التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء السادس عشر
[ ص: 470 ] ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة

قال ابن الجوزي في " المنتظم " : إنه سقط عندهم برد كبار كالنارنج ، ومنه ما وزنه سبعة أرطال ، ثم عقب ذلك زيادة عظيمة بدجلة لم يعهد مثلها أصلا ، فخربت شيئا كثيرا من العمران والقرى والمزارع حتى القبور ، وخرج الناس إلى الصحراء ، وكثر الضجيج والابتهال في الدعاء حتى فرج الله عز وجل ، وتناقصت زيادة الماء فلله الحمد رب الأرض والسماء ، وأما الموصل فإنه كان بها نحو مما كان ببغداد وأكثر ، وانهدم بالماء نحو من ألفي دار ; واستهدم بسببه مثل ذلك ، وهلك تحت الهدم خلق كثير ، وكذلك الفرات زادت زيادة عظيمة أيضا ، فهلك بسببها شيء كثير من القرى ، وغلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع والثمار ; ووقع الوباء في الغنم ، وأصيب شيء كثير ممن أكل منها بالعراق وغيرها .

قال ابن الساعي وفي رمضان توالت الأمطار بديار بكر والموصل ; أربعين يوما وليلة لم يروا الشمس فيها سوى مرتين ; لحظتين يسيرتين ، فتهدمت البيوت والمساكن على أهلها ، وزادت دجلة بسبب ذلك زيادة عظيمة ، وغرقت كثير من مساكن بغداد والموصل ، ثم تناقص الماء بإذن الله ، عز وجل .

[ ص: 471 ] قال ابن الجوزي : وفي رجب وصل ابن الهروي من نور الدين ومعه ثياب مصرية ، وحمارة ملونة ; جلدها مخطط مثل الثوب العتابي . قال : وعزل ابن الشاشي من تدريس النظامية وولي أبو الخير القزويني . قال : وفي جمادى الآخرة اعتقل المجير الفقيه ونسب إلى الزندقة والانحلال وترك الصلاة والصوم ، ثم تعصب له أناس وزكوه فأخرج . وذكر أنه وعظ بالحربية ذات يوم فاجتمع عنده قريب من ثلاثين ألفا .

قال ابن الساعي وفيها سقط أبو العباس أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء من قبة شاهقة إلى الأرض فسلم ولله الحمد ، ولكن نبت يده اليمنى وساعد يده اليسرى ، وانسلخ شيء من أنفه ، وكان معه خادم أسود يقال له : نجاح . فلما رأى سيده قد سقط ألقى هو نفسه أيضا ، وقال : لا حاجة لي بالحياة بعده . فسلم أيضا ، فلما صارت الخلافة إلى أبي العباس الناصر - وهو هذا الذي قد سقط - لم ينسها لنجاح هذا ، فحكمه في الدولة وأحسن إليه .

وفيها سار الملك نور الدين نحو بلاد الروم وفي خدمته الجيش وملك الأرمن وصاحب ملطية وخلق من الملوك والأمراء ، وافتتح عدة من حصونهم ، ولله الحمد ، وحاصر قلعة الروم فصالحه صاحبها بخمسين ألف دينار ; جزية ، ثم عاد [ ص: 472 ] إلى حلب وقد وجد النجاح في كل ما طلب ، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا مسرورا محبورا .

وفي هذه السنة كان فتح بلاد اليمن للملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وكان سبب ذلك أنه بلغه أن بها رجلا يقال له : عبد النبي بن مهدي . قد تغلب عليها ودعا إلى نفسه وتسمى بالإمام ، وزعم أنه سيملك الأرض كلها ، وقد كان أخوه علي بن مهدي قد تغلب قبله على اليمن ، وانتزعها من أيدي أهل زبيد ومات سنة ستين فملك بعده أخوه هذا ، وكل منهما كان سيئ السيرة والسريرة ، فعزم الملك صلاح الدين ، لكثرة جيشه وقوته على إرسال سرية إليه ، وكان أخوه الأكبر شمس الدولة شجاعا مهيبا بطلا ، وكان ممن يجالس عمارة اليمني الشاعر ، فكان ينعت له بلاد اليمن وحسنها وكثرة خيرها ، فحداه ذلك على أن خرج في هذه السرية في رجب من هذه السنة ، فورد مكة - شرفها الله - فاعتمر بها ثم سار منها إلى زبيد فخرج إليه عبد النبي فقاتله فهزمه تورانشاه وأسره وأسر زوجته الحرة ، وكانت ذات أموال جزيلة فاستقرها على أشياء نفيسة ، وذخائر جليلة ، ونهب الجيش زبيد ، ثم سار إلى عدن فقاتله ياسر ملكها فهزمه تورانشاه وأسره ، وأخذ البلد بيسير من الحصار ، ومنع الجيش من نهبها ، وقال : ما جئنا لنخرب البلاد وإنما جئنا لعمارتها وملكها . ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه ، ثم تسلم بقية الحصون والمعاقل [ ص: 473 ] والمخاليف واستوسق له ملك اليمن بحذافيره ، وألقى إليه بأفلاذ كبده ومطاميره ، وخطب فيها للخليفة العباسي أبي محمد الحسن المستضيء ، وقتل الدعي المسمى بعبد النبي ، وصفت اليمن من أكدارها ، وعادت إلى ما سبق من مضمارها ، وكتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر صلاح الدين يخبره بما فتح الله عليه ، وأحسن إليه فكتب الملك صلاح الدين بذلك إلى نور الدين فأرسل نور الدين بذلك إلى الخليفة يبشره بفتح اليمن والخطبة بها له .

وفيها خرج الموفق خالد بن القيسراني من الديار المصرية ، وقد أقام بها الملك الناصر حساب الديار المصرية وما خرج من الحواصل حسبما رسم به الملك نور الدين كما تقدم ، وقد كاد الملك الناصر - لما جاءته الرسالة بذلك - يظهر شق العصا ويكاشر بالمخالفة والإباء ، ولكن عاد إلى طباعه الحسنة وأظهر الطاعة المستحسنة ، وأمر بكتابة الحساب وتحرير الكتاب ، فامتثل ذلك جماعة الدواوين والحساب والكتاب وبعث مع ابن القيسراني بهدية سنية ، وتحف هائلة هنية ; فمن ذلك خمس ختمات شريفات مغطات بخطوط مستويات ، ومائة عقد من الجواهر النفيسات ، خارجا من قطع البلخش والياقوت والفصوص والثياب الفاخرات ، والأواني والأباريق والصحاف الذهبيات والفضيات ، والخيول والغلمان والجواري الحسان والحسنات ، ومن الذهب عشرة صناديق مقفلات مختومات ، مما لا يدرى كم عدة ما فيها من مئين ألوف من الذهب المصري [ ص: 474 ] المعد للنفقات . فلما فصلت العير من الديار المصرية لم تصل إلى الشام حتى كانت وفاة الملك نور الدين رحمه الله ، فأرسل الملك الناصر من ردها عليه وأعادها إليه ، ويقال : إن منها ما عدي عليه وعلم بذلك حين وضعت بين يديه .

مقتل عمارة بن أبي الحسن بن زيدان الحكمي

من قحطان أبو محمد الملقب بنجم الدين اليمني الشاعر الفقيه الشافعي . وسبب قتله أنه اجتمع جماعة من رءوس الدولة الفاطمية ، فكتبوا إلى الفرنج يستدعونهم إليهم ، وعينوا خليفة من ذرية الفاطميين ووزيرا وأمراء ، وذلك في غيبة السلطان ببلاد الكرك ثم اتفق مجيئه فحرض عمارة اليمني شمس الدولة تورانشاه على المسير إلى اليمن ; ليضعف بذلك الجيش عن مقاومة الفرنج إذا قدموا لنصرة الفاطميين ، فخرج تورانشاه ولم يخرج معه عمارة ، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث ، ويداخل المتكلمين فيه ، وكان من أكابر الدعاة إليه والمحرضين عليه وقد أدخلوا معهم في هذا الأمر من ينسب إلى الملك الناصر ; وذلك من قلة عقولهم وكثرة جهلهم فخانهم ، أحوج ما كانوا إليه ; وهو الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ ، جاء إلى السلطان فأخبره بما تمالأ القوم عليه ، وبما انتهى أمرهم إليه ، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة ، وأفاض عليه حللا جميلة ، ثم استدعاهم السلطان واحدا واحدا فقررهم فأقروا له بذلك ، فاعتقلهم ثم استفتى الفقهاء في [ ص: 475 ] أمرهم فأفتوه بقتلهم وتبديد شملهم ، فعند ذلك أمر بصلب رءوسهم وأعيانهم ، دون أتباعهم وغلمانهم ، وأمر بنفي من بقي من جيش العبيديين إلى أقصى البلاد ، وأفرد ذرية العاضد وأهل بيته في دار ، فلا يصل إليهم إصلاح ولا إفساد وأجرى عليهم من الأرزاق كفايتهم ، وقد كان عمارة معاديا للقاضي الفاضل ، فلما أحضر بين يدي السلطان ، قام القاضي الفاضل فاجتمع بالسلطان ليشفع فيه عنده فتوهم عمارة أنه يتكلم فيه ، فقال : يا مولانا السلطان لا تسمع منه . فغضب القاضي الفاضل وخرج من القصر ، فقال له السلطان : إنه كان قد شفع فيك . فندم ندما عظيما . ولما ذهب به ليصلب مر بدار القاضي فطلبه فتغيب عنه فأنشد :


عبد الرحيم قد احتجب إن الخلاص هو العجب

قال ابن أبي طي : وكان الذين صلبوا ; المفضل بن القاضي وهو أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل قاضي قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين ويلقب بفخر الأمناء ، وكان أول من صلب ; فيما قاله العماد الكاتب ، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب وله شعر رائق فمن ذلك قوله في غلام رفاء :


يا رافيا خرق كل ثوب     ويا رشا حبه اعتقادي
[ ص: 476 ] عسى بكف الوصال ترفو     ما مزق الهجر من فؤادي

وابن عبد القوي داعي الدعاة وكان يعلم بدفائن القصر فعوقب ليعلم بها ، فامتنع من ذلك ، فمات واندرست . والعوريس الذي كان ناظر الديوان وتولى مع ذلك القضاء . وشبرما كاتب السر . وعبد الصمد القشة أحد أمراء المصريين . ونجاحا الحمامي ورجلا منجما نصرانيا أرمنيا كان قد بشرهم بأن هذا الأمر يتم بعلم النجوم .

وعمارة اليمني الشاعر

وقد كان شاعرا مطبقا بليغا فصيحا لا يلحق شأوه في هذا الشأن ، وله ديوان مشهور ، وقد ذكرته في " طبقات الشافعية " ; فإنه كان يشتغل بمذهب الشافعي ، وله تصنيف في الفرائض وكتاب " الوزراء الفاطميين " وكتاب جمع فيه سيرة نفيسة التي كان يعتقدها عوام مصر ، وقد كان أديبا فاضلا فقيها فصيحا ، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين ، وله فيهم وفي وزرائهم وأمرائهم مدائح كثيرة جدا ، وأقل ما نسب إلى الرفض وقد اتهم باطنه بالكفر المحض .

وذكر العماد في " الخريدة " أنه قال في قصيدته التي يقول في أولها :


العلم مذ كان محتاج إلى العلم     وشفرة السيف تستغني عن القلم

وهي طويلة جدا فيها كفر وزندقة كثيرة ، قال فيها :


قد كان أول هذا الدين من رجل     سعى إلى أن دعوه سيد الأمم

[ ص: 477 ] قال العماد : فأفتى علماء مصر بقتله ، وحرضوا السلطان على المثلة بمثله . قال : ويجوز أن يكون هذا البيت معمولا عليه . فالله أعلم . وقد أورد ابن الساعي شيئا من رقيق شعره ، فمن ذلك قوله يمدح بعض الملوك :


ملك إذا قابلت بشر جبينه     فارقته والبشر فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من     أبوابه لثم الملوك يميني

ومن ذلك قوله يتغزل :


لي في هوى الرشأ العذري أعذار     لم يبق لي مذ أقر الدمع إنكار
لي في القدود وفي لثم الخدود وفي     ضم النهود لبانات وأوطار
هذا اختياري فوافق إن رضيت به     أو لا فدعني لما أهوى وأختار

ومما أنشده تاج الدين الكندي في عمارة اليمني حين صلب :


عمارة في الإسلام أبدى خيانة     وبايع فيها بيعة وصليبا
وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد     فأصبح في حب الصليب صليبا
وكان خبيث الملتقى إن عجمته     تجد منه عودا في النفاق صليبا
سيلقى غدا ما كان يسعى لأجله     ويسقى صديدا في لظى وصليبا

قال الشيخ شهاب الدين : فالأول صليب النصارى والثاني بمعنى [ ص: 478 ] مصلوب والثالث بمعنى القوي ، والرابع ودك العظام .

ولما صلب الملك الناصر هؤلاء - وكان ذلك يوم السبت الثاني من شهر رمضان من هذه السنة بين القصرين من القاهرة - كتب إلى الملكنور الدين يعلمه بما وقع منهم وما أوقع بهم من الخزي والنكال ، قال العماد : فوصل الكتاب بذلك يوم توفي الملك نور الدين رحمه الله تعالى . وكذلك قتل الملك صلاح الدين رجلا من أهل الإسكندرية يقال له : قديد القفاص . قد افتتن به الناس وجعلوا له جزءا من أكسابهم حتى النساء من أموالهن فأحيط به فأراد الخلاص ، ولات حين مناص . فقتل أسوة بمن سلف ، ولقد كان بئس الخلف ، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة .

ومما وجد من شعر عمارة يرثي العاضد ودولته وأيامه :


أسفي على زمن الإمام العاضد     أسف العقيم على فراق الواحد
جالست من وزرائه وصحبت من     أمرائه أهل الثناء الماجد
لهفي على حجرات قصرك إذ خلت     يا ابن النبي من ازدحام الوافد
وعلى انفرادك من عساكرك الذي     كانوا كأمواج الخضم الراكد
قلدت مؤتمن الخلافة أمرهم     فكبا وقصر عن صلاح الفاسد
فعسى الليالي أن ترد عليكم     ما عودتكم من جميل عوائد

[ ص: 479 ] وله من جملة قصيدة :


يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة     لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي     عليهما لا على صفين والجمل
وقل لأهلهما والله ما التحمت     فيكم قروحي ولا جرحي بمندمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة     في نسل آل أمير المؤمنين علي

وقد أورد الشيخ أبو شامة في " الروضتين " من أشعار عمارة اليمني ومدائحه في الخلفاء الفاطميين وذويهم شيئا كثيرا ، وكذا القاضي ابن خلكان

ابن قرقول إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس ابن القائد الحمزي أبو إسحاق بن قرقول الأندلسي

صاحب كتاب " مطالع الأنوار " الذي وضعه على مثال كتاب " مشارق الأنوار " للقاضي عياض ، وكان من علماء بلاده وفضلائهم المشهورين ، مات فجأة بعد صلاة الجمعة سادس شوال من هذه السنة عن أربع وستين سنة ; قاله ابن خلكان

السابق

|

| من 5

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة