تفسير القرآن

تفسير الطبري

محمد بن جرير الطبري

دار المعارف

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الرابع والعشرون
[ ص: 274 ] [ ص: 275 ] [ ص: 276 ] [ ص: 277 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( ويل للمطففين ( 1 ) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ( 2 ) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( 3 ) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ( 4 ) ليوم عظيم ( 5 ) يوم يقوم الناس لرب العالمين ( 6 ) ) .

يقول تعالى ذكره : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم في أسفلها للذين يطففون ، يعني : للذين ينقصون الناس ، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم ، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء ، وأصل ذلك من الشيء الطفيف ، وهو القليل النزر ، والمطفف : المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن; ومنه قيل للقوم الذي يكونون سواء في حسبة أو عدد : هم سواء كطف الصاع ، يعني بذلك : كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن ضرار ، عن عبد الله ، قال : قال له رجل : يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل ، قال : وما يمنعهم من أن يوفوا الكيل ، وقد قال الله : ( ويل للمطففين ) حتى بلغ : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله : ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل " . [ ص: 278 ]

حدثني محمد بن خالد بن خداش ، قال : ثنا سلم بن قتيبة ، عن قسام الصيرفي ، عن عكرمة قال : أشهد أن كل كيال ووزان في النار ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه ليس منهم أحد يزن كما يتزن ولا يكيل كما يكتال ، وقد قال الله : ( ويل للمطففين ) .

وقوله : ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ) يقول تعالى ذكره : الذين إذا اكتالوا من الناس ما لهم قبلهم من حق ، يستوفون لأنفسهم فيكتالونه منهم وافيا ، و " على " و " من " في هذا الموضع يتعاقبان غير أنه إذا قيل : اكتلت منك ، يراد : استوفيت منك .

وقوله : ( وإذا كالوهم أو وزنوهم ) يقول : وإذا هم كالوا للناس أو وزنوا لهم . ومن لغة أهل الحجاز أن يقولوا : وزنتك حقك ، وكلتك طعامك ، بمعنى : وزنت لك وكلت لك . ومن وجه الكلام إلى هذا المعنى جعل الوقف على " هم " ، وجعل " هم " في موضع نصب . وكان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ، ويقف على كالوا ، وعلى وزنوا ، ثم يبتدئ هم يخسرون . فمن وجه الكلام إلى هذا المعنى جعل " هم " في موضع رفع ، وجعل كالوا ووزنوا مكتفيين بأنفسهما .

والصواب في ذلك عندي الوقف على " هم " ، لأن كالوا ووزنوا لو كانا مكتفيين ، وكانت هم كلاما مستأنفا ، كانت كتابة كالوا ووزنوا بألف فاصلة بينها وبين هم مع كل واحد منهما ، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك إذا لم يكن متصلا به شيء من كنايات المفعول ، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله : ( هم ) إنما هو كناية أسماء المفعول بهم . فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا على ما بينا .

وقوله : ( يخسرون ) يقول : ينقصونهم . وقوله : ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ) يقول تعالى ذكره : ألا يظن هؤلاء المطففون الناس في مكاييلهم وموازينهم أنهم مبعوثون من قبورهم بعد مماتهم ليوم عظيم شأنه : هائل أمره ، فظيع هوله .

وقوله : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) فيوم يقوم تفسير عن اليوم الأول المخفوض ، ولكنه لما لم يعد عليه اللام رد إلى " مبعوثون " ، فكأنه قال : ألا يظن أولئك [ ص: 279 ] أنهم مبعوثون يوم يقوم الناس وقد يجوز نصبه وهو بمعنى الخفض ، لأنها إضافة غير محضة ، ولو خفض ردا على اليوم الأول لم يكن لحنا ، ولو رفع جاز ، كما قال الشاعر :


وكنت كذي رجلين : رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت



وذكر أن الناس يقومون لرب العالمين يوم القيامة حتى يلجمهم العرق ، فبعض يقول : مقدار ثلثمائة عام ، وبعض يقول : مقدار أربعين عاما .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي بن سعيد الكندي ، قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " .

حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا ابن عون ، عن نافع ، قال : قال ابن عمر : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الناس يوقفون يوم القيامة لعظمة الله ، حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم " .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) يوم القيامة لعظمة الرحمن " ، ثم ذكر مثله . [ ص: 280 ]

حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع عن ابن عمر قال : " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أنصاف آذانهم " .

حدثنا أحمد بن محمد بن حبيب ، قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا أبي ، عن صالح ، قال : ثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) يوم القيامة ، حتى يغيب أحدهم إلى أنصاف أذنيه في رشحه " .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة بن سعيد ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، في قوله : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يقومون مئة سنة .

حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) يوم القيامة ، حتى إن العرق ليلجم الرجل إلى أنصاف أذنيه " .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

حدثنا ابن المثنى وابن وكيع ، قالا ثنا يحيى ، عن عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقوم الناس لرب العالمين حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " .

حدثني محمد بن إبراهيم السليمي المعروف بابن صدران ، قال : ثنا يعقوب بن إسحاق قال : ثنا عبد السلام بن عجلان ، قال : ثنا يزيد المدني ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري : " كيف أنت صانع في : يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلثمائة سنة من أيام الدنيا ، لا يأتيهم خبر من السماء ، ولا يؤمر فيهم بأمر " ، قال بشير : المستعان الله يا رسول الله ، قال : " إذا أنت أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة ، وسوء الحساب " . [ ص: 281 ]

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا شريك ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يمكثون أربعين عاما رافعي رءوسهم إلى السماء ، لا يكلمهم أحد ، قد ألجم العرق كل بر وفاجر ، قال : فينادي مناد : أليس عدلا من ربكم أن خلقكم ثم صوركم ، ثم رزقكم ، ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى في الدنيا ؟ قالوا : بلى ، ثم ذكر الحديث بطوله .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن سكن ، قال : حدث عبد الله ، وهو عند عمر ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي رب العالمين أربعين عاما ، شاخصة أبصارهم إلى السماء حفاة عراة يلجمهم العرق ، ولا يكلمهم بشر أربعين عاما ، ثم ذكر نحوه .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : ذكر لنا أن كعبا كان يقول : يقومون ثلثمائة سنة .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران وسعيد ، عن قتادة ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : كان كعب يقول : يقومون مقدار ثلثمائة سنة .

قال : قتادة : وحدثنا العلاء بن زياد العدوي ، قال : بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كإحدى صلاته المكتوبة .

قال : ثنا مهران ، قال : ثنا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال : يقوم الرجل في رشحه إلى أنصاف أذنيه " .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : " ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه .

قال يعقوب ، قال إسماعيل : قلت لابن عون : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال : " نعم إن شاء الله " .

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، قال : ثني عمي ، قال : أخبرني مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقوم الناس لرب العالمين ، حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه إلى نصف أذنيه " .

السابق

|

| من 9

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة