التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء السادس
[ ص: 249 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سنة سبع من الهجرة النبوية غزوة خيبر في أولها

قال شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، في قوله : وأثابهم فتحا قريبا ( الفتح : 18 ) قال : خيبر

وقال موسى بن عقبة : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية مكث بالمدينة عشرين يوما ، أو قريبا من ذلك ، ثم خرج إلى خيبر ، وهي التي وعده الله إياها . وحكى موسى ، عن الزهري ، أن افتتاح خيبر في سنة ست .

والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع كما قدمنا .

قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، حين رجع من الحديبية ، ذا الحجة وبعض المحرم ، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر [ ص: 250 ]

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن مروان والمسور قالا : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة ، فقدم المدينة في ذي الحجة ، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم ، فنزل بالرجيع ؛ - واد بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان ، فبات حتى أصبح فغدا إليهم .

قال البيهقي : وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه ، في خروجه في أول سنة سبع من الهجرة .

وقال عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر قال : لما كان افتتاح خيبر في عقب المحرم ، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر صفر . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خثيم ، [ ص: 251 ] يعني ابن عراك ، عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وقد استخلف سباع بن عرفطة - يعني الغطفاني - على المدينة . قال : فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى ب كهيعص ( مريم : 1 ) . وفي الثانية : ويل للمطففين ( المطففين : 1 ) فقلت في نفسي : ويل لفلان ، إذا اكتال اكتال بالوافي ، وإذا كال كال بالناقص . قال : فلما صلى زودنا شيئا حتى أتينا خيبر ، وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر . قال : فكلم المسلمين ، فأشركونا في سهامهم .

وقد رواه البيهقي ، من حديث سليمان بن حرب ، عن وهيب ، عن خثيم بن عراك ، عن أبيه ، عن نفر من بني غفار قالوا : إن أبا هريرة قدم المدينة . فذكره .

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر ، سلك على عصر ، فبني له فيها مسجد ، ثم على الصهباء ، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له : الرجيع . فنزل بينهم وبين غطفان ؛ ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر - وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم - [ ص: 252 ] فبلغني أن غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ، ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه ، حتى إذا ساروا منقلة ، سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ، ظنوا ، أن القوم قد خالفوا إليهم ، فرجعوا على أعقابهم ، فأقاموا في أموالهم وأهليهم ، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ، حتى إذا كانوا بالصهباء ، وهي من أدنى خيبر ، صلى العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسويق ، فأمر به فثري ، فأكل وأكلنا ، ثم قام إلى المغرب فمضمض ، ثم صلى ولم يتوضأ .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، فسرنا ليلا ، فقال رجل من القوم لعامر : يا عامر ، ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ وكان عامر رجلا شاعرا ، فنزل يحدو بالقوم ، يقول :


لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا [ ص: 253 ]     فاغفر فداء لك ما اتقينا
وثبت الأقدام إن لاقينا     وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أبينا


وبالصياح عولوا علينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا السائق ؟ " قالوا : عامر بن الأكوع . قال : " يرحمه الله " . فقال رجل من القوم : وجبت يا نبي الله ، لولا أمتعتنا به . فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ، ثم إن الله فتحها عليهم ، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم ، أوقدوا نيرانا كثيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذه النيران ؟ على أي شيء توقدون ؟ " قالوا : على لحم . قال : " على أي لحم ؟ " قالوا : لحم الحمر الإنسية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أهريقوها واكسروها " . فقال رجل : يا رسول الله ، أونهريقها ونغسلها ؟ فقال : " أو ذاك " . فلما تصاف الناس ، كان سيف عامر قصيرا ، فتناول به ساق يهودي ليضربه ، فيرجع ذباب سيفه ، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه ، فلما قفلوا قال سلمة : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ [ ص: 254 ] بيدي ، قال : " ما لك ؟ " قلت : فداك أبي وأمي ، زعموا أن عامرا حبط عمله . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذب من قاله ، إن له لأجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد ، قل عربي مشى بها مثله
.

ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل ، وغيره ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، به نحوه . ويروى : " نشأ بها مثله " .

قال السهيلي : ويروى : " قل عربي مشابها مثله " . ويكون منصوبا على الحالية من نكرة ، وهو سائغ ؛ إذا دلت على تصحيح معنى ، كما جاء في الحديث : " فصلى وراءه رجل قياما " .

وقد روى ابن إسحاق قصة عامر بن الأكوع من وجه آخر فقال : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن [ ص: 255 ] الأكوع ، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع : " انزل يا ابن الأكوع ، فخذ لنا من هناتك " قال : فنزل يرتجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :


والله لولا الله ما اهتدينا     ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا     وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا     وثبت الأقدام إن لاقينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يرحمك ربك " . فقال عمر بن الخطاب : وجبت يا رسول الله ، لو أمتعتنا به . فقتل يوم خيبر شهيدا
ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري .

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي ، عن أبيه ، عن أبي معتب بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم : " قفوا " . ثم قال : " اللهم رب السماوات وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرها ، وشر أهلها ، وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله " وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . [ ص: 256 ]

وقد رواه الحافظ البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن العطاردي ، عن يونس بن بكير ، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ، عن صالح بن كيسان ، عن أبي مروان الأسلمي ، عن أبيه ، عن جده قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ، حتى إذا كنا قريبا وأشرفنا عليها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : " قفوا " . فوقف الناس ، فقال : " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شر هذه القرية ، وشر أهلها ، وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم "

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار ، فنزلنا خيبر ليلا ، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا ، فركب وركبنا معه ، وركبت خلف أبي طلحة ، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستقبلنا عمال خيبر غادين ، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش ، قالوا : محمد [ ص: 257 ] والخميس معه . فأدبروا هرابا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . قال ابن إسحاق : حدثنا هارون ، عن حميد ، عن أنس ، بمثله .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلا ، وكان إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح ، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوه قالوا : محمد والله ، محمد والخميس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به دون مسلم .

وقال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا ابن عيينة ، حدثنا أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك قال : صبحنا خيبر بكرة ، فخرج أهلها بالمساحي ، فلما بصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا : محمد [ ص: 258 ] والله ، محمد والخميس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . قال : فأصبنا من لحوم الحمر ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس تفرد به البخاري دون مسلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم ، فلما رأوه ومعه الجيش ، نكصوا فرجعوا إلى حصنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به أحمد ، وهو على شرط " الصحيحين " .

وقال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس ، ثم قال : " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " . فخرجوا يسعون في السكك ، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة ، وسبى الذرية ، وكان في السبي صفية ، فصارت إلى دحية الكلبي ، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل عتقها صداقها . قال عبد العزيز بن صهيب لثابت : يا أبا محمد ، أأنت قلت لأنس : ما أصدقها ؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له . تفرد به دون مسلم . وقد أورد البخاري ومسلم النهي عن لحوم الحمر الأهلية من [ ص: 259 ] طرق تذكر في كتاب " الأحكام " .

وقد قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو طاهر الفقيه ، أنبأنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا محمد بن حماد الأبيوردي ، حدثنا محمد بن الفضيل ، عن مسلم الأعور الملائي ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ، ويتبع الجنائز ، ويجيب دعوة المملوك ، ويركب الحمار ، وكان يوم بني قريظة ، والنضير على حمار ، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف ، وتحته إكاف من ليف . وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي ، عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر وابن ماجه ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ، وعن عمرو بن رافع ، عن جرير ، كلهم عن مسلم ، وهو ابن كيسان الملائي الأعور الكوفي ، عن أنس ، به . وقال الترمذي : لا [ ص: 260 ] نعرفه إلا من حديثه ، وهو يضعف .

قلت : والذي ثبت في " الصحيح " عند البخاري عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى في زقاق خيبر ، حتى انحسر الإزار ، عن فخذه . فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس ، لا على حمار . ولعل هذا الحديث - إن كان صحيحا - محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها . والله أعلم .

وقال البخاري : حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي ، حدثنا زياد بن الربيع ، عن أبي عمران الجوني قال : نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة ، فرأى طيالسة ، فقال : كأنهم الساعة يهود خيبر [ ص: 261 ]

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : كان علي بن أبي طالب تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وكان رمدا فقال : أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فلحق به ، فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال : " لأعطين الراية غدا - أو : ليأخذن الراية غدا - رجل يحبه الله ورسوله ، يفتح عليه " . فنحن نرجوها . فقيل : هذا علي . فأعطاه ، ففتح عليه . ورواه البخاري أيضا ومسلم ، عن قتيبة ، عن حاتم ، به .

ثم قال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم قال : أخبرني سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " . قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ؛ أيهم يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : " أين علي بن أبي طالب ؟ " . فقالوا : هو يا رسول الله ، يشتكي عينيه . قال : فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال علي : يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ [ ص: 262 ] فقال صلى الله عليه وسلم : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وقد رواه مسلم والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، به .

وفي " صحيح مسلم " والبيهقي من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه " . قال عمر : فما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ . فدعا عليا فبعثه ، ثم قال : " اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ، ولا تلتفت " . قال علي : على ما أقاتل الناس ؟ قال : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله لفظ البيهقي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن المقدام ، وحجين بن المثنى [ ص: 263 ] قالا : حدثنا إسرائيل ، حدثنا عبد الله بن عصمة العجلي ، سمعت أبا سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية فهزها ، ثم قال : " من يأخذها بحقها ؟ " فجاء فلان فقال : أنا . قال : " أمط " . ثم جاء رجل ، فقال : " أمط " . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي كرم وجه محمد ، لأعطينها رجلا لا يفر ، هاك يا علي " . فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك ، وجاء بعجوتهما ، وقديدهما . تفرد به أحمد ، وإسناده لا بأس به ، وفيه غرابة . وعبد الله بن عصمة - ويقال : ابن عصم - هذا يكنى بأبي علوان العجلي ، وأصله من اليمامة ، سكن الكوفة ، وقد وثقه ابن معين ، وقال أبو زرعة لا بأس به . وقال أبو حاتم : شيخ . وذكره ابن حبان في " الثقات " ، وقال : يخطئ كثيرا . وذكره في " الضعفاء " ، وقال : يحدث عن الأثبات مما لا يشبه حديث الثقات ، حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان [ ص: 264 ] بن فروة الأسلمي ، عن أبيه ، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ، رضي الله عنه ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، رضي الله عنه ، إلى بعض حصون خيبر ، فقاتل ثم رجع ، ولم يكن فتح ، وقد جهد ، ثم بعث عمر رضي الله عنه ، فقاتل ثم رجع ، ولم يكن فتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ، ويحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرار " . قال سلمة : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو يومئذ أرمد ، فتفل في عينيه ، ثم قال : " خذ الراية وامض بها ، حتى يفتح الله عليك " . فخرج بها والله يأنح ، يهرول هرولة ، وإنا لخلفه نتبع أثره ، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن ، فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب فقال اليهودي : عليتم وما أنزل على موسى . فما رجع حتى فتح الله على يديه .

وقال البيهقي : أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا العطاردي ، عن يونس بن بكير ، عن الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، أخبرني أبي قال : لما [ ص: 265 ] كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر ، فرجع ولم يفتح له ، وقتل محمود بن مسلمة ، فرجع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، لن يرجع حتى يفتح الله له " . فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ، ثم دعا باللواء وقام قائما ، فما منا من رجل له منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل ، حتى تطاولت أنا لها ، ورفعت رأسي ؛ لمنزلة كانت لي منه ، فدعا علي بن أبي طالب ، وهو يشتكي عينيه . قال : فمسحها ، ثم دفع إليه اللواء ففتح له . فسمعت عبد الله بن بريدة يقول : حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب . قال يونس : قال ابن إسحاق : كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى منه فقتلته .

ثم روى البيهقي ، عن يونس بن بكير ، عن المسيب بن مسلمة الأزدي ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة ، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة ، فلم يخرج إلى الناس ، وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم [ ص: 266 ] نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع ، فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ، ثم رجع ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يأخذها عنوة " . وليس ثم علي ، فتطاولت لها قريش ، ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك ، فأصبح ، وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبا ، وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك ؟ " قال : رمدت بعدك . قال : " ادن مني " فتفل في عينه ، فما وجعها حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية فنهض بها ، وعليه جبة أرجوان حمراء ، قد أخرج خملها ، فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز ويقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاك سلاحي بطل مجرب
إذا الليوث أقبلت تلهب     وأحجمت عن صولة المغلب [ ص: 267 ]

فقال علي رضي الله عنه :


أنا الذي سمتني أمي حيدره     كليث غابات شديد القسوره


أكيلكم بالصاع كيل السندره

قال : فاختلفنا ضربتين ، فبدره علي بضربة ، فقد الحجر والمغفر ورأسه ، ووقع في الأضراس ، وأخذ المدينة
.

وقد روى الحافظ البزار ، عن عباد بن يعقوب ، عن عبد الله بن بكير ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قصة بعث أبي بكر ، ثم عمر يوم خيبر ، ثم بعث علي ، فكان الفتح على يديه . وفي سياقه غرابة ونكارة ، وفي إسناده من هو متهم بالتشيع . والله أعلم .

وقد روى مسلم والبيهقي واللفظ له ، من طريق عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، فذكر حديثا طويلا ، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة . قال : فلم نمكث إلا ثلاثا ، حتى خرجنا إلى خيبر . قال : [ ص: 268 ] وخرج عامر ، فجعل يقول :


والله لولا أنت ما اهتدينا     ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن من فضلك ما استغنينا     فأنزلن سكينة علينا


وثبت الأقدام إن لاقينا

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا القائل ؟ " فقالوا : عامر . فقال : " غفر لك ربك " . قال : وما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم قط أحدا به إلا استشهد . فقال عمر وهو على جمل : لولا متعتنا بعامر . قال : فقدمنا خيبر ، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب


إذا الحروب أقبلت تلهب

قال : فبرز له عامر ، رضي الله عنه ، وهو يقول :


قد علمت خيبر أني عامر     شاكي السلاح بطل مغامر

قال : فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، فذهب يسفل له ، فرجع على نفسه ، فقطع أكحله وكانت فيها نفسه . قال سلمة : فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : بطل عمل [ ص: 269 ] عامر ؛ قتل نفسه . قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقال : " ما لك ؟ " فقلت : قالوا : إن عامرا بطل عمله . فقال : " من قال ذلك ؟ " فقلت : نفر من أصحابك . فقال : " كذب أولئك ، بل له الأجر مرتين " قال : وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ، رضي الله عنه ، يدعوه وهو أرمد ، وقال : " لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله " قال : فجئت به أقوده . قال : فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينه فبرأ ، فأعطاه الراية ، فبرز مرحب وهو يقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب


إذا الحروب أقبلت تلهب

قال : فبرز له علي وهو يقول :


أنا الذي سمتني أمي حيدره     كليث غابات كريه المنظره


أوفيهم بالصاع كيل السندره

قال : فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله ، وكان الفتح . هكذا وقع في هذا السياق أن عليا هو الذي قتل مرحبا اليهودي ، لعنه الله .

وقال أحمد : حدثنا حسين بن حسن الأشقر ، حدثني ابن [ ص: 270 ] قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : لما قتلت مرحبا جئت برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى موسى بن عقبة ، عن الزهري أن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة .

وكذلك قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن سهل ، أحد بني حارثة ، عن جابر بن عبد الله قال : خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول :


قد علمت خيبر أني مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب     إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب

قال : فأجابه كعب بن مالك :


قد علمت خيبر أني كعب     مفرج الغما جريء صلب [ ص: 271 ]
إذ شبت الحرب تلتها الحرب     معي حسام كالعقيق عضب
يطأكمو حتى يذل الصعب     نعطي الجزاء أو يفيء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب

قال : وجعل مرحب - وهو ابن حمير - يرتجز ، ويقول : هل من مبارز ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لهذا ؟ " فقال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله الموتور الثائر ، قتلوا أخي بالأمس . فقال : " قم إليه ، اللهم أعنه عليه " . قال : فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية ، من شجر العشر ، فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها ، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها ، حتى [ ص: 272 ] برز كل واحد منهما لصاحبه ، وصارت بينهما كالرجل القائم ، ما فيها فنن ، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله
. وقد رواه الإمام أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بنحوه .

قال ابن إسحاق : وزعم بعض الناس أن محمدا ارتجز حين ضربه وقال :


قد علمت خيبر أني ماض     حلو إذا شئت وسم قاض

وهكذا رواه الواقدي ، عن جابر وغيره من السلف ، أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا ، وذكر الواقدي أن محمدا قطع رجلي مرحب ، فقال له : أجهز علي . فقال : لا ، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة . فمر به علي وقطع رأسه ، فاختصما في سلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته . قال : وكان مكتوبا على سيفه :


هذا سيف مرحب     من يذقه يعطب

ثم ذكر ابن إسحاق أن أخا مرحب ، وهو ياسر ، خرج بعده وهو يقول : [ ص: 273 ] هل من مبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له ، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : يقتل ابني يا رسول الله . فقال : " بل ابنك يقتله إن شاء الله " . فالتقيا فقتله الزبير . قال : فكان الزبير إذا قيل له : والله إن كان سيفك يومئذ لصارما . يقول : والله ما كان صارما ، ولكني أكرهته .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهله ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه رجل منهم من يهود ، فطرح ترسه من يده ، فتناول علي باب الحصن ، فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده ، فلقد رأيتني في نفر معي - سبعة أنا ثامنهم - نجهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما استطعنا أن نقلبه . وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر .

ولكن روى الحافظ البيهقي ، والحاكم من طريق مطلب بن زياد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن أبي جعفر الباقر ، عن جابر ، أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وأنه جرب بعد ذلك ، فلم يحمله أربعون رجلا . وفيه ضعف أيضا . وفي رواية ضعيفة ، عن جابر : ثم [ ص: 274 ] اجتمع عليه سبعون رجلا ، وكان جهدهم أن أعادوا الباب .

وقال البخاري : حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال : رأيت أثر ضربة في ساق سلمة ، فقلت : يا أبا مسلم ، ما هذه الضربة ؟ قال : هذه ضربة أصابتها يوم خيبر ، فقال الناس : أصيب سلمة . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات ، فما اشتكيت حتى الساعة .

ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل قال : التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا ، فمال كل قوم إلى عسكرهم ، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه ، فقيل : يا رسول الله ، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان . قال : " إنه من أهل النار " فقالوا : أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار ؟ فقال رجل من القوم : لأتبعنه ، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه . حتى جرح فاستعجل الموت ، فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ، ثم تحامل عليه فقتل نفسه . فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد أنك رسول الله . قال : " وما ذاك ؟ " فأخبره فقال : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل [ ص: 275 ] الجنة - فيما يبدو للناس - وإنه من أهل النار ، ويعمل بعمل أهل النار - فيما يبدو للناس - وإنه من أهل الجنة رواه أيضا عن قتيبة ، عن يعقوب ، عن أبي حازم ، عن سهل فذكر مثله أو نحوه .

وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام : " هذا من أهل النار " . فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال ، حتى كثرت به الجراحة ، حتى كاد بعض الناس يرتاب ، فوجد الرجل ألم الجراحة ، فأهوى بيده إلى كنانته ، فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه ، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا : يا رسول الله ، صدق الله حديثك ، انتحر فلان فقتل نفسه . فقال : " قم يا فلان ، فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر .

وقد روى موسى بن عقبة قصة العبد الأسود ؛ الذي رزقه الله الإيمان والشهادة في ساعة واحدة ، وكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قالا : وجاء عبد حبشي أسود ، من أهل خيبر ، كان في غنم لسيده ، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال : ما تريدون ؟ قالوا : نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي . فوقع في نفسه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل [ ص: 276 ] بغنمه حتى عمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إلى ما تدعو ؟ قال : " أدعوك إلى الإسلام ؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وأن لا تعبد إلا الله " . قال : فقال العبد : فماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجنة إن مت على ذلك " . فأسلم العبد فقال : يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء ، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك " . ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها ، فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظ الناس ، فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ، ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا ، وقتل مع علي ذلك العبد الأسود ، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم ، فأدخل في الفسطاط ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ، ثم اطلع على أصحابه فقال : " لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير ، قد كان الإسلام من نفسه حقا ، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين " .

وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن ابن الهاد ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر ، فخرجت سرية ، فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها ، فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود ، وقال فيه : قتل شهيدا وما سجد لله سجدة . [ ص: 277 ]

ثم قال البيهقي : حدثنا محمد بن محمد بن محمش الفقيه ، حدثنا أبو بكر القطان ، حدثنا أبو الأزهر ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، عن أنس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني رجل أسود اللون ، قبيح الوجه ، منتن الريح ، لا مال لي ، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل ، أدخل الجنة ؟ قال : " نعم " . فتقدم فقاتل حتى قتل ، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتول ، فقال : " لقد حسن الله وجهك الطيب ، وطيب ريحك ، وكثر مالك " وقال : " لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عنه ؛ يدخلان فيما بين جلده وجبته .

ثم روى البيهقي ، من طريق ابن جريج ، أخبرني عكرمة بن خالد ، عن ابن أبي عمار ، عن شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ، فقال : أهاجر معك . فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمه وقسم له ، فأعطى أصحابه ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوه إليه ، فقال : ما [ ص: 278 ] هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة . فقال : " إن تصدق الله يصدقك " ثم نهضوا إلى قتال العدو ، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل ، وقد أصابه سهم حيث أشار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو هو ؟ " قالوا : نعم . قال : " صدق الله فصدقه " وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قدمه فصلى عليه ، فكان مما ظهر من صلاته : " اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك ، قتل شهيدا ، أنا عليه شهيد وقد رواه النسائي ، عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج به نحوه .

السابق

|

| من 25

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة