تفسير القرآن

تفسير الطبري

محمد بن جرير الطبري

دار المعارف

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثالث والعشرون
[ ص: 644 ] [ ص: 645 ] [ ص: 646 ] [ ص: 647 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا ( 1 ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( 2 ) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ( 3 ) )

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد أوحى الله إلي ( أنه استمع نفر من الجن ) هذا القرآن ( فقالوا ) لقومهم لما سمعوه : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) يقول : يدل على الحق وسبيل الصواب ( فآمنا به ) يقول : فصدقناه ( ولن نشرك بربنا أحدا ) من خلقه .

وكان سبب استماع هؤلاء النفر من الجن القرآن ، كما حدثني محمد بن معمر ، قال : ثنا أبو هشام ، يعني المخزومي ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم; انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، قال : وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، فقالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء [ ص: 648 ] إلا شيء حدث .

قال : فانطلقوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حدث ، قال : فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، يتتبعون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء; قال : فانطلق النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة ، وهو عامد إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر; قال : فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، قال : فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا (
إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) قال : فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) وإنما أوحي إليه قول الجن .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن ورقاء ، قال : قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا ، فذلك قوله : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ) قال : كانوا تسعة فيهم زوبعة .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) هو قول الله ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) لم تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد; فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا ، ورميت الشياطين بالشهب ، فقال إبليس : لقد حدث في الأرض حدث ، فأمر الجن فتفرقت في الأرض لتأتيه بخبر ما حدث . وكان أول من بعث نفر من أهل نصيبين ، وهي أرض باليمن ، وهم أشراف الجن وسادتهم ، فبعثهم إلى تهامة وما يلي اليمن ، فمضى أولئك النفر ، فأتوا على الوادي وادي نخلة ، وهو من الوادي مسيرة ليلتين ، فوجدوا به نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ، فسمعوه يتلو القرآن; فلما حضروه ، قالوا : أنصتوا ، فلما قضي ، يعني فرغ من الصلاة ، ولوا إلى قومهم منذرين ، يعني مؤمنين ، لم يعلم بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يشعر أنه صرف إليه ، حتى أنزل الله عليه : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) .

وقوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، وآمنا بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه وقدرته .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) يقول : فعله وأمره وقدرته .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) يقول : تعالى أمر ربنا . [ ص: 649 ]

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة في هذه الآية : ( تعالى جد ربنا ) قال : أمر ربنا .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن السدي : ( تعالى جد ربنا ) قال : أمر ربنا .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) قال : تعالى أمره أن يتخذ - ولا يكون الذي قالوا - صاحبة ولا ولدا ، وقرأ : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) قال : لا يكون ذلك منه .

وقال آخرون : عني بذلك جلال ربنا وذكره .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : قال عكرمة ، في قوله : ( جد ربنا ) قال : جلال ربنا .

حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثني خالد بن يزيد ، قال : ثنا أبو إسرائيل ، عن فضيل ، عن مجاهد ، في قوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) قال : جلال ربنا .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان ، عن سليمان التيمي قال : قال عكرمة : ( تعالى جد ربنا ) جلال ربنا .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) : أي تعالى جلاله وعظمته وأمره .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( تعالى جد ربنا ) قال : تعالى أمر ربنا : تعالت عظمته .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : تعالى غنى ربنا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : قال الحسن ، في قوله : ( تعالى جد ربنا ) قال : غنى ربنا .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن الحسن ( تعالى جد ربنا ) قال : غنى ربنا . [ ص: 650 ]

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( تعالى جد ربنا ) قال : غنى ربنا .

حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا هشيم ، عن سليمان التيمي ، عن الحسن وعكرمة ، في قول الله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) قال أحدهما : غناه ، وقال الآخر : عظمته .

وقال آخرون : عني بذلك الجد الذي هو أب الأب ، قالوا : ذلك كان من كلام جهلة الجن .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أبو السائب ، قال : ثني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن أبي سارة ، عن أبيه ، عن أبي جعفر : ( تعالى جد ربنا ) قال : كان كلاما من جهلة الجن .

وقال آخرون : عني بذلك ذكره .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( تعالى جد ربنا ) قال : ذكره .

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : عني بذلك : تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجد في كلام العرب معنيين أحدهما : الجد الذي هو أبو الأب ، أو أبو الأم ، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة ، وذلك أنهم قد قالوا : ( فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) ومن وصف الله بأن له ولدا أو جدا أو هو أبو أب أو أبو أم ، فلا شك أنه من المشركين .

والمعنى الآخر : الجد الذي بمعنى الحظ; يقال : فلان ذو جد في هذا الأمر : إذا كان له حظ فيه ، وهو الذي يقال له بالفارسية : البخت ، وهذا المعنى قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم : ( وأنه تعالى جد ربنا ) إن شاء الله .

وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية ، فلا يكون له صاحبة ولا ولد; لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها ، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد ، فقال النفر من الجن : علا ملك [ ص: 651 ] ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو وقاع شيء يكون منه ولد .

وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) يقال منه : رجل جدي وجديد ومجدود ، أي ذو حظ فيما هو فيه ، ومنه قول حاتم الطائي :


اغزوا بني ثعل فالغزو جدكم عدوا الروابي ولا تبكوا لمن قتلا



وقال آخر :


يرفع جدك إني امرؤ     سقتني إليك الأعادي سجالا



وقوله : ( ما اتخذ صاحبة ) يعني زوجة ( ولا ولدا ) .

واختلفت القراء في قراءة قوله : ( وأنه تعالى ) فقرأه أبو جعفر القارئ وستة أحرف أخر بالفتح ، منها : ( أنه استمع نفر ) ( وأن المساجد لله ) ( وأنه كان يقول سفيهنا ) ( وأنه كان رجال من الإنس ) ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه ) ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) وكان نافع يكسرها إلا ثلاثة أحرف : أحدها : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر ) والثانية ( وأن لو استقاموا ) والثالثة ( وأن المساجد لله ) . وأما قراء الكوفة غير عاصم ، فإنهم يفتحون جميع ما في آخر سورة النجم وأول سورة الجن إلا قوله : ( فقالوا إنا سمعنا ) وقوله : ( قل إنما أدعو ربي ) وما بعده إلى آخر السورة ، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) . وأما عاصم فإنه كان [ ص: 652 ] يكسر جميعها إلا قوله : ( وأن المساجد لله ) فإنه كان يفتحها ، وأما أبو عمرو ، فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) فإنه كان يفتح هذه وما بعدها; فأما الذين فتحوا جميعها إلا في موضع القول ، كقوله : ( فقالوا إنا سمعنا ) وقوله : ( قل إنما أدعو ربي ) ونحو ذلك ، فإنهم عطفوا "أن" في كل السورة على قوله : ( فآمنا به ) وآمنا بكل ذلك ، ففتحوها بوقوع الإيمان عليها . وكان الفراء يقول : لا يمنعنك أن تجد الإيمان يقبح في بعض ذلك من الفتح ، وأن الذي يقبح مع ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارع للإيمان ، فوجب فتح "أن" كما قالت العرب :


إذا ما الغانيات برزن يوما     وزججن الحواجب والعيونا



فنصب العيون لاتباعها الحواجب ، وهي لا تزجج ، وإنما تكحل ، فأضمر لها الكحل ، كذلك يضمر في الموضع الذي لا يحسن فيه "آمنا" : صدقنا وآمنا وشهدنا . قال : وبقول النصب قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) فينبغي لمن كسر أن يحذف "أن" من "لو" ; لأن "أن" إذا خففت لم تكن حكاية . ألا ترى أنك تقول : أقول لو فعلت لفعلت ، ولا تدخل "أن" . وأما الذين كسروها كلهم وهم في ذلك يقولون : ( وأن لو استقاموا ) فكأنهم أضمروا يمينا مع "لو" وقطعوها عن النسق على أول الكلام ، فقالوا : والله أن لو استقاموا; قال : والعرب تدخل "أن" في هذا الموضع مع اليمين وتحذفها ، قال الشاعر :


فأقسم لو شيء أتانا رسوله     سواك ولكن لم نجد لك مدفعا



قالوا : وأنشدنا آخر :


أما والله أن لو كنت حرا     وما بالحر أنت ولا العتيق

[ ص: 653 ]

وأدخل "أن" من كسرها كلها ، ونصب ( وأن المساجد لله ) فإنه خص ، ذلك بالوحي ، وجعل ( وأن لو ) مضمرة فيها اليمين على ما وصفت . وأما نافع فإن ما فتح من ذلك فإنه رده على قوله : ( أوحي إلي ) وما كسره فإنه جعله من قول الجن ، وأحب ذلك إلي أن أقرأ به الفتح فيما كان وحيا ، والكسر فيما كان من قول الجن; لأن ذلك أفصحها في العربية ، وأبينها في المعنى ، وإن كان للقراءات الأخر وجوه غير مدفوعة صحتها .

السابق

|

| من 11

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة