شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء الرابع
[ ص: 1561 ] ( 2 ) - كتاب أسماء الله تعالى

الفصل الأول

2287 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة ، وفي رواية وهو وتر يحب الوتر . متفق عليه .

الحاشية رقم: 1
( 2 ) كتاب أسماء الله تعالى

اسمه تعالى ما يطلق عليه ، وذلك باعتبار ذاته كالله ، أو باعتبار صفة سلبية كالقدوس ، والأول أو حقيقية ثبوتية كالعليم والقادر ، أو إضافية كالحميد والمليك ، أو باعتبار فعل من أفعاله كالرازق والخالق ، والاسم هو : اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة ، والمسمى هو : المعنى الموضوع له الاسم ، والتسمية وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى ، أو لإطلاقه عليه ، وقد يطلق الاسم ويراد به المعنى ، فالمراد بالاسم هو المسمى على التقدير الثاني ، وغير المسمى على التقدير الأول ، فلذلك اختلف في أن الاسم هو المسمى أو غيره . وقالت المعتزلة : الاسم هو التسمية دون المسمى . وقال مشايخنا : التسمية هو اللفظ الدال على المسمى ، والاسم هو المعنى المسمى به . قال ابن حجر : ومذهب الأشعري أن الاسم قد يكون عين المسمى كالله ، وقد يكون غيره كالخالق ، وقد لا يكون عينه ولا غيره كالعالم ، فإن علمه ليس عين ذاته خلافا للمعتزلة ، ولا غيره على أن الغير ما يمكن انفكاكه من الجانبين اهـ . واعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن صفات الله ليست عين ذاته ، لما أن المعاني تفهم من هذه الصفات لغة وعقلا ، فهي إن لم تكن ثابتة لذات الله تعالى كان نقصا ؛ لأنها صفات كمال ، وإن كانت ثابتة كانت زائدة بالضرورة ، لأن تلك المعاني يمتنع قيامها بذاتها ، فثبت أنها ليست عين الذات وليست غيرها أيضا ، لأن الغيرين هما اللذان يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر ، وذهب الفلاسفة إلى كونها عين الذات ، ويقرب من قولهم قول المعتزلة : إن الله عالم لا بالعلم ، بل بالذات ، ومحل هذا المبحث كتب العقائد ، ولم يتكلف السلف في ذلك ، ولا في التلاوة والمتلو تورعا وطلبا للسلامة .

الفصل الأول

2287 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لله ) : زيد في نسخة " تعالى " ( تسعة وتسعين اسما ) : أي : صفة ( مائة إلا واحدا ) وفي نسخة : إلا واحدة . قال زين العرب : جاء في كتاب المصابيح : إلا واحدة ، وقال الطيبي : وقد جاء في الرواية إلا واحدة نظرا إلى الكلمة أو الصفة أو التسمية ( من أحصاها ) : أي : من آمن بها ، أو عدها وقرأها كلمة كلمة على طريق الترتيل تبركا وإخلاصا ، أو حفظ مبانيها وعلم معانيها وتخلق بما فيها ( دخل الجنة ) أي : دخولا أوليا أو دخولا معظما ، أو أعلى مراتبها . وفي رواية لمسلم والترمذي : من حفظها دخل الجنة أي : الجنة الحسية في العقبى والمعنوية في الدنيا .

وقال بعض شراح المصابيح : قوله : " مائة إلا واحدة " بدل الكل مما تقدم من اسم إن ، أو منصوب بإضمار أعني ، وفائدته التأكيد والمبالغة في المنع عن الزيادة والنقصان ؛ لأن أسماء الله توقيفية ، ولئلا يلتبس " تسعة وتسعين " بسبعة وتسعين بتقدم السين في الأول ، أو سبعة وسبعين بتقديم السين فيهما ، أو تسعة وسبعين بتقدم السين في الثاني من زلة الكاتب وهفوة القلم ، فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور ، فأكده به حسما لمادة الخلاف وإرشادا للاحتياط في هذا الباب ، أو لاحتمال أن تكون الواو بمعنى " أو " نظيره قوله : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة . قال في المعالم ، عند قوله تعالى : وذروا الذين يلحدون في أسمائه الإلحاد في أسمائه تعالى تسميته بما لا ينطق به كتاب ولا سنة . وقال أبو القاسم القشيري - رحمه الله - : أسماء الله توجد توقيفا ويراعى فيها الكتاب والسنة والإجماع ، فكل اسم ورد في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى ، وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن صح معناه . قال الراغب : ذهبت المعتزلة إلى أنه يصح أن يطلق على الله اسم يصح معناه فيه ، والأفهام الصحيحة البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات . قال : وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح . وقال ابن حجر : أسماء الله توقيفية على الأصح عند أئمتنا خلافا للغزالي والباقلاني كالمعتزلة .

[ ص: 1562 ] قال الطيبي : نقل النووي - رحمه الله - عن القشيري أن في الحديث دليلا على أن الاسم هو المسمى ، إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره ، ولخص هذا المعنى القاضي وأجاب عنه حيث قال : فإن قيل : إذا كان الاسم عين المسمى لزم من قوله : إن لله تسعة وتسعين اسما الحكم بتعدد الإله . فالجواب من وجهين . الأول : أن المراد من الاسم هاهنا اللفظ ، ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى ، إنما النزاع في أنه هل يطلق ويراد به المسمى عينه ، ولا يلزم من تعدد الأسماء تعدد المسمى . والثاني : أن كل واحد من الألفاظ المطلقة على الله يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقة ، وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات ، ولا استحالة في ذلك . وقوله : تسعة وتسعين لا يدل على الحصر إذ ثبت في الكتاب الرب المولى النصير المحيط الكافي العلام وغير ذلك وفي السنة الحنان المنان الدائم الجميل ، وتخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظا وأظهر معنى ، ولأنها غرر أسمائه وأمهاتها المشتملة على معاني غيرها . وقيل : من أحصاها صفة لها ، فلا يدل على الحصر مثل : لفلان ألف شاة أعدها للأضياف ، فلا يدل على أنه لا يملك غيرها .

( وفي رواية ) : أي : للبخاري ذكره ميرك في حاشية الحصن ( وهو ) : أي : ذاته تعالى : ( وتر ) : بكسر الواو أي : فرد لا شبيه له ولا نظير ( يحب الوتر ) : أي : من الأعمال والأذكار ، يعني يحب منها ما كان على صفة الإخلاص والتفرد له تعالى ، وهذا معنى قول الطيبي أي : يثيب على العمل الذي أتى به وترا لما فيه من التنبيه على معاني الفردية قلبا ، ولسانا ، وإيمانا ، وإخلاصا إثابة كاملة . ( متفق عليه ) : رواه الترمذي والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم في مستدركه ، وابن حبان ، وفي رواية للبخاري : " لا يحفظه أحد إلا دخل الجنة " .

السابق

|

| من 216

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة