شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 50 ] 1 - كتاب الإيمان

" الفصل الأول "

2 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام . قال : " الإسلام : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " . قال : صدقت . فعجبنا له يسأله ، ويصدقه ! قال : فأخبرني عن الإيمان . قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ، قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان . قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال : فأخبرني عن الساعة قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : " أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان . قال : ثم انطلق ، فلبثت مليا ، ثم قال لي : " يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " رواه مسلم .

الحاشية رقم: 1
1 كتاب الإيمان

الكتاب إما مأخوذ من الكتب بمعنى الجمع ، أو الكتابة ، والمعنى هذا مجموع ، أو مكتوب في الأحاديث الواردة في الإيمان ، وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضا ؛ لأنهما بمعنى واحد في الشرع ، وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل ، وعليه مدار الفصل ، وقدمه لزيادة شرفه في الفضل ، ولكونه شرطا لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات ، وهو التصديق الذي معه أمن ، وطمأنينة لغة ، وفي الشرع تصديق القلب مما جاء من عند الرب ، فكأن المؤمن يجعل به نفسه آمنة من العذاب في الدارين ، أو من التكذيب ، والمخالفة ، وهو إفعال من الأمن يقال : أمنت وآمنت غيري ، ثم يقال آمنه إذا صدقه ، وقيل : معنى أمنت صرت ذا أمن ثم نقل إلى التصديق ، ويعدى باللام نحو : ( وما أنت بمؤمن لنا ) وقال فرعون : ( آمنتم له ) وقد يضمن معنى اعترف فيعدى بالباء نحو : ( يؤمنون بالغيب ) واختلف العلماء فيه على أقوال أولها : عليه الأكثرون ، والأشعري ، والمحققون أنه مجرد تصديق النبي - عليه الصلاة والسلام - فيما علم مجيئه بالضرورة تفصيلا في الأمور التفصيلية ، وإجمالا في الإجمالية تصديقا جازما ، ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد ، فهو صحيح على الأصح ، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه ، والحاصل أن من اعتقد أركان الدين من التوحيد ، والنبوة ، ونحو الصلاة فإن جوز ورود شبهة تفسد اعتقاده ، فهو كافر ، وإن لم يجوز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة ، والأكثرين ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية كذا ذكره ابن حجر ، لكن في كونه فاسقا بتركه النظر نظر ظاهر فتدبر ، ثم فهم من قيد مجرد التصديق أنه لا يعتبر معه أعمال الجوارح ، ومن الضرورة أن ما ليس كذلك ككونه تعالى عالما بذاته ، أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات ، أو مرئيا لا يكفر منكره إجماعا ، ومن الجزم أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإيمان .

وثانيها : أنه عمل القلب ، واللسان معا فقيل : الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان فيما بين العبد ، وربه . قال حافظ الدين النسفي : وهذا هو المروي عن أبي حنيفة ، وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي ، والأشعري في أصح الروايتين عنه ، وقيل : هو ركن لكنه غير أصلي بل زائد ، ومن ثم يسقط عند الإكراه ، والعجز ، ولهذا من صدق ومات فجأة على الفور فإنه مؤمن إجماعا .

قال بعضهم : والأول مذهب المتكلمين ، والثاني مذهب الفقهاء ، والحق أنه ركن عند المطالبة به ، وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة ، ويدل عليه قوله تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ) الآية . حيث أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب ، والله أعلم بالمطالب . وبهذا يلتئم القولان . والخلافان لفظيان ، وأما ما نقل عن الغزالي من أن الامتناع عن النطق كالمعاصي التي تجامع الإيمان ، فهو بظاهره خلاف الإجماع ، فيحمل على الامتناع عند عدم المطالبة ، غاية ما في الباب أنه جعل الإقرار من الواجبات لا شرطا ، ولا شطرا . وثالثها : أنه فعل القلب ، واللسان مع سائر الأركان ، ونقل عن أصحاب الحديث ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وعن المعتزلة ، والخوارج ، لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة بين الإيمان ، والكفر بمعنى أنه لا يقال له مؤمن ، ولا كافر ، بل يقال له فاسق مخلد في النار ، والخوارج على أنه كافر ، وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة لقوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) قالوا : ولا تظهر المغايرة بين قول أصحاب الحديث ، وبين سائر أهل السنة لأن امتثال الأوامر ، واجتناب الزواجر من كمال الإيمان اتفاقا لا من ماهيته فالنزاع لفظي لا على حقيقته ، وكذلك اختلافهم في نقصان الإيمان ، وزيادته ، وكذا اقتران الإيمان بالمشيئة ، وكذا الاختلاف في أن الإيمان مخلوق ، أو غير مخلوق ، وكذا التفضيل بين الملك ، والبشر ، ومحل بسط هذا المرام كتب الكلام .


الحـــواشي 1  2  3  4  
السابق

|

| من 197

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة