التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة

مسألة: الجزء الثالث عشر
[ ص: 614 ] ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة

فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون البيعة بولاية العهد من بعد أخيه محمد ابن زبيدة الأمين ، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج ، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي ، ثم أرسله إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له ، وولاه خراسان وما يتصل بها ، وسماه المأمون .

وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد .

وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح ، فبلغ مدينة أصحاب الكهف .

وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون ، وملكوا عليهم أمه رينى ، وتلقب أغسطة .

وحج بالناس فيها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .

وممن توفي فيها من الأعيان : إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين ، وفيه كلام .

[ ص: 615 ] ومروان بن أبي حفصة ، الشاعر المشهور المشكور ، كان يمدح الخلفاء والبرامكة ومعن بن زائدة ، وكان قد تحصل له من الأموال شيء كثير جدا ، وكان مع ذلك من أبخل الناس ، لا يكاد يأكل اللحم من بخله ، ولا يشعل في بيته سراجا ، ولا يلبس من الثياب إلا الكرباس والفرو الغليظ ، وكان رفيقه سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتي على برذون ، وبدلة سنية تساوي ألف دينار ، والطيب ينفح من ثيابه ، ويأتي مروان في شر حالة وأسوئها .

وخرج يوما إلى المهدي ، فقالت امرأة من أهله : إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا . فقال : إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم . فأعطاه ستين ألفا ، فأعطاها أربعة دوانيق . توفي ببغداد في هذه السنة ، ودفن في مقبرة نصر بن مالك .

والقاضي أبو يوسف وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة ، وهي أمه ، وأبوه بحير بن معاوية ، وسعد هذا له صحبة ، استصغر يوم [ ص: 616 ] أحد ، وأبو يوسف القاضي هذا كان أكبر أصحاب أبي حنيفة ، رحمه الله ، وروى الحديث عن الأعمش ، وهشام بن عروة ، ومحمد بن إسحاق ، ويحيى بن سعيد ، وغيرهم . وعنه محمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين .

قال علي بن الجعد : سمعته يقول : توفي أبي وأنا صغير ، فأسلمتني أمي إلى قصار ، فكنت أمر على حلقة أبي حنيفة ، فأجلس فيها ، فكانت أمي تتبعني ، فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار ، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة ، فلما طال ذلك قالت أمي لأبي حنيفة : إن هذا صبي يتيم ، ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلي ، وإنك قد أفسدته علي . فقال لها : اسكتي يا رعناء ، ها هو ذا يتعلم العلم ، وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق . فقالت له : إنك شيخ قد خرفت . قال أبو يوسف : فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي ، وهو أول من لقب بقاضي القضاة ، وكان يقال له : قاضي قضاة الدنيا . لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة - قال أبو يوسف : فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج وكنت لا أعرفها ، فقال لي : كل من هذا; فإنه لا يصنع لنا كل وقت . فقلت : وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال : هذا الفالوذج . قال : فتبسمت ، فقال : ما لك تتبسم؟ فقلت : لا شيء ، أبقى الله أمير المؤمنين . فقال : لتخبرني : فقصصت عليه القصة من أولها ، فقال : إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة . ثم قال : رحم الله أبا حنيفة ، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه .

[ ص: 617 ] وكان أبو حنيفة يقول عن أبي يوسف : إنه أعلم أصحابه .

وقال المزني : كان أبو يوسف أتبعهم للحديث .

وقال ابن المديني : كان صدوقا . وقال ابن معين : كان ثقة . وقال أبو زرعة : كان سليما من التجهم .

وقال بشار الخفاف : سمعت أبا يوسف يقول : من قال : القرآن مخلوق . فحرام كلامه ، وفرض مباينته .

ومن كلامه الذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله : من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن تتبع غرائب الحديث كذب ، ومن طلب العلم بالكلام تزندق .

ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم ، وبأنه لم تكن الخضراوات في زمن الخلفاء الراشدين . فقال : لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت . وهذا إنصاف .

وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم ، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا ، وكان يحضر مجلسه في أثناء الناس ، فيتناظرون ويتباحثون فيه ، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا .

[ ص: 618 ] وقال : وليت هذا الحكم ، وأرجو الله أن لا يسألني عن جور ولا ميل إلى أحد إلا يوما واحدا; جاءني رجل فذكر أن له بستانا ، وأنه في يد أمير المؤمنين ، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته ، فقال : البستان لي ، اشتراه لي المهدي . فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لأسمع دعواه . فأحضره فادعى بالبستان ، فقلت : ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال : هو بستاني . فقلت للرجل : قد سمعت ما أجاب . فقال الرجل : يحلف . فقلت : أتحلف يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا . فقلت : سأعرض عليك اليمين ثلاثا ، فإن حلفت وإلا حكمت عليك . فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع ، فحكمت بالبستان للمدعي . قال : فكنت في أثناء الخصومة أود أن ننفصل ، ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة . وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل .

وروى المعافى بن زكريا الجريري ، عن محمد ابن أبي الأزهر ، عن حماد ابن أبي إسحاق - الموصلي ، عن أبيه ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف قال : بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش ، إذا رسول الخليفة يطرق الباب ، فخرجت منزعجا فقال : أمير المؤمنين يدعوك . فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى بن جعفر ، فقال لي الرشيد : إن هذا قد طلبت منه جارية يهبنيها ، فلم يفعل ، أو يبيعنيها فلم يفعل ، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته . فقلت لعيسى : لم لم تفعل؟ فقال : إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها . فقال لي الرشيد : فهل له من مخلص؟ فقلت : نعم ، يبيعك نصفها ، ويهبك نصفها . فوهبه النصف ، وباعه النصف بمائة ألف دينار ، فقبل منه ذلك ، [ ص: 619 ] وأحضرت الجارية ، فلما رآها الرشيد قال : هل لي من سبيل عليها الليلة؟ قلت : إنها مملوكة ، ولا بد من استبرائها ، إلا أن تعتقها وتتزوجها ، فإن الحرة لا تستبرأ . قال : فأعتقها وزوجتها منه بعشرين ألف دينار ، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب ، وأرسلت إلي الجارية بعشرة آلاف دينار .

قال يحيى بن معين : كنت عند أبي يوسف ، فجاءته هدية من ثياب دبيقي وطيب وتماثيل ند وغير ذلك ، فذاكرني رجل في إسناد حديث : " من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه " . فقال أبو يوسف : إنما ذاك في الأقط والتمر والزبيب ، ولم تكن الهدايا ما ترون ، يا غلام ، شل إلى الخزائن .

وقال بشر بن غياث المريسي : سمعت أبا يوسف يقول : صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ، ثم انصبت علي الدنيا سبع عشرة سنة ، وما أظن أجلي إلا قد اقترب . فما كان شهور حتى مات .

وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة عن تسع وستين سنة ، وقد مكث في القضاء ست عشرة سنة ، وولي القضاء من بعده ولده يوسف . [ ص: 620 ] وقد كان نائبه على الجانب الغربي من بغداد . ومن زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعي ، فقد أخطأ في ذلك ، فإن الشافعي إنما ورد بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين . وإنما اجتمع بمحمد بن الحسن الشيباني ، فأحسن إليه وأقبل عليه ، ولم يكن بينهما شنآن ، كما قد يذكره بعض من لا خبرة له بهذا الشأن . والله أعلم .

وفيها توفي يعقوب بن داود بن طهمان أبو عبد الله ، مولى عبد الله بن خازم السلمي ، استوزره المهدي ، وسلم إليه أزمة الأمور ، وحظي عنده جدا ، ثم لما أمره بقتل ذلك العلوي فأرسله ، ونمت عليه الجارية ، وتحقق أنه لم يفعل ، سجنه في بئر ، وبنيت عليه قبة ، ونبت عليه شعر كما ينبت شعر الأنعام ، وعمي ، ويقال : عشي بصره ، ومكث نحوا من خمس عشر سنة في ذلك المكان لا يرى شيئا ، ولا يسمع صوتا إلا حين الصلوات يعلم به ، ويدلى إليه في كل يوم رغيف وكوز ماء ، حتى انقضت أيام المهدي وأيام الهادي وصدر من خلافة الرشيد ، قال يعقوب : فأتاني آت في منامي فقال :


عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب     فيأمن خائف ويفك عان
ويأتي أهله النائي الغريب

[ ص: 621 ] فلما أصبحت نوديت فظننت أني أعلم بوقت الصلاة ، ودلي إلي حبل ، وقيل لي : اربط هذا الحبل في وسطك . فأخرجوني ، فلما نظرت إلى الضياء لم أبصر شيئا ، وأوقفت بين يدي الخليفة . فظننته المهدي ، فسلمت عليه أنه المهدي ، فقال : لست به . قلت : فالهادي؟ فقال : لست به . فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد . فقال : نعم . ثم قال : والله إنه لم يشفع فيك عندي أحد ، ولكني البارحة حملت جارية لي صغيرة على عنقي ، فذكرت حملك إياي على عنقك ، فرحمت ما أنت فيه من الضيق ، فأخرجتك . ثم أنعم عليه وأحسن إليه . فغار منه يحيي بن خالد بن برمك ، وخشي أن يعيده إلى المنزلة التي كان فيها أيام المهدي ، وفهم ذلك يعقوب ، فاستأذن الخليفة في الذهاب إلى مكة ، فأذن له ، فكان بها حتى مات في هذه السنة ، رحمه الله .

ويزيد بن زريع أبو معاوية العيشي ، كان ثقة عالما عابدا ورعا ، توفي أبوه وكان والي البصرة ، وترك من المال خمسمائة ألف درهم ، فلم يأخذ منها يزيد درهما واحدا ، وكان يعمل الخوص ، ويأكل منه . وتوفي بالبصرة في هذه السنة ، وقيل قبل ذلك . فالله أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة