شروح الحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

دارالريان للتراث

سنة النشر: 1407هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة عشرجزءا

مسألة:
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب السهو باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة

1166 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله ابن بحينة رضي الله عنه أنه قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم
الحاشية رقم: 1
[ ص: 111 ] قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم . باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة ) وللكشميهني ، والأصيلي ، وأبي الوقت : " ركعتي الفرض " ، وسقط لفظ : " باب " من رواية أبي ذر . والسهو : الغفلة عن الشيء ، وذهاب القلب إلى غيره ، وفرق بعضهم بين السهو والنسيان ، وليس بشيء . واختلف في حكمه ، فقال الشافعية : مسنون كله . وعن المالكية : السجود للنقص واجب دون الزيادة . وعن الحنابلة : التفصيل بين الواجبات غير الأركان ، فيجب لتركها سهوا ، وبين السنن القولية فلا يجب ، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده . وعن الحنفية : واجب كله ، وحجتهم قوله في حديث ابن مسعود الماضي في أبواب القبلة : " ثم ليسجد سجدتين " . ومثله لمسلم من حديث أبي سعيد والأمر للوجوب . وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان ، وبيان الواجب واجب ، ولا سيما مع قوله : صلوا كما رأيتموني أصلي .

قوله : ( عن عبد الرحمن الأعرج ) كذا في رواية كريمة ، ولم يسم في رواية الباقين .

[ ص: 112 ] قوله : ( عن عبد الله ابن بحينة ) تقدم في التشهد أن بحينة اسم أمه ، أو أم أبيه ، وعلى هذا فينبغي أن يكتب ابن بحينة بألف .

قوله : ( صلى لنا ) ؛ أي بنا ، أو لأجلنا ، وقد تقدم في أبواب التشهد من رواية شعيب ، عن ابن شهاب بلفظ : " صلى بهم " . ويأتي في الأيمان والنذور من رواية ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب بلفظ : " صلى بنا " .

قوله : ( من بعض الصلوات ) بين في الرواية التي تليها أنها الظهر .

قوله : ( ثم قام ) زاد الضحاك بن عثمان ، عن الأعرج : فسبحوا به ، فمضى حتى فرغ من صلاته . أخرجه ابن خزيمة . وفي حديث معاوية عند النسائي ، وعقبة بن عامر عند الحاكم جميعا نحو هذه القصة بهذه الزيادة .

قوله : ( فلما قضى صلاته ) ؛ أي فرغ منها ، كذا رواه مالك عن شيخه ، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس ، وقبل أن يسلم تمت صلاته ، وهو قول بعض الصحابة والتابعين ، وبه قال أبو حنيفة ، وتعقب بأن السلام لما كان للتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته ، ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات ، عن يحيى بن سعيد ، عن الأعرج : حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم . فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه ، والزيادة من الحافظ مقبولة .

قوله : ( ونظرنا تسليمه : ) ؛ أي انتظرنا ، وتقدم في رواية شعيب بلفظ : وانتظر الناس تسليمه . وفي هذه الجملة رد على من زعم أنه صلى الله عليه وسلم سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوا ، أو أن المراد بالسجدتين سجدتا الصلاة ، أو المراد بالتسليم التسليمة الثانية ، ولا يخفى ضعف ذلك وبعده .

قوله : ( كبر قبل التسليم فسجد سجدتين ) فيه مشروعية سجود السهو ، وأنه سجدتان ، فلو اقتصر على سجدة واحدة ساهيا لم يلزمه شيء أو عامدا بطلت صلاته ، لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة ، وأنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود . وفي رواية الليث ، عن ابن شهاب كما سيأتي بعد ثلاثة أبواب : " يكبر في كل سجدة " . وفي رواية الأوزاعي : " فكبر ، ثم سجد ، ثم كبر ، فرفع رأسه ثم كبر فسجد ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم سلم " . أخرجه ابن ماجه ، ونحوه في رواية ابن جريج ، كما سيأتي بيانه عقب حديث الليث . واستدل به على مشروعية التكبير فيهما والجهر به كما في الصلاة ، وأن بينهما جلسة فاصلة ، واستدل به بعض الشافعية على الاكتفاء بالسجدتين للسهو في الصلاة ، ولو تكرر من جهة أن الذي فات في هذه القصة الجلوس والتشهد فيه ، وكل منهما لو سها المصلي عنه على انفراده سجد لأجله ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم سجد في هذه الحالة غير سجدتين ، وتعقب بأنه ينبني على ثبوت مشروعية السجود لترك ما ذكر ، ولم يستدلوا على مشروعية ذلك بغير هذا الحديث ، فيستلزم إثبات الشيء بنفسه وفيه ما فيه ، وقد صرح في بقية الحديث بأن السجود مكان ما نسي من الجلوس كما سيأتي من رواية الليث . نعم ، حديث ذي اليدين دال لذلك كما سيأتي .

قوله : ( وهو جالس ) جملة حالية متعلقة بقوله : " سجد " ؛ أي أنشأ السجود جالسا .

قوله : ( ثم سلم ) زاد في رواية يحيى بن سعيد : ثم سلم بعد ذلك ، وزاد في رواية الليث الآتية : " وسجدهما [ ص: 113 ] الناس معه مكان ما نسي من الجلوس " . واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام ، ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك ، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية ، وسيأتي ذكر مستندهم في الباب الذي بعده ، واستدل بزيادة الليث المذكورة على أن السجود خاص بالسهو ، فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بسجود السهو لا يسجد ، وهو قول الجمهور ، ورجحه الغزالي وناس من الشافعية ، واستدل به أيضا على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام ، وإن لم يسه المأموم ، ونقل ابن حزم فيه الإجماع ، لكن استثنى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها فسجد وتحقق المأموم أن الإمام لم يسه فيما سجد له وفي تصويرها عسر ، وما إذا تبين أن الإمام محدث ، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المسبوق أيضا .

وفي هذا الحديث أن سجود السهو لا تشهد بعده إذا كان قبل السلام ، وقد ترجم له المصنف قريبا ، وأن التشهد الأول غير واجب ، وقد تقدم في أواخر صفة الصلاة ، وأن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر لا يرجع ، فقد سبحوا به صلى الله عليه وسلم فلم يرجع ، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي ، خلافا للجمهور ، وأن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما طريقه التشريع ، وأن محل سجود السهو آخر الصلاة ، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهد ساهيا أعاد عند من يوجب التشهد الأخير ، وهم الجمهور .

السابق

|

| من 13

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة