تفسير القرآن

التفسير الكبير

الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

دار الكتب العلمية ببيروت

سنة النشر: 2004م – 1425هـ
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا

قوله تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنونقوله تعالى ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين
قوله تعالى أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا قوله تعالى ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين
قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا
قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله
قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم قوله تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما قوله تعالى وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
قوله تعالى إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا قوله تعالى وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين
قوله تعالى أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسيرقوله تعالى قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق
قوله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبونقوله تعالى والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي
قوله تعالى فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار قوله تعالى وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا
قوله تعالى فآمن له لوط قوله تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة
قوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين قوله تعالى ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية
قوله تعالى ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا قوله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا
قوله تعالى وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم قوله تعالى فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة
قوله تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا قوله تعالى وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
قوله تعالى وما يعقلها إلا العالمون قوله تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة
قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون
قوله تعالى وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قوله تعالى أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم
قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب قوله تعالى يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين
قوله تعالى يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون
قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا قوله تعالى الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون
قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض قوله تعالى الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له
قوله تعالى ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها قوله تعالى وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب
قوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين قوله تعالى أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم
قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين
مسألة:
[ ص: 23 ] ( سورة العنكبوت )

مكية، وقيل مدنية ، وقيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة وباقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر العشر بالمدينة وباقيها بمكة وبالعكس ، وهي سبعون أو تسع وستون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون )

بسم الله الرحمن الرحيم

( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون )

المسألة الأولى : في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه :

الأول : لما قال الله تعالى قبل هذه السورة : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهرا غالبا على الكفار ظافرا طالبا للثأر ، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى : ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) ولا يؤمروا بالجهاد .

الوجه الثاني : هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة ( وادع إلى ربك ) وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب ؛ لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال : ( أحسب الناس أن يتركوا ) .

الوجه الثالث : هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال : ( له الحكم وإليه ترجعون ) يعني ليس كل شيء هالكا من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله .

إذا تبين هذا ، فاعلم أن منكري الحشر يقولون : لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل ؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة فيها .

فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه ، بل حسن التكليف ليثيب الشكور ويعذب الكفور ، فقال : ( أحسب الناس أن يتركوا ) غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم .

[ ص: 24 ] المسألة الثانية : في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي ، ولنقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول : الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه ، ثم يشرع في المقصود .

إذا ثبت هذا فنقول : ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفهوم ، كقول القائل اسمع ، واجعل بالك إلي ، وكن لي ، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل : أزيد ويا زيد ألا يا زيد ، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه ، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه .

ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم ، كان المقدم على المقصود أكثر . ولهذا ينادى القريب بالهمزة فيقال أزيد ، والبعيد بيا فيقال : يا زيد ، والغافل ينبه أولا فيقال : ألا يا زيد . إذا ثبت هذا فنقول : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات ، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى ؛ لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما وقولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه .

أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود ، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة ، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف ؟

فنقول : عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز ، والله أعلم بجميع الأشياء ، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى : ( الم ذلك الكتاب ) (البقرة : 1 ) ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ) (آل عمران : 1) ، ( المص كتاب أنزل إليك ) (الأعراف : 1) ، ( يس والقرآن ) (يس : 1 ) ، ( ص والقرآن ) (ص : 1) ، ( ق والقرآن ) (ق : 1 ) ، ( الم تنزيل الكتاب ) (السجدة : 1) ، ( حم تنزيل الكتاب ) (الجاثية : 1) إلا ثلاث سور ( كهيعص ) (مريم : 1 ) ، ( الم أحسب الناس ) ( العنكبوت : 1 ) ، ( الم غلبت الروم ) (الروم : 1 ) والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم ، والإنزال له ثقل ، والكتاب له عبء كما قال تعالى : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ( المزمل : 5 ) وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه ، لا يقال كل سورة قرآن، واستماعه استماع القرآن ، سواء كان فيها ذكر القرآن لفظا أو لم يكن ، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه ، وأيضا فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) (الكهف : 1 ) وقوله : ( سورة أنزلناها ) (النور : 1 ) وقوله : ( تبارك الذي نزل الفرقان ) (الفرقان : 1 ) وقوله : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) (القدر : 1 ) لأنا نقول جوابا عن الأول : لا ريب في أن كل سورة من القرآن ؛ لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن؛ فإن قوله تعالى : ( طه ما أنزلنا عليك القرآن ) (طه : 1) مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما ، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه : إنا كتبنا إليك كتابا فيه أوامرنا فامتثلها ، لا شك [ ص: 25 ] أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثاني أن قوله : ( الحمد لله ) و ( تبارك الذي ) تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي ، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح ( سورة أنزلناها ) قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها ، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل .

وأما قوله تعالى : ( إنا أنزلناه ) ( القدر : 1 ) فنقول : هذا ليس واردا على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها ، وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم ، وقوله : ( إنا أنزلناه ) الهاء راجع إلى معلوم عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان متنبها له فلم ينبه.

واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) (الحج : 1 ) وقوله : ( ياأيها النبي اتق الله ) ( الأحزاب : 1 ) ، ( ياأيها النبي لم تحرم ) (التحريم : 1 ) لأنها أشياء هائلة عظيمة ، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها ، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن ، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني ، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي ، فإن قيل : مثل هذا الكلام وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) (التوبة : 16 ) ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول : الجواب عنه في غاية الظهور ، وهو أن هذا ابتداء كلام ، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال ( أحسب ) وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم ، والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه ، وأما ( الم غلبت الروم ) (الروم : 1 - 2) فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى ، هذا تمام الكلام في الحروف .

السابق

|

| من 55

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة