فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الخامس
( كتاب العارية ) بتشديد الياء وقد تخفف اسم لما يعار وللعقد المتضمن لإباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه ليرده من عار ذهب وجاء بسرعة أو من التعاور أي التناوب لا من العار لأنه يائي وهي واوية وأصلها قبل الإجماع { ويمنعون الماعون } قال جمهور المفسرين هو ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض { واستعارته صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة فركبه } متفق عليه { وأدرعا من صفوان بن أمية يوم حنين ، فقال أغصب يا محمد ، فقال لا بل عارية مضمونة } رواه أبو داود والنسائي وهي سننه قال الروياني وغيره وكانت واجبة أول الإسلام [ ص: 410 ] للآية وقد تجب كإعارة نحو ثوب لدفع مؤذ كحر ومصحف أو ثوب توقفت صحة الصلاة عليه أي حيث لا أجرة له لقلة الزمن وإلا لم يلزمه بذله بلا أجرة فيما يظهر ، ثم رأيت الأذرعي ذكره حيث قال والظاهر من حيث الفقه وجوب إعارة كل ما فيه إحياء مهجة محترمة لا أجرة لمثله ، وكذا إعارة سكين لذبح مأكول يخشى موته وكإعارة ما كتب صاحب كتاب الحديث بنفسه أو مأذونه فيه سماع غيره أو روايته لينسخه منه كما صوبه المصنف وغيره .

وتحرم كما يأتي مع بيان أنها فاسدة وتكره كإعارة مسلم لكافر كما يأتي وأركانها أربعة معير ومستعير ومعار وصيغة ( شرط المعير ) [ ص: 411 ] الاختيار كما يعلم مما يأتي في الطلاق فلا تصح إعارة مكره أي بغير حق وإلا كالإكراه عليها حيث وجبت صحت فيما يظهر و ( صحة تبرعه ) بأن يكون رشيدا لأنها تبرع بالمنافع فلا تصح إعارة محجور إلا السفيه لبدن نفسه إذا لم يقصد عمله لاستغنائه عنه بماله على أنه في الحقيقة لا استثناء لأن بدنه في يده فلا عارية وإلا المفلس لعين زمنا لا يقابل بأجرة ولا مكاتب بغير إذن سيده إلا في نظير ما ذكر في المفلس فيما يظهر .

ويشترط ذلك في المستعير أيضا فلا تصح استعارة محجور ، ولو سفيها ولا استعارة وليه له إلا لضرورة كبرد مهلك فيما يظهر أو حيث لا ضمان كأن استعار له من نحو مستأجر ويشترط تعيينه فلو فرش بساطه لمن يجلس عليه ، ولو بالقرينة كما على دكاكين البزازين بالنسبة لمريد الشراء منهم لم يكن عارية بل مجرد إباحة ، ولو أرسل صبيا ليستعير له شيئا لم يصح فلو تلف في يده أو أتلفه لم يضمنه هو ولا مرسله كذا في الجواهر ونظر غيره في قوله أو أتلفه والنظر واضح إذا الإعارة ممن علم أنه رسول لا تقتضي تسليطه على الإتلاف فليحمل ذلك على ما إذا لم يعلم أنه رسول ( وملكه المنفعة ) وأن يملك الرقبة لأن الإعارة إنما ترد على المنفعة .

وأخذ الأذرعي منه امتناع إعارة صوفي وفقيه سكنهما في رباط ومدرسة لأنهما يملكان الانتفاع لا المنفعة وكان مراده أن ذلك لا يسمى عارية حقيقة فإن أراد حرمته [ ص: 412 ] فممنوع حيث لا نص من الواقف أو عادة مطردة في زمنه تمنع ذلك وكملكه لها اختصاصه بها لما سيذكره في الأضحية أن له إعارة هدي أو الأضحية نذره مع خروجه عن ملكه ومثله إعارة كلب للصيد وإعارة الأب لابنه الصغير ، وكذا المجنون والسفيه كما بحثه الزركشي زمنا لا يقابل بأجرة ولا يضر به لأن له استخدامه في ذلك وأطلق الروياني حل إعارته لخدمة من يتعلم منه لقصة أنس في الصحيح وظاهر أن تسمية مثل هذه المذكورات عارية فيه نوع تجوز .

قال الإسنوي وإعارة الإمام مال بيت المال لأنه إذا جاز له التمليك فالإعارة أولى ورد بأنه إن أعاره لمن له حق في بيت المال فهو إيصال حق لمستحقه فلا يسمى عارية أو لمن لا حق له فيه لم يجز لأن الإمام فيه كالولي في مال وليه وهو لا يجوز له إعارة شيء منه مطلقا ، ومن ثم كان المعتمد أنه لا يصح بيعه لقن بيت المال من نفسه لأنه عقد عتاقة وهو ليس من أهل العتق ولو بعوض كالكتابة لأنه بيع لبعض بيت المال ببعض آخر لملكه إكسابه لولا البيع ولأنه يمتنع عليه تسليم ما باعه قبل قبض ثمنه وهذا مثله لأن القن قبل العتق لا ملك له وبعده قد يحصل ، وقد لا فلا مصلحة في ذلك لبيت المال أصلا ومن هذا أخذ جمع متأخرون أن أوقاف الأتراك لا تجب مراعاة [ ص: 413 ] شروطهم فيها لبقائها على ملك بيت المال لأنهم أرقاء له فمن له فيه حق حلت له على أي وجه وصلت إليه ومن لا لم تحل له مطلقا .

( فيعير مستأجر ) إجارة صحيحة كما يعلم مما يأتي وموصى له بالمنفعة إلا مدة حياته على تناقض فيه وموقوف عليه على ما مر إن لم يشرط الواقف استيفاءه بنفسه أي بإذن الناظر إن كان غيره وعليه يحمل تقييد ابن الرفعة جواز إعارة الموقوف عليه بما إذا كان ناظرا أي وإلا احتاج إلى إذن الناظر إذا من الواضح أن مراده أن لا يصدر ذلك إلا عن رأيه ليشمل كونه مستحقا وآذنا للمستحق وذلك لملكهم المنفعة ( لا مستعير ) بغير إذن المال ( على الصحيح ) لأنه لا يملكها وإنما يملك أن ينتفع ومن لم يؤجر ولا تبطل عاريته إلا بإذن المالك له فيها ولا يبرأ من ضمانها إلا إن عين له الثاني .

( وله أن يستنيب من يستوفي المنفعة له ) كأن يركب دابة استعارها للركوب [ ص: 414 ] من هو مثله أو دونه لحاجته قال في المطلب ، وكذا زوجته وخادمه لأن الانتفاع راجع إليه أيضا ومنه يؤخذ أنه لا يركبهما إلا في أمر تعود منفعته عليه وحينئذ يكون مما شمله قولهم لحاجته فلا يحتاج إليه لا يقال فائدته أن له إركابهما ، وإن كانا أثقل منه فلا يشمله ما قبله لأنا نقول ممنوع لأن رعاية كون نائبه مثله أو دونه لا بد منها مطلقا كما يعلم مما يأتي في المتن والذي يتجه أنه إذا استعار لإركاب زوجته فلانة جاز له إركاب ضرتها التي مثلها أو دونها ما لم تقم قرينة على التخصيص ككون المسماة محرم المعبر ( و ) .

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

( كتاب العارية ) . ( قوله وللعقد المتضمن لإباحة الانتفاع ) فهي إباحة المنافع ، وقال الماوردي هبة المنافع فلو رد المستعير ردت على هذا دون الأول فيجوز الانتفاع بعد الرد قال الشارح في شرح الإرشاد كذا قيل وصريح ما يأتي عند قول المصنف ما لم ينه أنها ترتد بالرد وهو ظاهر فإن قلت مر في الوكالة أن الإباحة لا ترتد بالرد قلت ذاك في الإباحة المحضة وهذه ليست كذلك ا هـ وكأنه أراد بقوله وصريح ما يأتي إلخ ما ذكره وفيما لو فعل ما منع منه من نحو الزرع من أن عليه أجرة المثل لا ما زاد على المسمى من أجرة المثل لأنه بعدوله عن المستحق له كالراد لما أبيح له ا هـ ويمكن أن يجاب بأنه لا دلالة في ذلك لمطلق الرد إذ هنا تفويت للمأذون فيه بفعل غيره ومجرد الرد ليس فيه ذلك .

( قوله لا من العار ) لا يقال يرده استعارته صلى الله عليه وسلم لأنا نقول قد تكون استعارته لبيان الجواز لئلا يتوهم المنع منها مع وجود العار فيها واستعارته لبيان الجواز لا عار فيها عليه وأيضا فهو عليه السلام { أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأولى بأموالهم فبالكفار أولى فلا عار في تصرفه في شيء من أموال الخلق لأن الجميع له ولا ينافيه نحو قوله بل عارية مضمونة لأنه من باب التفضل فليتأمل وقوله لأنه أي [ ص: 410 ] العار يائي قد يجاب عنه بأنه قد يؤخذ أحدهما من الآخر كما قيل إن البيع من الباع . ( قوله : وقد تجب إلخ ) لم يذكروا أنها قد تباح . ( قوله ومصحف ) على ما جزم به العباب تبعا للكفاية كذا شرح م ر و فيه نظر وقوله أو ثوب توقفت صحة الصلاة عليه في شرح م ر على ما سيأتي ا هـ وفي شرح الروض في باب صفة الصلاة قال في الكفاية ، ولو لم يكن بالبلد إلا مصحف واحد ولم يمكن التعليم إلا منه لم يلزم مالكه إعارته ، وكذا لو لم يكن إلا معلم واحد لم يلزمه التعليم أي بلا أجرة على ظاهر المذهب كما لو احتاج إلى السترة أو الوضوء ومع غيره ثوب أو ماء فينتقل إلى البدل ا هـ .

وفي العباب في صفة الصلاة ولا تجب إعارته أي المصحف ، وإن تعين فإن غاب مالكه فيحتمل لزوم أخذه وأنه كالعارية ويحتمل أن لا يضمنه أ هـ هذا ولا يخفى أن مقتضى وجوب الإعارة في الثوب المذكور امتناع الرجوع بعد الإحرام وسيأتي في أول الفصل الآتي من الشرح والحاشية ما يتحصل منه تفصيل في الرجوع بعد الإحرام فيحمل ما هنا على ما يمتنع فيه الرجوع مما سيأتي لا ما يجوز فيه أيضا إذا لا ينتظم مع وجوب الإعادة للصلاة جواز الرجوع بعد الإحرام بها بل ولا قبله فليتأمل فيحمل الوجوب هنا على ما إذا طلب الثوب لصلاة الفرض فليتأمل .

( قوله : وكذا إعارة سكين إلخ ) لا ينافي وجوب الإعارة هنا أن المالك لا يجب عليه ذبحه ، وإن كان في ذلك إضاعة مال لأنها بالترك هنا وهو غير ممتنع لأن عدم الوجوب عليه لا ينافي وجوب استعارته إذا أراد حفظ ماله كما يجب الاستيداع إذا تعين للحفظ ، وإن جاز للمالك الإعراض عنه إلى التلف وهذا ظاهر ، وإن توهم بعض الطلبة المنافاة . ( قوله وتحرم ثم قوله وتكره ) كل منهما معطوف على تجب [ ص: 411 ] ش . ( قوله لأن بدنه في يده إلخ ) قد يرد عليه ما إذا قصد عمله . ( قوله وإلا المفلس إلخ ) قد يناقش هنا بأن قوله وإلا المفلس يقتضي أنه أراد بالمحجور ما يعمه وحينئذ يشكل التفريع في قوله فلا يصح إعارة محجور لأن عدم الصحة من مطلق المحجور لا يتفرع على اعتبار الرشد لأن المحجور بفلس رشيد فليتأمل ( قوله فلا تصح استعارة محجور ، ولو سفيها ) أي كما يكون صبيا أو مجنونا وقد يشمل المفلس والوجه خلافه .

( قوله بل مجرد إباحة ) اعتمده م ر . ( قوله فليحمل ذلك على ما إذا لم يعلم أنه رسول ) أقول فيه أيضا نظر لأن الإعارة لا تقتضي تسليط المستعير على الإتلاف غاية الأمر أنها تقتضي المسامحة بالتلف بواسطة الاستعمال المأذون فيه فليتأمل . ( قوله امتناع صوفي إلخ ) كلام شرح الروض مصرح بالجواز ( قوله فإن أراد حرمته [ ص: 412 ] فممنوع إلخ ) وافق على المنع م ر وهل يتوقف هذا على إذن الناظر ، ثم رأيت كلام الشارح الآتي الصريح في الرجوع لهذه مع منازعتنا له ، وقد يقال إذا توقف إعارة الموقوف عليه على إذن الناظر فغير الموقوف عليه المنزل في الموقوف أولى فليتأمل . ( قوله هدي أو أضحية نذره ) لو تلف ضمنه المستعير والمعير وليس لنا معير يضمن إلا في هذه الصورة م ر .

( قوله فيه نوع تجوز ) كأنه لعدم ملك المعير المنفعة . ( قوله : ومن ثم كان المعتمد إلخ ) أفتى به شيخنا الشهاب الرملي . ( قوله ومن هذا أخذ جمع متأخرون وإن أوقاف الأتراك إلخ ) والأوجه [ ص: 413 ] اتباع شروطهم حيث لم يعلم رقهم وفعلوا ذلك على وجه اقتضته المصلحة في نظرهم ولم يتبين خطؤهم في ذلك لإخراجهم ذلك على وجه مخصوص ولا يلزم من تشبيه الإمام بالولي إعطاؤه أحكامه من سائر أوجهه وقياس ذلك على امتناع إعتاق العبد من نفسه ممنوع شرح م ر . ( قوله إلا مدة حياته ) هذا مسلم إن دلت قرينة على مباشرة الانتفاع بنفسه كأن أوصى أن ينتفع به مدة حياته وإلا فله الإعارة ، وإن قيد بمدة حياته م ر . ( قوله على ما مر ) انظر في أي محل مر فإن أراد ما تقدم عن الأذرعي ورد عليه أن كلام الأذرعي ليس في الموقوف عليه كيف وقد صرحوا بأن منافع الوقف ملك للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وبإجارة وإنما كلامه فيمن نزل في مكان مسبل . ( قوله إلا عن رأيه ) أي الناظر ش . ( قوله إلا إن عين له الثاني ) ظاهره [ ص: 414 ] البطلان بمجرد الإذن والمتجه توقفه على الإعارة ويجاب بمنع أن ظاهره ذلك فتأمله ( قوله ممن هو مثله أو دونه ) ما لم يكن عدوا للمعير فيما يظهر م ر ( قوله وحينئذ يكون مما شمله قولهم لحاجته فلا يحتاج إليه إلخ ) قد يجاب بأن المتبادر من قولهم المذكور اعتبار حاجة له فائدتها له وكلام المطلب يفيد اعتبار حاجة نحو الزوجة التي فائدتها لها ، وإن كان عليه القيام لها بها وفرق كبير بينهما .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 8

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة