لقوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ ص: 128 ] [ الشورى : 23 ] فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : ( قل ) .

وثالثها : أنه لما قيل له : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) [ المائدة : 67 ] فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى : ( قل ياأيها الكافرون ) نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : ( قل ياأيها الكافرون ) فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا .

ورابعها : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] والعبد يتحمل من مولاه ما لا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : ( ياأيها الكافرون ) لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : ( قل ) علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السماوات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به .

وخامسها : أن قوله : ( قل ) يوجب كونه رسولا من عند الله ، فلما قيل له : ( قل ) كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا .

وسادسها : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إلهي فيه ، فقال : ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

وسابعها : الكفار قالوا فيه السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال : ( إن شانئك هو الأبتر ) [ الكوثر : 3 ] وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب : ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

وثامنها : أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه : ( قل ياأيها الكافرون ) لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم .

وتاسعها : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه ، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك : إني لا أعبد هذه الأصنام ، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال : قل ، سقط هذا الاعتراض لأن قوله : ( قل ) يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها .

وعاشرها : أنه لو أنزل قوله : ( ياأيها الكافرون ) لكان يقرؤها عليهم لا محالة ؛ لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال : ( قل ) كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم ، فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش .

الحادي عشر : كأنه تعالى يقول : كانت التقية جائزة عند الخوف ، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا : ( إنا أعطيناك الكوثر ) [ الكوثر : 1 ] وبقولنا : ( إن شانئك هو الأبتر ) فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

الثاني عشر : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار أنه تعالى لا يكلمهم ، فلو قال : ( ياأيها الكافرون ) لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم ، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام ، أما لما قال : ( قل ياأيها الكافرون ) فحينئذ يرجع تشريف [ ص: 129 ] المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار ، فيحصل فيه تعظيم الأولياء ، وإهانة الأعداء ، وذلك هو النهاية في الحسن .

الثالث عشر : أن محمدا عليه السلام كان منهم ، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم ، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب ، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده ، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ، ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ؛ ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه ، فقال تعالى : ( قل ) يا محمد لهم : ( أيها الكافرون ) ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة ، فربما يصير ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها .

الرابع عشر : أن الإيذاء والإيحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم ، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم : ( ياأيها الكافرون ) فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم ، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر .

الخامس عشر : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [ العصر : 3 ] وفي سورة الكوثر : ( إنا أعطيناك الكوثر ) وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات ، بمقتضى قولنا : ( فصل لربك وانحر ) [ الكوثر : 2 ] بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله ، فقل : ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

السادس عشر : كأنه تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة ، قال الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه ، فشق عليك ذلك غاية المشقة ، حتى أنزلت عليك السورة ، وأقسمت ب ( الضحى والليل إذا سجى ) [ الضحى : 2 ] أنه : ( ما ودعك ربك وما قلى ) [ الضحى : 3 ] فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه : ( ما ودعك ربك وما قلى ) أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم ، فلما ناديت بنفي تلك التهمة ، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) .

السابق

|

| من 6

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة