التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الرابع عشر
[ ص: 310 ] ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين

فيها وقعت مفاداة بجماعة من المسلمين الذين كانوا بأيدي الروم على يدي الأمير خاقان الخادم ، وذلك في المحرم من هذه السنة ، وكان عدة الأسارى الذين استنقذوا من أيدي الكفار أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين أسيرا . ولله الحمد والمنة .

وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله وأكرم مثواه ، وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وجده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة في الناس إلى دولة بني العباس ، وكانت له وجاهة ورياسة ، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث ، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي عن المنكر حين كثرت الدعار والشطار في أرجاء بغداد في زمان غيبة المأمون عن بغداد كما قدمنا بسط ذلك ، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد .

وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد [ ص: 311 ] في الخير ، ومن أئمة المسلمين وأهل السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، وكان هارون الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن ، يدعو إليه ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ; اعتمادا على ما كان أبوه المعتصم وعمه المأمون عليه في ذلك من غير دليل ولا برهان ، ولا حجة ولا بيان ، ولا سنة ولا قرآن ، فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله ، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها ، فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد والتف عليه من الألوف أعداد ، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج يدعو أهل الجانب الشرقي ، وطالب يدعو أهل الجانب الغربي .

ولما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والخروج على السلطان لبدعته ، ودعوته إلى القول بخلق القرآن . فتواعدوا على أنه في الليلة الثالثة من شهر شعبان وهي ليلة الجمعة يضرب طبل في الليل ، فيجتمع الناس الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه ، وأنفق طالب وأبو هارون في أصحابه دينارا دينارا ، فكان في جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس ، وكانا يتعاطيان الشراب فلما [ ص: 312 ] كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم ، واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد ، وكان ذلك قبله بليلة ، فقاما يضربان على طبل في الليل ; ليجتمع إليهما الناس ، فلم يجئ أحد وانخرم النظام ، وسمع الحرس في الليل ، فأعلموا نائب السلطنة وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب نائب أخيه إسحاق بن إبراهيم ; لغيبته عن بغداد فأصبح الناس متخبطين ، واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين فأحضرا فعاقبهما ، فأقرا على أحمد بن نصر في الحال فطلبه ، وأخذ خادما له فاستقره ، فأقر بما أقر به الرجلان ، فجمع جماعة من رءوس أصحاب أحمد بن نصر معه ، وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى ، وذلك آخر يوم من شعبان من هذه السنة فأحضر له جماعة من الأعيان ، وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي ، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب ، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الخليفة الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في أمر مبايعة العامة له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأعرض عن ذلك كله ، وقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله . قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله . وكان أحمد بن نصر قد [ ص: 313 ] استقتل ، وحضر وقد تحنط وتنور ، فقال له الواثق : فما تقول في ربك ، أتراه يوم القيامة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد جاء القرآن والأخبار بذلك ، قال الله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [ القيامة : 22 ، 23 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فنحن على الخبر . زاد الخطيب في إيراده : قال الواثق : ويحك ، أيرى كما يرى المحدود المتجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟ أنا أكفر برب هذه صفته .

قلت : وهذا الذي قاله الخليفة الواثق لا يرد ، ولا يلزم ، ولا يرد به مثل هذا الخبر الصحيح . والله أعلم .

ثم قال أحمد بن نصر الخزاعي للواثق : وحدثني سفيان بحديث يرفعه إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله يقلبه وكان النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 314 ] يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقال له إسحاق بن إبراهيم : ويلك ، انظر ما تقول . فقال : أنت أمرتني بذلك . فأشفق إسحاق من ذلك ، وقال : أنا أمرتك بذلك ؟ قال : نعم ، أنت أمرتني أن أنصح له . فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون في هذا ؟ فأكثروا القول فيه ; فقال عبد الرحمن بن إسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك : يا أمير المؤمنين ، هو حلال الدم . وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد : اسقني دمه يا أمير المؤمنين . فقال الواثق : يأتي على ما تريد . وقال القاضي أحمد بن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين ، هو كافر يستتاب ، لعل به عاهة أو نقص عقل . فقال الواثق : إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي ، فإني أحتسب خطاي . ثم نهض إليه بالصمصامة وقد كانت سيفالعمرو بن معدي كرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته ، وكانت صفيحة موصولة في أسفلها ، مسمورة بثلاثة مسامير فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه ، وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط رحمه الله صريعا على النطع ميتا فإنا لله وإنا إليه راجعون .

[ ص: 315 ] ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه ، وحز رأسه ، وحمل معترضا حتى أتي به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها ، وفي رجليه زوج قيود ، وعليه سراويل ، وقميص ، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما ، وفي الجانب الغربي أياما ، وعنده الحرس في الليل والنهار وفي أذنه رقعة مكتوب فيها : هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر ، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ، ونفي التشبيه ، وعرض عليه التوبة ، ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح ، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر ، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه .

ثم أمر الخليفة الواثق بتتبع رءوس أصحابه ، فأخذ منهم نحوا من سبعة وعشرين رجلا ، فأودعوا في السجون وسموا الظلمة ، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد ، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين ، وهذا ظلم عظيم . هذا ملخص ما قاله ابن جرير رحمه الله .

وقد كان أحمد بن نصر هذا - رحمه الله - من أكابر العلماء العاملين وممن كان قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسمع الحديث من حماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، وهشيم بن بشير ، وكانت عنده مصنفاته كلها ، [ ص: 316 ] وسمع من الإمام مالك بن أنس أحاديث جيدة ، ولم يحدث بكثير من حديثه .

وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي ، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ، ويحيى بن معين ، وذكره يوما فترحم عليه ، وقال : قد ختم الله له بالشهادة ، وقد كان لا يحدث ; يقول : لست أهل ذاك . وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه .

وذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال : رحمه الله ، ما كان أسخاه لقد جاد بنفسه لله ، عز وجل .

وقال جعفر بن محمد الصائغ : بصر عيناي وإلا فعميتا ، وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حيث ضربت عنقه ، يقول رأسه : لا إله إلا الله .

وقد سمعه بعض الناس ، ورأسه مصلوب يقرأ على الجذع الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [ العنكبوت : 1 ، 2 ] قال : فاقشعر جلدي . ورآه بعضهم في النوم فقال له : ما فعل بك ربك ؟ [ ص: 317 ] فقال : ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله عز وجل فضحك إلي .

ورأى بعض الناس في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه أبو بكر وعمر وقد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر ، فلما حاذوه أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه ، فقيل له : يا رسول الله ما لك أعرضت عن أحمد بن نصر ؟ فقال : استحياء منه حين قتله رجل من أهل بيتي .

ولم يزل رأس أحمد بن نصر منصوبا ببغداد من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين ومائتين - إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين ، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية ، رحمه الله ، وذلك بأمر المتوكل على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق بالله وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب كتاب " الحيدة " على أمير المؤمنين المتوكل على الله وكان من خيار الخلفاء ; لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة ، بخلاف أخيه الواثق ، وأبيه المعتصم ، وعمه المأمون فإنهم أساءوا إلى أهل السنة ، وقربوا [ ص: 318 ] أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم ، فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ، ويدفنه ففعل ، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا ، كما سيأتي بيانه في موضعه .

والمقصود أن عبد العزيز الكناني قال للمتوكل : يا أمير المؤمنين ، ما رئي أعجب من أمر الواثق ; قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن . فوجد المتوكل من ذلك ، وساءه ما سمع في أخيه الواثق ، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات ، قال له المتوكل : في قلبي من قتل أحمد بن نصر . فقال : يا أمير المؤمنين ، أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا . ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قطعني الله إربا إربا إن قتله الواثق إلا كافرا . ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد ، فقال له مثل ذلك ، فقال : ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا . قال المتوكل : فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار ، وأما هرثمة فإنه هرب وتبدى فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي ، فقال : يا معشر خزاعة ، هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه . فقطعوه إربا إربا ، وأما [ ص: 319 ] ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده يعني بالفالج ضربه الله به قبل موته بأربع سنين ، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا ، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه .

وروى أبو داود في كتاب " المسائل " عن أحمد بن إبراهيم الدورقي ، عن أحمد بن نصر قال : سألت سفيان بن عيينة : " القلوب بين أصبعين من أصابع الله ، وإن الله يضحك ممن يذكره في الأسواق " . فقال : ارووها كما جاءت بلا كيف .

وفي هذه السنة كان الواثق قد عزم على الحج ، واستعد لذلك ، فذكر له أن الماء بالطريق قليل ، فترك الحج عامئذ .

وفيها تولى جعفر بن دينار نيابة اليمن ، فسار إليها في أربعة آلاف فارس .

وفيها عدا قوم من العامة على بيت المال فأخذوا منه شيئا من الذهب والفضة فأخذوا ، وسجنوا .

وفيها ظهر خارجي ببلاد ربيعة ، فقاتله نائب الموصل فكسره ، وانهزم بقية أصحابه .

[ ص: 320 ] وفيها قدم وصيف الخادم بجماعة من الأكراد نحوا من خمسمائة في القيود ، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها ، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين ألف دينار ، وخلع عليه خلعة سنية .

وفي هذه السنة قدم خاقان الخادم من بلاد الروم ، وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم ، وقدم معه جماعة من رءوس أهل الثغور فأمر الواثق بامتحانهم في القول بخلق القرآن ، وأن الله لا يرى في الآخرة ، فأجابوا إلا أربعة ، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بمثل ما أجاب به بقيتهم . وأمر الواثق أيضا بامتحان الأسارى المسلمين الذين فودي عنهم بذلك ، فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودي ، وإلا ترك في أيدي الكفار ، وهذه بدعة صلعاء شنعاء عمياء صماء لا مستند لها من كتاب ولا سنة ولا عقل صحيح ، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها ، كما هو مقرر في موضعه ، وبالله المستعان .

وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له : اللامس . عند سلوقية بالقرب من طرسوس بدل كل مسلم أو مسلمة في أيدي الروم أو ذمي أو ذمية كان تحت عقد المسلمين - أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم ، [ ص: 321 ] فنصبوا جسرين على النهر فإذا أرسل الروم رجلا أو امرأة في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبر وكبر المسلمون . ويرسل المسلمون أسيرا من الروم على جسرهم ، فإذا انتهى إليهم تكلم بكلام يشبه التكبير أيضا ، ولم يزالوا كذلك مدة أربعة أيام ، بدل كل نفس نفس ، ثم بقي مع خاقان جماعة من الروم الأسارى ، فأطلقهم للروم ; ليكون له الفضل عليهم .

قال ابن جرير : في هذه السنة مات الحسن بن الحسين ، أخو طاهر بن الحسين بطبرستان في شهر رمضان . وفيها مات الخطاب بن وجه الفلس ، وفيها مات أبو عبد الله بن الأعرابي الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان ، وهو ابن ثمانين سنة ، وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرضا ، وفيها مات مخارق المغني ، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي ، وعمرو بن أبي عمرو الشيباني ، ومحمد بن سعدان النحوي .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة