آيات الأحكام

أحكام القرآن لابن العربي

محمد بن عبد الله الأندلسي (ابن العربي)

دار الكتب العلمية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ط1 : د.ت
عدد الأجزاء: أربعة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 5 ] سورة الفاتحة فيها خمس آيات الآية الأولى [ قوله تعالى ] :

{ بسم الله الرحمن الرحيم } فيها مسألتان : المسألة الأولى : قوله تعالى : { بسم الله الرحمن الرحيم } .

اتفق الناس على أنها آية من كتاب الله تعالى في سورة النمل ، واختلفوا في كونها في أول كل سورة ، فقال مالك وأبو حنيفة : ليست في أوائل السور بآية ، وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبتدؤها .

وقال الشافعي : هي آية في أول الفاتحة ، قولا واحدا ; وهل تكون آية في أول كل سورة ؟ اختلف قوله في ذلك ; فأما القدر الذي يتعلق بالخلاف من قسم التوحيد والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآنا ، ووجه اختلاف المسلمين في هذه الآية منه ، فقد استوفيناه في كتب الأصول ، وأشرنا إلى بيانه في مسائل الخلاف ، ووددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة ، فكل مسألة له ففيها إشكال عظيم .

ونرجو أن الناظر في كلامنا فيها سيمحي عن قلبه ما عسى أن يكون قد سدل من إشكال به .

[ ص: 6 ] فائدة الخلاف : وفائدة الخلاف في ذلك الذي يتعلق بالأحكام أن قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة عندنا ، وعند الشافعي ، خلافا لأبي حنيفة حيث يقول : إنها مستحبة ، فتدخل { بسم الله الرحمن الرحيم } في الوجوب عند من يراه ، أو في الاستحباب [ كذلك ] .

ويكفيك أنها ليست بقرآن للاختلاف فيها ، والقرآن لا يختلف فيه ، فإن إنكار القرآن كفر .

فإن قيل : ولو لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا ; قلنا : الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية ، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن ; فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد .

فإن قيل : فهل تجب قراءتها في الصلاة ؟ قلنا : لا تجب ، فإن أنس بن مالك رضي الله عنه روى { أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلم يكن أحد منهم يقرأ : { بسم الله الرحمن الرحيم } ونحوه عن عبد الله بن مغفل } .

فإن قيل : الصحيح من حديث أنس : فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين ، وقد قال الشافعي : معناه أنهم كانوا لا يقرءون شيئا قبل الفاتحة .

قلنا : وهذا يكون تأويلا لا يليق بالشافعي لعظيم فقهه ، وأنس وابن مغفل إنما قالا هذا ردا على من يرى قراءة : { بسم الله الرحمن الرحيم } فإن قيل : فقد روى جماعة قراءتها ، وقد تولى الدارقطني جميع ذلك في جزء صححه .

قلنا : لسنا ننكر الرواية ، لكن مذهبنا يترجح بأن أحاديثنا ; وإن كانت أقل فإنها أصح ، وبوجه عظيم وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة ، وذلك أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 7 ] بالمدينة انقضت عليه العصور ، ومرت عليه الأزمنة من لدن زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك ، ولم يقرأ أحد [ قط ]

فيه { بسم الله الرحمن الرحيم } اتباعا للسنة .

بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل ، وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها .

السابق

|

| من 11

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة