التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الرابع عشر
[ ص: 324 ] ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين

فيها عاثت قبيلة يقال لها : بنو نمير باليمامة في الأرض فسادا ، فكتب الواثق إلى بغا الكبير وهو مقيم بأرض الحجاز ، فحاربهم فقتل منهم جماعة ، وأسر منهم آخرين ، وهزم بقيتهم ، ثم التقى مع بني تميم وهو في ألفي فارس وهم في ثلاثة آلاف فكانت بينهم حروب طويلة ، ثم كان الظفر له عليهم آخرا ، وذلك في النصف من جمادى الآخرة ثم عاد بعد ذلك كله إلى بغداد ومعه من أعيان رءوس العرب في الأسر والقيود ، وقد قتل من أشرافهم في الوقائع المتقدم ذكرها ما ينيف على ألفي رجل من بني سليم ، ونمير ، وكلاب ، ومرة ، وفزارة ، وثعلبة ، وطيئ ، وتميم ، وغيرهم .

وفي هذه السنة أصاب الحجيج في الرجوع عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة ، ومات خلق كثير من العطش ، رحمهم الله .

[ ص: 325 ] وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر .

وفاة الخليفة أبي جعفر هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله ذي الدوانيق بن محمد الإمام بن علي السجاد بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي

كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء فلم يقدر على حضور العيد عامئذ فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دواد الإيادي المعتزلي . وكانت وفاته لست بقين من ذي الحجة ، وذلك أنه قوي به الاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمي له بحيث يمكن إجلاسه فيه ; ليسكن وجعه ، فلان عليه أمره بعض الشيء ، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ، ووزراؤه وقاضيه ، فمات وهو محمول فيها فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت فغمض القاضي عينيه بعد [ ص: 326 ] ذلك وهو الذي ولي غسله والصلاة عليه ، ودفنه في قصر الهادي ، وكان أبيض اللون مشربا حمرة ، جميلا ربعة حسن الجسم ، قاتم العين اليسرى ، فيها نكتة بيضاء ، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة ، وكانت مدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ، وقيل : سبعة أيام وثنتي عشرة ساعة . وكان قد جمع أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته ; لينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته ، فاجتمع عنده من رءوسهم جماعة ; منهم الحسن بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمي ، وإسماعيل بن نوبخت ، ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلي ، وسند صاحب محمد بن الهيثم ، وعامة من يتكلم في النجوم ، فنظروا في مولده ، وما يقتضيه الحال عندهم ، ثم أجمعوا أنه يعيش دهرا طويلا ، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة فلم يلبث [ ص: 327 ] بعد قولهم إلا عشرة أيام حتى مات . ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ، رحمه الله .

قال ابن جرير وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام ، وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده ، فكان أول ما غني به في ذلك المجلس أن تغنت شارية ، جارية إبراهيم بن المهدي :


ما درى الحاملون يوم استقلوا نعشه للثواء أم للقاء     فليقل فيك باكياتك ما شئ
ن صباحا وعند كل مساء

قال : فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه ، ثم اندفع بعضهم يغني :


ودع هريرة إن الركب مرتحل     وهل تطيق وداعا أيها الرجل

فازداد والله بكاؤه ، وقال : ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي [ ص: 328 ] نفس . ثم ارفض ذلك المجلس .

وروى الخطيب البغدادي أن دعبل بن علي الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار ، فكتب فيه أبيات شعر ، ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه ، وقال : أقرئ أمير المؤمنين السلام ، وقل : هذه أبيات امتدحك بها دعبل . فلما فضها الواثق إذا فيها :


الحمد لله لا صبر ولا جلد     ولا عزاء إذا أهل الهوى رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد     وآخر قام لم يفرح به أحد
فمر هذا ومر الشؤم يتبعه     وقام هذا فقام الويل والنكد

قال : فتطلبه الخليفة بكل ما يمكنه ، فلم يقدر عليه حتى مات الواثق . وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبي دؤاد على الصلاة في يوم العيد فرجع إليه قال : كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله ؟ قال : كنا في نهار لا شمس فيه . فضحك وقال : يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك .

قال الخطيب : وكان ابن أبي دؤاد قد استولى على الواثق ، وحمله على التشديد في المحنة ، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن . قال : ويقال : إن [ ص: 329 ] الواثق رجع عن ذلك قبل موته ، فأخبرني عبيد الله بن أبي الفتح ، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة ، حدثني حامد بن العباس ، عن رجل ، عن المهتدي أن الواثق مات ، وقد تاب من القول بخلق القرآن .

وروى أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له في ذلك ، فقال : هذا أول من فتق لساني بذكر الله ، وأدناني من رحمة الله .

وكتب إليه بعض الشعراء :


جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى     وقلت لها عفي عن الطلب النزر
فإن أمير المؤمنين بكفه     مدار رحا الأرزاق دائبة تجري

فوقع له في رقعته : جذبتك نفسك عن امتهانها ، ودعتك إلى صونها ، فخذ ما طلبته هنيئا . وأجزل له العطاء .

ومن شعره قوله :

[ ص: 330 ]

هي المقادير تجري في أعنتها     فاصبر فليس لها صبر على حال

ومن شعر الواثق قوله :


تنح عن القبيح ولا ترده     ومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوك كل كيد     إذا كاد العدو ولم تكده

وقال القاضي يحيى بن أكثم ما أحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ، ما مات وفيهم فقير . ولما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين :


الموت فيه جميع الخلق مشترك     لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم     وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا

ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض ، وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه . وقال بعضهم : لما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه ، فقال بعضنا لبعض : انظروا هل قضى نحبه ؟ قال : فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه ، فأفاق فلحظ إلي بعينه فرجعت القهقرى ; خوفا منه ، فتعلقت قائمة سيفي بشيء فكدت أن أهلك ، فما كان عن [ ص: 331 ] قريب حتى مات ، وأغلق عليه الباب الذي هو فيه وبقي فيه وحده ، واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت ، فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلي بها ، وما كان بين الحالين إلا اليسير .

وكانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني ، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائتين عن ست وثلاثين سنة ، وقيل : ثنتين وثلاثين سنة . وكانت مدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ، وقيل : خمس سنين وشهرين وأحد وعشرين يوما ، وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله والله أعلم .

خلافة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله

بويع له بالخلافة بعد أخيه هارون الواثق ، وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة ، وكانت الأتراك قد عزموا [ ص: 332 ] على تولية محمد ابن الواثق ، فاستصغروه فتركوه ، وعدلوا إلى جعفر هذا ، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة ، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دؤاد القاضي ، وهو أول من سلم عليه بالخلافة ، وبايعه الخاصة ، ثم العامة ، وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر بالله إلى صبيحة يوم الجمعة ، فقال أحمد بن أبي دؤاد : قد رأيت أن يلقب أمير المؤمنين بالمتوكل على الله . فاتفقوا على ذلك ، وكتب إلى الآفاق ، وأمر بعطاء الشاكرية من الجند ثمانية شهور ، وللمغاربة أربعة شهور ، ولغيرهم ثلاثة شهور ، واستبشر الناس به .

وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه هارون الواثق كأن شيئا نزل عليه من السماء مكتوب فيه : جعفر المتوكل على الله فعبرها فقيل له : هي الخلافة . فبلغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينا ، ثم أرسله .

وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير مكة شرفها الله .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة