التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الثامن عشر
[ ص: 253 ] ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة

استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها ، وأولها يوم الأربعاء .

وفي خامس صفر منها قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني بعد مرجعه من الحج وزيارة القدس الشريف ، وهو رجل فاضل له مصنفات منها " شرح مختصر ابن الحاجب " ، و " شرح التجريد " ، وغير ذلك ، ثم إنه شرح " الحاجبية " أيضا ، وجمع تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر ، ولما قدم إلى دمشق أكرم ، واشتغل عليه الطلبة ، وكان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني ، ثم إنه ترك الكل ، وصار يتردد إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وسمع عليه من مصنفاته ، ورده على أهل الكلام ، ولازمه مدة ، فلما مات الشيخ تقي الدين تحول إلى مصر وجمع التفسير .

وفي ربيع الأول جرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن صحبة الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب ، وسيف الدين طينال الحاجب أيضا نجدة لصاحب اليمن لخروج عمه عليه ، وصحبهم خلق كثير من الحجاج منهم [ ص: 254 ] الشيخ فخر الدين النويري .

وفيها منع شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر على طريقة الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وعزره القاضي المالكي بسبب مسألة الاستغاثة ، وحضر المذكور بين يدي السلطان ، وأثنى عليه جماعة من الأمراء ، ثم سفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل ، ثم قدم دمشق ، وانتزح إلى بلاد الشرق ، وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما ، يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات ، رحمه الله ، كما سنذكره .

وفي ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر وقد أكرمه السلطان والأمراء .

وفي جمادى الأولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله ، بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع ، وتغير أياما . وفيه زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد ، وانحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها ، وبقيت مثل السفينة في وسط البحر ، وغرق خلق كثير من الفلاحين وغيرهم ، وتلف للناس ما لا يعلم قيمته إلا الله عز وجل ، وودع أهل البلد بعضهم بعضا ، ولجئوا إلى الله تعالى ، وحملوا المصاحف على رءوسهم ، وحمل الناس في سد السكور بأنفسهم ، حتى القضاة والأعيان ، وكان وقتا عجيبا ، ثم لطف الله بهم ، فغيض الماء وتناقص ، [ ص: 255 ] وتراجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمورهم الجائزة وغير الجائزة ، وذكر بعضهم أنه غرق بالجانب الغربي نحو من ستة آلاف وستمائة بيت ، وإلى عشرة سنين لا يرجع ما غرق .

وفي أوائل جمادى الآخرة فتح السلطان خانقاه سرياقوس التي أنشأها ، وساق إليها خليجا ، وبنى عندها محلة ، وحضر بها ومعه القضاة ، والأعيان ، والأمراء ، وغيرهم ، ووليها مجد الدين الأقصرائي ، وعمل السلطان بها وليمة عظيمة ، وهي في الحقيقة وكيرة ، وسمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا بقراءة ولده عز الدين بحضرة الدولة منهم أرغون النائب ، وشيخ الشيوخ القونوي ، وغيرهم ، وخلع على القارئ عز الدين ، وأثنوا عليه ثناء زائدا ، وأجلس مكرما ، وخلع أيضا على والده ابن جماعة وعلى المالكي ، وشيخ الشيوخ ، وعلى مجد الدين الأقصرائي شيخ الخانقاه المذكورة ، وغيرهم .

وفي يوم الأربعاء رابع عشر رجب درس بقبة المنصورية في الحديث الشيخ زين الدين بن الكتاني الدمشقي ، بإشارة نائب الكرك وأرغون ، وحضر عنده الناس ، وكان فقيها جيدا ، وأما الحديث فليس من فنه ولا من شغله .

وفي أواخر رجب قدم الشيخ زين الدين محمد بن عبد الله بن المرحل من مصر على تدريس الشامية البرانية ، وكانت بيد ابن الزملكاني ، فانتقل إلى قضاء حلب ، فدرس بها في خامس شعبان ، وحضر القاضي الشافعي وجماعة .

[ ص: 256 ] وفي سلخ رجب قدم القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة من مصر ومعه ولده ، وفي صحبته الشيخ جمال الدين الدمياطي وجماعة من الطلبة بسبب سماع الحديث ، فقرأ بنفسه وقرأ الناس له واعتنوا بأمره ، وسمعنا معهم وبقراءته شيئا كثيرا ، نفعهم الله بما قرءوا وبما سمعوا ، ونفع بهم .

وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال درس الشيخ شمس الدين بن الأصبهاني بالرواحية بعد ذهاب ابن الزملكاني إلى حلب ، وحضر عنده القضاة والأعيان ، وكان فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، وجرى يومئذ بحث في " العام إذا خص " ، وفي " الاستثناء بعد النفي " ، ووقع انتشار ، وطال الكلام في ذلك المجلس ، وتكلم الشيخ تقي الدين كلاما أبهت الحاضرين .

وتأخر ثبوت عيد الفطر إلى قريب الظهر يوم العيد ، فلما ثبت دقت البشائر ، وصلى الخطيب العيد من الغد بالجامع ، ولم يخرج الناس إلى المصلى ، وتغضب النائب على المؤذنين ، وسجن بعضهم .

وخرج الركب في عاشره ، وأميره صلاح الدين بن أيبك الطويل ، وفي الركب صلاح الدين بن الأوحد ، والمنكورسي ، وقاضيه شهاب الدين الظاهري .

[ ص: 257 ] وفي سابع عشره درس بالرباط الناصري بقاسيون حسام الدين القرمي ، الذي كان قاضي طرابلس ، قايضه بها جمال الدين بن الشريشي إلى تدريس المسرورية ، وكان قد جاء توقيعه بالعذراوية والظاهرية ، فوقف في طريقه قاضي القضاة جلال الدين ونائباه ابن جملة ، والفخر المصري ، وعقد له ولكمال الدين بن الشيرازي مجلسا ، ومعه توقيع بالشامية البرانية ، فعطل الأمر عليهما ؛ لأنهما لم يظهرا استحقاقهما في ذلك المجلس ، فصارت المدرستان العذراوية والشامية لابن المرحل كما ذكرنا ، وعوض القرمي بالمسرورية ، فقايض منها لابن الشريشي إلى الرباط الناصري ، فدرس به في هذا اليوم ، وحضر عنده القاضي جلال الدين ، ودرس بعده ابن الشريشي بالمسرورية ، وحضر عنده الناس أيضا .

وفيه عادت التجريدة اليمنية ، وقد فقد منهم خلق كثير من الغلمان وغيرهم ، فحبس مقدمهم الكبير ركن الدين بيبرس لسوء سيرته فيهم .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة