الفقه المقارن

المغني

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة

دار إحيار التراث العربي

سنة النشر: 1405هـ / 1985م
رقم الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 226 ] كتاب المساقاة المساقاة : أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ، ليقوم بسقيه ، وعمل سائر ما يحتاج إليه ، بجزء معلوم له من ثمره . وإنما سميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي ; لأن أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي ، لأنهم يستقون من الآبار ، فسميت بذلك . والأصل في جوازها السنة والإجماع ; أما السنة ، فما روى عبد الله بن عمر . رضي الله عنه قال : { عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ، من ثمر أو زرع . حديث صحيح } ، متفق عليه

وأما الإجماع ، فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن آبائه : { عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع . وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم } ، واشتهر ذلك ، فلم ينكره منكر ، فكان إجماعا . فإن قيل : لا نسلم أنه لم ينكره منكر ، فإن عبد الله بن عمر راوي حديث معاملة أهل خيبر ، قد رجع عنه ، وقال : كنا نخابر أربعين سنة ، حتى حدثنا رافع بن خديج ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة }

وهذا يمنع انعقاد الإجماع ، ويدل على نسخ حديث ابن عمر ، لرجوعه عن العمل به إلى حديث رافع بن خديج . قلنا : لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع ، ولا حديث ابن عمر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ، ثم عمل به الخلفاء بعده ، ثم من بعدهم ، فكيف يتصور نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء يخالفه ؟ أم كيف يعمل بذلك في عصر الخلفاء ولم يخبرهم من سمع النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حاضر معهم ، وعالم بفعلهم ، فلم يخبرهم ، فلو صح خبر رافع لوجب حمله على ما يوافق السنة والإجماع

على أنه قد روي في تفسير خبر رافع عنه ما يدل على صحة قولنا ، فروى البخاري ، بإسناده قال : كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض ، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك ، فنهينا ، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ . وروي تفسيره أيضا بشيء غير هذا من أنواع الفساد ، وهو مضطرب جدا . قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث رافع بن خديج ، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزارعة فقال : رافع روي عنه في هذا ضروب . كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه . وقال طاوس : إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ، ولكن قال { : لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجا معلوما } . رواه البخاري ومسلم .

وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه . فكيف يجوز نسخ أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات وهو يفعله ، ثم أجمع عليه خلفاؤه وأصحابه بعده ، بخبر لا يجوز العمل به ، ولو لم يخالفه غيره ، ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه رجع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في حديثه

وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع ، ولم يقبل حديثه ، وحمله على أنه غلط في روايته . والمعنى يدل على ذلك ; فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ، ولا يمكنهم الاستئجار عليه ، وكثير من الناس لا شجر لهم ، ويحتاجون إلى الثمر ، ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين ، وتحصيل لمصلحة الفئتين ، فجاز ذلك ، كالمضاربة بالأثمان .

السابق

|

| من 50

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة