التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الثالث عشر
[ ص: 540 ] ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة

في المحرم منها توفي أمير المؤمنين المهدي ابن المنصور العباسي - رحمه الله - بمكان يقال له : ماسبذان . بالحمى ، وقيل : مسموما . وقيل : بعضة فرس ، فمات . كما سيأتي بيانه . وهذه ترجمته :

محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ، أبو عبد الله المهدي ، أمير المؤمنين ، وإنما لقب بالمهدي طمعا أن يكون هو الموعود به في الأحاديث ، فلم يكن به ، وإن اشتركا في الاسم; لأنه لم يشبهه في الفعل ، ذاك يأتي آخر الزمان وعند فساده ، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما . وقد قيل : إن في أيامه ينزل عيسى ابن مريم بدمشق . كما سيأتي ذكر ذلك في أحاديث الفتن والملاحم وذكر المهدي ونزول عيسى ابن مريم إن شاء الله وبه الثقة . وقد جاء في حديث من طريق عثمان بن عفان أن المهدي من بني العباس ، وقد جاء موقوفا على ابن عباس وكعب الأحبار ، ولا يصح [ ص: 541 ] ذلك ، وبتقدير صحة شيء من ذلك لا يلزم أن يكون هذا على التعيين ، وقد ورد في حديث آخر : " المهدي من ولد فاطمة " فهو يعارض هذا . والله أعلم . وأمه أم موسى بنت منصور بن عبد الله الحميري .

روى عن أبيه ، عن جده عن أبيه عبد الله بن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " . رواه عنه يحيى بن حمزة البتلهي قاضي دمشق ، وذكر أنه صلى خلف المهدي حين قدم دمشق فجهر في السورتين بالبسملة ، وأسند ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه غير واحد عن يحيى بن حمزة . وروى المهدي عن المبارك بن فضالة . وروى عنه أيضا جعفر بن سليمان الضبعي ، ومحمد بن عبد الله الرقاشي ، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن مهدي .

وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع - وقيل : سنة إحدى - وعشرين ومائة ، بالحميمة من أرض البلقاء ، واستخلف بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة ، وتوفي في المحرم من هذه السنة ، عن ثلاث أو ثمان وأربعين سنة ، وكانت خلافته عشر [ ص: 542 ] سنين وشهرا وبعض شهر ، وكان أسمر طويلا ، جعد الشعر ، على إحدى عينيه نكتة بيضاء ، فقيل : عينه اليمنى . وقيل : اليسرى .

قال الربيع الحاجب : رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له ، عليه ثياب حسان ، فما أدري هو أحسن أم القمر ، أم بهوه ، أم ثيابه . فقرأ : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم [ محمد : 22 ] . ثم أمرني فأحضرت رجلا من قرابته كان مسجونا ، فأطلقه .

ولما جاءه خبر موت أبيه بمكة ، وهو ببغداد مع منارة البربري مولاه ، في السادس عشر من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة ، وكان ولي العهد من بعد أبيه ، كتم الأمر يومين ، ثم نودي في الناس يوم الخميس : الصلاة جامعة . فقام فيهم خطيبا ، فأعلمهم بموت أبيه ، فقال : إن أمير المؤمنين دعي فأجاب ، وقد قلدت بعده جسيما ، فعند الله أحتسب أمير المؤمنين ، وأستعينه على خلافة المسلمين . وبايعه الناس بالخلافة يومئذ ، وقد عزاه أبو دلامة وهنأه في قصيدته التي يقول فيها :


عيناي واحدة ترى مسرورة بأميرها جذلى وأخرى تذرف     تبكي وتضحك تارة ويسوءها
ما أنكرت ويسرها ما تعرف     فيسوءها موت الخليفة محرما
ويسرها أن قام هذا الأرأف      [ ص: 543 ] ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى
شعرا أرجله وآخر ينتف     هلك الخليفة يالأمة أحمد
وأتاكم من بعده من يخلف     أهدى لهذا الله فضل خلافة
ولذاك جنات النعيم تزخرف

وقد قال المهدي يوما في خطبته : أيها الناس ، أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية ، وتحمدوا العاقبة ، واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم ، وطوى ثوب الإصر عنكم ، وأهال عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله ، مقدما ذلك فعل من تقدمه ، والله لأفنين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم . قال : فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه .

ثم استخرج المهدي حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة ، ففرقها في الناس ، ولم يعط أهله ومواليه منها ، بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال ، لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الأعطيات ، وقد كان أبوه المنصور حريصا على توفير بيت المال ، وإنما كان ينفق في السنة ألفي درهم من مال الشراة ، وأمر المهدي ببناء مسجد الرصافة وعمل خندق وسور حولها ، وبنى مدنا قد ذكرناها فيما تقدم .

وقد ذكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاة خلفه ، فأحضره إليه فتكلم معه ، ثم قال له المهدي في كلام : يا ابن الزانية . فقال : مه مه يا أمير المؤمنين ، فلقد كانت صوامة قوامة . فقال له : يا زنديق لأقتلنك . فضحك [ ص: 544 ] شريك ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن للزنادقة علامات يعرفون بها; شربهم القهوات ، واتخاذهم القينات . فأطرق المهدي ، وخرج شريك من بين يديه .

وذكروا أنه هاجت ريح شديدة في زمن المهدي فدخل المهدي بيتا في داره ، فألزق خده بالتراب ، وقال : اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه الجناية دون الناس فها أنا ذا بين يديك ، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان . فلم يزل كذلك حتى انجلت .

ودخل عليه رجل يوما ومعه نعل ، فقال : هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك . فقال : هاتها . فناوله إياها ، فقبلها ووضعها على عينيه ، وأمر له بعشرة الآف درهم . فلما انصرف الرجل قال المهدي ، والله إني لأعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير هذه النعل ، فضلا عن أن يلبسها ، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس : أعطيته نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها علي . فيصدقه أكثر الناس; لأن العامة تميل إلى أمثالها ، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوي وإن كان ظالما ، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم ، ورأينا هذا أرجح وأنجح .

واشتهر عنه أنه كان يحب الحمام والسباق بينها ، فدخل عليه جماعة من المحدثين ، فيهم غياث بن إبراهيم ، فحدثه بحديث أبي هريرة : " لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر " . وزاد في الحديث : " أو جناح " . فأمر له بعشرة [ ص: 545 ] آلاف . ولما خرج قال : والله إني لأرى قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أمر بالحمام فذبح ، ولم يذكر غياثا بعدها .

وقال الواقدي : دخلت يوما على المهدي ، فحدثته بأحاديث ، فكتبها عني ثم قام فدخل بيوت نسائه ، ثم خرج وهو ممتلئ غيظا ، فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال : دخلت على الخيزران ، فقامت إلي ، ومزقت ثوبي ، وقالت : ما رأيت منك خيرا . وإني والله يا واقدي إنما اشتريتها من نخاس ، وقد نالت عندي ما نالت ، وقد بايعت لولديها بإمرة المؤمنين من بعدي . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام . وقال خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي . وقال خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته . وحدثته في هذا الباب بكل ما حضرني ، فأمر لي بألفي دينار ، فلما وافيت المنزل إذا رسول الخيزران قد لحقني بألفي دينار إلا عشرة دنانير ، وإذا معه أثواب أخر ، وبعثت تتشكر لي وتثني علي معروفا .

وذكروا أن المهدي كان قد أهدر دم رجل من أهل الكوفة وجعل لمن جاء [ ص: 546 ] به مائة ألف ، فدخل الرجل بغداد متنكرا ، فبينما هو يوما في بعض أزقة بغداد إذ لقيه رجل ، فأخذ بمجامع ثوبه ونادى : هذا طلبة أمير المؤمنين . وجعل الرجل يريد أن ينفلت منه فلا يقدر ، فبينا هما كذلك إذا أمير في موكبه قد أقبل وإذا هو معن بن زائدة ، فقال الرجل : يا أبا الوليد ، خائف مستجير . فقال : ويحك! ما لك وله؟ فقال هذا طلبة أمير المؤمنين ، جعل لمن جاء به مائة ألف . قال معن : ويحك! أوما علمت أني قد أجرته؟ أرسله من يدك . ثم أمر بعض غلمانه فترجل وأركبه ، وذهب به إلى منزله ، وانطلق ذلك الرجل إلى باب الخليفة فأنهى إليه الخبر ، فبلغ المهدي . فأرسل إلى معن بن زائدة فدخل عليه ، فسلم فلم يرد المهدي . وقال : يا معن ، أبلغ من أمرك أن تجير علي؟ قال : نعم . قال : ونعم أيضا . قال : نعم ، قد قتلت في دولتكم أربعة آلاف مصل ، أفلا يجار لي رجل واحد؟! فأطرق المهدي ، ثم رفع رأسه إليه وقال : قد أجرنا من أجرت يا معن . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الرجل ضعيف . فأمر له المهدي بثلاثين ألفا . فقال : إن جريمته عظيمة ، وإن جوائز الخلفاء على قدر ذنوب الرعية . فأمر له بمائة ألف ، فحملت بين يدي معن إلى الرجل ، فقال له معن : ادع للخليفة وأصلح نيتك في المستقبل .

وقدم المهدي مرة البصرة ، فخرج ليصلي بالناس ، فجاء أعرابي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مر هؤلاء فلينتظروني حتى أتوضأ . فأمرهم المهدي بانتظاره ، ووقف المهدي في المحراب حتى قيل له : هذا الأعرابي قد جاء ، فكبر ، فتعجب الناس من سماحة أخلاقه .

[ ص: 547 ] وقدم أعرابي ومعه كتاب مختوم ، فجعل يقول : هذا كتاب أمير المؤمنين ، أين الرجل الذي يقال له : الربيع؟ فدلوه على الربيع الحاجب ، فأخذ الكتاب وجاء به إلى أمير المؤمنين ، وأوقف الأعرابي ، وفتح الكتاب ، فإذا هو قطعة أديم ، فيها كتابة ضعيفة ، والأعرابي يزعم أن هذا خط الخليفة ، فتبسم المهدي وقال : صدق الأعرابي هذا خطي ، إني خرجت يوما إلى الصيد ، فضعت من الجيش ، وأقبل الليل ، فتعوذت بتعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع لي نار من بعد ، فقصدتها فإذا هو الشيخ وامرأته في خباء يوقدان نارا ، فسلمت ، فرد السلام ، وفرش لي كساء ، وسقاني من مذقة من لبن مشوب بماء ، فما شربت شيئا إلا وهي أطيب منه ، ونمت نومة على تلك العباءة ما أذكر أني نمت نومة أحلى منها . فقام إلى شويهة له فذبحها ، فسمعت امرأته تقول له : عمدت إلى معيشتك ومعيشة أولادك فذبحتها؟! أهلكت نفسك وعيالك . فما التفت إليها ، واستيقظت من النوم فاشتويت من تلك الشويهة ، وقلت له : أعندك شيء أكتب لك فيه كتابا؟ فأتاني بهذه الرقعة من الأديم فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف ، وإنما أردت خمسين ألفا ، والله لأنفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها . فقبضها الأعرابي ، واستمر مقيما في ذلك الموضع وهو في طريق الحاج من ناحية الأنبار فجعل يقري الناس في ذلك الموضع ، فعرف بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي .

وعن سوار - صاحب رحبة سوار - قال : انصرفت يوما من عند المهدي ، فجئت منزلي فوضع لي الغداء ، فلم تقبل نفسي عليه ، فدخلت خلوتي لأنام [ ص: 548 ] في القائلة ، فلم يأخذني نوم ، فاستدعيت ببعض حظاياي لأتلهى بها ، فلم يقر لي قرار ، فنهضت فخرجت من المنزل ، وركبت بغلتي ، فما جاوزت الدار إلا قليلا حتى لقيني رجل ومعه ألفا درهم ، فقلت : من أين هذه؟ فقال : من ملكك الجديد . فاستصحبته معي ، وسرت في أزقة بغداد أتشاغل مما أنا فيه من الضجر ، فحانت صلاة العصر عند مسجد في بعض الحارات ، فنزلت لأصلي فيه ، فلما قضيت الصلاة إذا برجل أعمى قد أخذ بثيابي فقال : إن لي إليك حاجة . فقلت : ما حاجتك؟ فقال : إني رجل ضرير ، ولكنني لما شممت رائحة طيبك ظننت أنك رجل من أهل النعمة والثروة ، فأحببت أن أفضي بحاجتي إليك . فقلت : وما هي؟ فقال : إن هذا القصر الذي تجاه المسجد كان لأبي ، فسافر منه إلى خراسان ، وباعه وأخذني معه وأنا صغير ، فافترقنا هناك ، وأصابني الضرر ، فرجعنا إلى بغداد ، فجئت إلى صاحب هذا القصر أطلب منه شيئا أتبلغ به لعلي أجتمع بسوار ، فإنه كان صاحبا لأبي ، فلعله أن يكون عنده سعة يجود منها علي . فقلت : ومن أبوك؟ فذكر رجلا كان أصحب الناس إلي ، فقلت : إني أنا سوار صاحب أبيك ، وقد منعني الله في يومك هذا النوم والقرار والأكل والراحة ، حتى أخرجني من منزلي لأجتمع بك ، وأجلس بين يديك ، وأمرت وكيلي ، فدفع إليه الألفين التي كانت معه ، وقلت : إذا كان الغد فأت منزلي في مكان كذا وكذا . وركبت فجئت دار الخلافة وقلت : ما أتحف المهدي الليلة في السمر بأغرب من هذا . فلما قصصت عليه [ ص: 549 ] القصة تعجب من ذلك جدا ، وأمر للأعمى بألفي دينار ، وقال لي : عليك دين؟ قلت : نعم . قال : كم؟ قلت : خمسون ألف دينار . فسكت وحادثني ساعة ، فلما قمت من بين يديه ، فوصلت المنزل إذا الحمالون قد سبقوني إلى المنزل بخمسين ألف دينار وألفي دينار للأعمى ، فانتظرت الأعمى أن يجيء في ذلك اليوم ، فتأخر ، فلما أمسيت جلست إلى المهدي فقال : قد فكرت في أمرك ، فوجدتك إذا قضيت دينك لم يبق معك شيء ، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى . فلما كان اليوم الثالث جاءني المكفوف فقلت : قد رزق الله بسببك خيرا كثيرا ، ودفعت إليه الألفي دينار التي من عند الخليفة ، وزدته ألفي دينار من مالي أيضا .

ووقفت امرأة للمهدي فقالت : يا عصبة رسول الله ، اقض حاجتي . فقال المهدي : ما سمعتها من غيرها ، اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم .

ودخل ابن الخياط على المهدي ، وامتدحه فأمر له بخمسين ألف درهم ، ففرقها ابن الخياط ، وأنشأ يقول :


أخذت بكفي كفه أبتغي الغنى     ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى     أفدت وأعداني فبددت ما عندي

قال : فنمى ذلك إلى المهدي ، فأعطاه بدل كل درهم دينارا .

وبالجملة فله مآثر ومحاسن كثيرة ، وقد كانت وفاته بماسبذان ، [ ص: 550 ] كان قد خرج إليها ليبعث إلى ابنه الهادي ليحضر إليه من جرجان حتى يخلعه من ولاية العهد ، ويجعله بعد هارون الرشيد ، فامتنع الهادي من ذلك ، فركب المهدي من بغداد قاصدا إحضاره ، فلما كان بماسبذان مات بها على ما سنذكره .

وكان قد رأى في النوم وهو بقصره ببغداد - وأظنه المسمى بقصر السلامة - كأن شيخا وقف بباب القصر ، ويقال : إنه سمع هاتفا يقول :


كأني بهذا القصر قد باد آهله     وأوحش منه أهله ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة     وملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلا ذكره وحديثه     ينادي بليل معولات حلائله

فما عاش بعدها إلا عشرا حتى توفي ، رحمه الله وسامحه وأدخله الجنة برحمته .

ويروى أنه لما قال له الهاتف :


كأني بهذا القصر قد باد آهله     وقد درست أعلامه ومنازله

فأجابه المهدي :


كذاك أمور الناس يبلى جديدها     وكل فتى يوما ستبلى فعائله

[ ص: 551 ] فقال الهاتف :


تزود من الدنيا فإنك ميت     وإنك مسئول فما أنت قائله

فأجابه المهدي :


أقول بأن الله حق شهدته     فذلك قول ليس تحصى فضائله

فقال الهاتف


تزود من الدنيا فإنك راحل     وقد أزف الأمر الذي بك نازله

فأجابه المهدي :


متى ذاك خبرني هديت فإنني     سأفعل ما قد قلت لي وأعاجله

فقال الهاتف :


تلبث ثلاثا بعد عشرين ليلة     إلى منتهى شهر وما أنت كامله

قالوا : فلم يعش بعدها إلا تسعا وعشرين يوما حتى مات ، رحمه الله تعالى .

وقد ذكر ابن جرير اختلافا في سبب موته ، فقيل : إنه ساق خلف ظبي والكلاب بين يديه ، فدخل الظبي إلى خربة ، فدخلت الكلاب وراءه ، وجاء الفرس ، فحمل به في مشواره ، فدخل الخربة ، فكسر ظهر الخليفة فكان ذلك سبب وفاته . وقيل : إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنا مسموما ، فمر الرسول بالمهدي ، فأكل منه فمات . وقيل : بل بعثت إليها بصينية فيها كمثرى ، وفي [ ص: 552 ] أعلاها واحدة كبيرة فيها سم ، وكان المهدي يعجبه الكمثرى ، فمرت الجارية تحمل تلك الصينية فرآها فاستدعاها ، فأخذ التي في أعلاها ، فأكلها فمات من ساعته ، فجعلت الحظية تندبه ، وتقول : واأمير المؤمنيناه ، أردت أن تكون لي وحدي ، فقتلتك .

وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة - أعني سنة تسع وستين ومائة - وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكسورا ، وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة قد أورد منها الحافظ ابن عساكر طرفا وكذلك أبو جعفر ابن جرير ، رحمهما الله .

وفيها توفي عبيد الله بن إياد ، ونافع بن عمر الجمحي ، ونافع بن أبي نعيم القارئ .

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة