شروح الحديث

شرح النووي على مسلم

يحيي بن شرف أبو زكريا النووي

دار الخير

سنة النشر: 1416هـ / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة:
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف

901 وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له قال حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فأطال القيام جدا ثم ركع فأطال الركوع جدا ثم رفع رأسه فأطال القيام جدا وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع جدا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه فقام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الشمس والقمر من آيات الله وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد إن من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ألا هل بلغت وفي رواية مالك إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وحدثناه يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد وزاد ثم قال أما بعد فإن الشمس والقمر من آيات الله وزاد أيضا ثم رفع يديه فقال اللهم هل بلغت
الحاشية رقم: 1
[ ص: 502 ] [ ص: 503 ] باب صلاة الكسوف وذكر عذاب القبر فيها وما عرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف عن الجنة والنار

يقال : كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف وكسفا بضمها وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى . وقيل : كسف الشمس بالكاف ، وخسف القمر بالخاء . وحكى القاضي عياض عكسه عن بعض أهل اللغة والمتقدمين ، وهو باطل مردود بقول الله تعالى وخسف القمر ثم جمهور أهل العلم وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله ، ويكون لذهاب بعضه . وقال جماعة منهم الإمام الليث بن سعد : الخسوف في الجميع ، والكسوف في بعض . وقيل : الخسوف ذهاب لونهما ، والكسوف تغيره . واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة ذكر مسلم منها جملة وأبو داود أخرى ، وغيرهما أخرى ، وأجمع العلماء على أنها سنة ، ومذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أنه يسن فعلها جماعة ، وقال العراقيون فرادى ، وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره ، واختلفوا في صفتها فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان ، وأما السجود فسجدتان كغيرهما وسواء تمادى الكسوف أم لا ، وبهذا قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم . وقال الكوفيون : هما ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين ، وحجة الجمهور حديث عائشة من رواية عروة وعمرة وحديث جابر وابن عباس وابن عمرو بن العاص أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان . قال ابن عبد البر : وهذا أصح ما في هذا الباب . قال : وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة ، وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلق وهذه الأحاديث تبين المراد به ، [ ص: 504 ] وذكر مسلم في رواية عن عائشة وعن ابن عباس وعن جابر ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات ، ومن رواية ابن عباس وعلي ركعتين في كل ركعة أربع ركعات . قال الحفاظ : الروايات الأول أصح ، ورواتها أحفظ وأضبط ، وفي رواية لأبي داود من رواية أبي بن كعب ركعتين في كل ركعة خمس ركعات ، وقد قال بكل نوع بعض الصحابة ، وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم : هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف ، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركعات ، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر ، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر فتوسط في عدده ، واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء ، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه ، منوي من أول الحال . وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر : جرت صلاة الكسوف في أوقات ، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك ، فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة ، وهذا قوي والله أعلم . واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة ، واختلفوا في القيام الثاني ، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه ، وقال محمد بن مسلمة من المالكية : لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني ، واتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر من القيام الأول والركوع ، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية أقصر من الأول منهما من الثانية . واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى؟ ويكون هذا معنى قوله في الحديث : ( وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول ) أم يكونان سواء ويكون قوله : ( دون القيام والركوع الأول أي أول قيام وأول ركوع . واتفقوا على استحباب إطالة القراءة والركوع فيهما كما جاءت الأحاديث . ولو اقتصر على الفاتحة في كل قيام وأدى طمأنينته في كل ركوع صحت صلاته وفاته الفضيلة . واختلفوا في استحباب إطالة السجود فقال جمهور أصحابنا : لا يطوله بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات . وقال المحققون منهم : يستحب إطالته نحو الركوع الذي قبله ، وهذا هو المنصوص للشافعي في البويطي ، وهو الصحيح للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك . ويقول في كل رفع من ركوع : سمع الله لمن حمده ثم يقول عقبه : ربنا لك الحمد إلى آخره . والأصح استحباب التعوذ في ابتداء الفاتحة في كل قيام ، وقيل : يقتصر عليه في القيام الأول . واختلف العلماء في الخطبة لصلاة الكسوف فقال الشافعي وإسحاق وابن جرير وفقهاء أصحاب الحديث : يستحب بعدها خطبتان ، وقال مالك وأبو حنيفة : لا يستحب ذلك . ودليل الشافعي الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب بعد صلاة الكسوف .

قوله : ( فأطال القيام جدا ، وأطال الركوع جدا ، ثم سجد ثم قام فأطال القيام ) هذا مما يحتج به من يقول لا يطول السجود ، وحجة الآخرين الأحاديث المصرحة بتطويله ، ويحمل هذا المطلق عليها .

وقوله : ( جدا ) بكسر الجيم وهو منصوب على المصدر أي جدا جدا .

[ ص: 505 ] قوله : ( بعد أن وصف الصلاة ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تجلت الشمس فخطب الناس ) فيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف كما سبق بيانه ، وفيه أن الخطبة لا تفوت بالانجلاء بخلاف الصلاة .

قوله : ( فحمد الله وأثنى عليه ) دليل على أن الخطبة يكون أولها الحمد لله والثناء عليه . ومذهب الشافعي أن لفظة الحمد لله متعينة فلو قال معناها لم تصح خطبته .

قوله - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث الباب : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ) وفي رواية أنهم قالوا : كسفت لموت إبراهيم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام ردا عليهم . قال العلماء : والحكمة في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فبين أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما ، بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما ، وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول : لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك ، فبين أن هذا باطل لا يغتر بأقوالهم لا سيما وقد صادف موت إبراهيم رضي الله عنه .

قوله - صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيتموها فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا ) فيه الحث على هذه الطاعات وهو أمر استحباب .

قوله - صلى الله عليه وسلم : ( يا أمة محمد إن من أحد أغير من الله تعالى ) هو بكسر همزة ( إن ) وإسكان النون أي ما من أحد أغير من الله . قالوا : معناه ليس أحد منع من المعاصي من الله تعالى ، ولا أشد كراهة لها منه سبحانه .

قوله - صلى الله عليه وسلم : ( يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ) معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت ، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا لبكيتم كثيرا ، ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه .

[ ص: 506 ] قوله - صلى الله عليه وسلم : ( ألا هل بلغت ) معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك مما أرسل به ، والمراد تحريضهم على تحفظه واعتنائهم به لأنه مأمور بإنذارهم .

السابق

|

| من 24

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة