التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة

الأحداث التي وقعت فيها
مسألة: الجزء الثالث عشر
[ ص: 580 ] ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة

فيها كان ظهور يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الديلم ، واتبعه خلق كثير وجم غفير ، وقويت شوكته ، وارتحل إليه الناس من الكور والأمصار ، فانزعج لذلك الرشيد ، وقلق من أمره ، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألفا ، وولاه كور الجبل والري وجرجان وطبرستان وقومس والرويان ، وغير ذلك ، فسار الفضل بن يحيى إلى تلك الناحية في أبهة عظيمة ، وكتب الرشيد تلحقه مع البرد في كل منزلة ، وأنواع التحف والبر ، وكاتب الفضل صاحب الديلم ، ووعده بألف ألف درهم إن هو سهل خروج يحيى بن عبد الله إليهم ، وكتب الفضل إلى يحيى بن عبد الله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه ويبسط أمله ، إن هو خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد ، فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده ، فكتب الفضل إلى الرشيد بذلك ، ففرح الرشيد ، ووقع منه موقعا عظيما ، وكتب الأمان بيده ، وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بني هاشم ، منهم عبد الصمد بن علي ، وبعث الأمان ، وأرسل معه جوائز وتحفا كثيرة جدا ، فلما وصلت إلى الفضل بعثها بكمالها إلى يحيى بن عبد الله ، فخرج يحيى بن عبد الله إليهم ، فسار به الفضل ، فدخل به بغداد وتلقاه الرشيد ، وأكرمه وأجزل له العطاء ، وخدمه آل برمك خدمة عظيمة ، بحيث إن يحيى بن خالد كان يتولى [ ص: 581 ] خدمته بنفسه ، وعظم الفضل عند الرشيد جدا بهذه الفعلة; حيث سعى في الإصلاح بين العباسيين والفاطميين .

ففي ذلك يقول مروان ابن أبي حفصة يمدح الفضل بن يحيى ، ويشكره على سعيه هذا :


ظفرت فلا شلت يد برمكية رتقت بها الفتق الذي بين هاشم     على حين أعيا الراتقين التئامه
فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم     فأصبحت قد فازت يداك بخطة
من المجد باق ذكرها في المواسم     وما زال قدح الملك يخرج فائزا
لكم كلما ضمت قداح المساهم

قالوا : ثم إن الرشيد تنكر ليحيى بن عبد الله بن حسن ، وتغير عليه ، ويقال : إنه سجنه ، ثم استحضره الرشيد وعنده القاضيان محمد بن الحسن وأبو البختري ، وعنده جماعات من الهاشميين وغيرهم ، وأحضر الأمان الذي بعث به إليه ، فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن هذا الأمان أصحيح هو؟ قال : نعم ، فتغيظ الرشيد عليه . وقال أبو البختري : ليس هذا بصحيح ، فاحكم فيه بما شئت . ومزق الأمان ، وبصق فيه أبو البختري ، وأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله ، فقال : هيه هيه . وهو يتبسم تبسم المغضب ، وقال إن الناس يزعمون أنا سممناك . فقال له يحيى : يا أمير المؤمنين ، إن لنا قرابة ورحما وحقا ، فعلام تعذبني وتحبسني؟ فرق له الرشيد ، فاعترض بكار بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، فقال يا أمير المؤمنين : لا يغرنك كلام هذا ، فإنه عاص شاق ، وإنما هذا منه مكر وخبث ، وقد أفسد علينا مدينتنا ، وأظهر فيها [ ص: 582 ] العصيان . فقال له يحيى : ومن أنتم عافاكم الله؟ وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي ، وآباء هذا . ثم قال يحيى : يا أمير المؤمنين ، إنما الناس نحن وأنتم ، والله يا أمير المؤمنين ، لقد جاء إلي هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله ، فقال : لعن الله قاتله . وأنشدني فيه مرثية نحوا من عشرين بيتا ، وقال : إن تحركت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك ، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا مع يدك؟ قال : فتغير وجه الزبيري ، وأنكر وشرع يحلف بالأيمان المغلظة : إنه لكاذب في ذلك . وتنمر الرشيد ، وقال ليحيى : أتحفظ شيئا من المرثية؟ قال : نعم . وأنشده منها جانبا . فازداد الزبيري في الإنكار ، فقال له يحيى بن عبد الله : فقل : إن كنت كاذبا فقد برئت من حول الله وقوته ، ووكلني الله إلى حولي وقوتي . فامتنع من الحلف بذلك ، فعزم عليه الرشيد ، وتغيظ عليه ، فحلف بذلك ، فما كان إلا أن خرج من عند الرشيد فرماه الله بالفالج فمات من ساعته . ويقال : إن امرأته غمت وجهه بمخدة ، فقتلته ، فالله أعلم .

ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبد الله بن حسن ، وأطلق له مائة ألف دينار ، ويقال : إنما حبسه بعض يوم . وكان جملة ما وصله من المال من الرشيد أربعمائة ألف دينار من بيت المال ، وعاش بعد ذلك كله شهرا واحدا ، ثم مات ، رحمه الله وأكرم مثواه .

وفي هذه السنة وقعت فتنة عظيمة بالشام بين النزارية - وهم قيس - واليمانية ، وهذا كان أول بدو أمر العشرين بحوران ، وهم قيس ويمن ، أعادوا [ ص: 583 ] ما كانوا عليه في الجاهلية في هذا الأوان ، فقتل منهم بشر كثير ، وكان على نيابة الشام كلها من جهة الرشيد ابن عمه موسى بن عيسى ، وقيل : عبد الصمد بن علي . فالله أعلم .

وكان على نيابة دمشق بخصوصها سندي بن شاهك أحد موالي أبي جعفر المنصور ، وقد هدم سور دمشق حين هاجت هذه الفتنة; خوفا من أن يتغلب عليها أبو الهيذام المري رأس القيسية ، وقد كان سندي هذا دميم الخلق . قال الحافظ : وكان لا يحلف المكاري ولا الملاح ولا الحائك ، يقول : القول قولهم . ويستخير الله في الجمال ومعلم الكتاب . وقد توفي سندي سنة أربع ومائتين .

فلما تفاقم الأمر بعث الرشيد من جهته موسى بن يحيى بن خالد ، ومعه جماعة من القواد ورءوس الكتاب فأصلحوا بين الناس ، وهدأت الفتنة ، واستقام أمر الشام ، وحملوا جماعات من رءوس الفتنة إلى مدينة السلام ، فرد الرشيد أمرهم إلى يحيى بن خالد ، فعفا عنهم وأطلقهم ، وفي ذلك يقول بعض الشعراء :

قد هاجت الشام هيجا     يشيب راس وليده
فصب موسى عليها     بخيله وجنوده
[ ص: 584 ] فدانت الشام لما     أتى نسيج وحيده
هذا الجواد الذي بذ     كل جود بجوده
أعداه جود أبيه     يحيى وجود جدوده
فجاد موسى بن يحيى     بطارف وتليده
ونال موسى ذرى المج     د وهو حشو مهوده
خصصته بمديحي     منثوره وقصيده
من البرامك عود     له فأكرم بعوده
حووا على الشعر طرا     خفيفه ومديده

وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان ، وولاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعي الملقب بالعروس .

وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك نيابة مصر ، فاستناب جعفر عليها عمر بن مهران ، وكان شنيع الشكل ، زري الخلق ، بين الكنبة ، أحول ، وما كان سبب ولاية الرشيد إياه الديار المصرية إلا أن نائبها موسى بن عيسى كان قد عزم على خلع الرشيد ، فقال : والله لأعزلنه ولأولين عليها أخس الناس . فاستدعى عمر بن مهران هذا ، وولاه عليها نيابة عن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ، فسار إليها عمر بن مهران على بغل وغلامه أبو درة على بغل آخر ، فدخلها كذلك ، فانتهى إلى مجلس نائبها موسى بن عيسى ، فجلس في [ ص: 585 ] أخريات الناس ، فلما انفض الناس أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرف من هو ، فقال : ألك حاجة يا شيخ؟ قال : نعم ، أصلح الله الأمير . ثم قام بالكتب ، فدفعها إليه ، فلما قرأها قال : أنت عمر بن مهران؟ قال : نعم . قال : لعن الله فرعون حين قال : أليس لي ملك مصر [ الزخرف : 51 ] . ثم سلم إليه العمل ، وارتحل عنها ، وأقبل عمر بن مهران على عمله ، فكان لا يقبل شيئا من الهدايا إلا ما كان ذهبا أو فضة أو قماشا ، ويكتب على ذلك اسم مهديه ، ثم إنه طالب بالخراج وألح عليهم في ذلك ، فشرع بعضهم في مماطلته ، فأقسم لا يماطله أحد فيقبض منه شيئا ، وإنما يبعثه إلى بغداد ويزن خراجه بها ، ويأتي بورقة القبض ، وفعل ذلك ببعض الناس فتأدب بقيتهم ، ثم جباهم القسط الثاني ، فلما كان الثالث عجز كثير منهم عن الأداء ، فجعل يستحضر ما كانوا أهدوا إليه; فإن كان نقدا أداه عنهم ، وإن كان برا باعه واعتد به عنهم ، وقال : إني إنما ادخرت هذا لكم إلى وقت حاجتكم . ثم أكمل استخراج جميع الخراج بديار مصر ، ولم يفعل ذلك أحد قبله ، ثم انصرف عنها; لأنه كان قد شرط على الرشيد أنه إذا مهد البلاد وجبى الخراج ، فذاك إذنه في الانصراف . ولم يكن معه بالديار المصرية سوى مولاه أبي درة وهو حاجبه ، وهو منفذ أموره .

وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك ، ففتح حصنا .

وحجت زبيدة زوجة الخليفة في هذه السنة ، ومعها أخوها . وكان أمير الحج في هذه السنة سليمان ابن أبي جعفر المنصور عم الرشيد .

[ ص: 586 ]
السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة