شروح الحديث

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك

محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري

مكتبة الثقافة الدينية

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة أجزاء

الكتب » موطأ مالك » كتاب صلاة الليل » باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر

مسألة:
وحدثني عن مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس أن عبد الله بن عباس أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته قال فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليلاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه فأحسن وضوءه ثم قام يصلي قال ابن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح
الحاشية رقم: 1
267 264 - ( مالك عن مخرمة ) بإسكان الخاء وفتح غيرها ( ابن سليمان ) الأسدي الوالبي بكسر اللام والموحدة المدني ، روى عن ابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر وعدة ، وعنه جماعة وثقه ابن معين وغيره قال الواقدي : قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة ( عن كريب ) بضم الكاف وفتح الراء ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني يكنى بأبي رشدين ( مولى ابن عباس ) عن مولاه وابن عمر وزيد بن ثابت وأسامة وعائشة وميمونة وأم سلمة ، وعنه ابناه رشدين ومحمد وبكير بن الأشج ومكحول وموسى بن عقبة وآخرون ، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي واحتج به الجماعة مات سنة ثمان وتسعين .

( أن عبد الله بن عباس ) الحبر واسع العلم فقها وحديثا وعربية وأنسابا وشعرا وتفسيرا روى الطبراني عنه : " دعاني - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم ترجمان القرآن أنت دعاك جبريل مرتين " .

وعنه : " وضع - صلى الله عليه وسلم - يده على كتفي أو منكبي ثم قال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " رواه أحمد والطبراني برجال الصحيح .

وعنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده على صدره فوجد بردها [ ص: 435 ] في صدره ثم قال : " اللهم احش جوفه علما وحلما " .

وعنه : " ضمني - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره وقال : " اللهم علمه الحكمة " وفي رواية : " الكتاب " رواهما البخاري .

( أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي خالته ) زاد شريك بن أبي نمر عن كريب عند مسلم : " فرقبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يصلي " زاد أبو عوانة من هذا الوجه : " بالليل " .

ولمسلم من طريق عطاء عن ابن عباس قال : بعثني العباس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، زاد النسائي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كريب في إبل أعطاه إياها من الصدقة أي صدقة التطوع أو ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحل له أخذ ذلك وإلا فالعباس هاشمي لا يعطى صدقة الفرض .

ولأبي عوانة عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن العباس بعثه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة قال : فوجدته جالسا في المسجد فلم أستطع أن أكلمه ، فلما صلى المغرب قام فركع حتى أذن المؤذنون بصلاة العشاء ، ولابن خزيمة عن طلحة بن نافع عنه : كان - صلى الله عليه وسلم - وعد العباس ذودا من الإبل فبعثني إليه بعد العشاء وكان في بيت ميمونة .

وهذا يخالف ما قبله ويجمع بأنه لما لم يكلمه في المسجد عاد إليه بعد العشاء .

وفيه جواز تقاضي الوعد وإن كان من وعد به مقطوعا بوفائه .

ولمحمد بن نصر من طريق محمد بن الوليد عن كريب فقال لي : يا بني بت الليلة عندنا .

وفي رواية حبيب المذكورة : فقلت لا أنام حتى أنظر إلى ما يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي في صلاة الليل .

ولمسلم عن الضحاك بن عثمان فقلت لميمونة إذا قام - صلى الله عليه وسلم - فأيقظيني .

فكأنه عزم في نفسه على السهر ليطلع على الكيفية التي أرادها ثم خشي أن يغلبه النوم فوصى ميمونة أن توقظه .

وفيه فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعليم أمر الدين وحسن تأنيه في ذلك .

( قال : فاضطجعت ) أي وضعت جنبي بالأرض ( في عرض ) بفتح العين على المشهور وبضمها أيضا وأنكره الباجي نقلا ومعنى قال : لأن العرض هو الجانب وهو لفظ مشترك ، ورده العسقلاني بأنه لما قال في طولها تعين المراد وقد صحت به الرواية فلا وجه للإنكار .

( الوسادة ) ما يوضع عليه الرأس للنوم ولمحمد بن نصر وسادة من أدم حشوها ليف .

( واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله في طولها ) أي الوسادة .

قال ابن عبد البر : كان ابن عباس - والله أعلم - مضطجعا عند أرجلهما أو عند رأسهما .

وقال الباجي : هذا ليس بالبين لأنه لو كان كذلك لقال توسدت عرضها .

وقوله : " فاضطجعت في عرض " يقتضي أن العرض محل لاضطجاعه .

وفي رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة : ثم دخل مع امرأته في فراشها وكانت ليلتئذ حائضا ، وفيه مبيت الصغير عند محرمه وإن كان زوجها عندها والاضطجاع مع الحائض وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير وإن كان مميزا بل مراهقا .

وللبخاري في التفسير ومسلم من رواية [ ص: 436 ] شريك عن كريب : فتحدث - صلى الله عليه وسلم - مع أهله ساعة .

ولأبي زرعة الرازي في العلل عن ابن عباس : " أتيت خالتي ميمونة فقلت : إني أريد أن أبيت عندكم ، فقالت : كيف تبيت وإنما الفراش واحد ؟ فقلت لا حاجة لي بفراشكم أفرش نصف إزاري ، وأما الوسادة فإني أضع رأسي مع رأسكما من وراء الوسادة ، فجاء - صلى الله عليه وسلم - فحدثته ميمونة بما قلت فقال : " هذا شيخ قريش " ، ( فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ) قال ابن عبد البر : فيه التحري في الألفاظ وفي المعاني .

وللبخاري عن القعنبي عن مالك : حتى انتصف الليل أو قريبا منه .

وله عن شريك عن كريب الجزم بثلث الليل الأخير .

قال الحافظ : ويجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرتين في الأولى نظر إلى السماء ثم تلا الآيات ثم عاد لمضجعه فنام .

وفي الثالثة أعاد ذلك ثم توضأ وصلى .

وبين ذلك محمد بن الوليد في روايته المذكورة ، وفي رواية الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب في الصحيحين فقام من الليل فأتى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام ثم قام فأتى القربة ، الحديث .

وفي رواية سعيد بن مسروق عن سلمة عند مسلم : ثم قام قومة أخرى .

وعنده من رواية شعبة عن سلمة فبال بدل فأتى حاجته .

( استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إن جعلت إذا ظرفية فقبله ظرف لاستيقظ أي استيقظ وقت الانتصاف أو قبله وإن جعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدر ، واستيقظ جواب الشرط أي حتى إذا انتصف الليل أو كان قبله أو بعده استيقظ ( فجلس ) حال كونه ( يمسح النوم عن وجهه ) قال الباجي : يحتمل أنه أراد إزالة النوم وأنه أراد إزالة الكسل بمسح الوجه ( بيده ) بالإفراد أي يمسح بيده عينيه من إطلاق اسم الحال على المحل ; لأن المسح إنما يقع على العين والنوم لا يمسح ، أو المراد يمسح أثر النوم من إطلاق السبب على المسبب ، قاله الحافظ : وتعقب بأن أثر النوم من النوم لأنه نفسه ورد بأن الأثر غير المؤثر ، فالمراد هنا ارتخاء الجفون من النوم ونحوه .

( ثم قرأ ) - صلى الله عليه وسلم - ( العشر الآيات ) من إضافة الصفة للموصوف ، واللام تدخل في العدد المضاف نحو الثلاثة الأثواب ( الخواتم ) بالنصب صفة العشر ( من سورة آل عمران ) أولها : إن في خلق السماوات والأرض ( سورة آل عمران الآية 190 ) إلى آخر السورة .

قال الباجي : يحتمل أن ذلك ليبتدئ يقظته بذكر الله كما ختمها بذكره عند نومه .

ويحتمل أن ذلك ليتذكر ما ندب إليه من العبادة وما وعد على ذلك من الثواب ، فإن هذه الآيات جامعة لكثير من ذلك ليكون تنشيطا له على العبادة .

قال ابن عبد البر : فيه قراءة القرآن على غير وضوء ولا خلاف فيه .

وقد قال علي : " كان - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 437 ] لا يحجزه عن قراءة القرآن إلا الجنابة " وعليه جمهور العلماء ، وشذ قوم فأجازوا قراءته للجنب وهم محجوبون بالسنة .

وقال ابن بطال : فيه دليل على من كره قراءة القرآن على غير طهارة لأنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ ، وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك مفرع على أن نومه ناقض وليس كذلك لقوله : " إن عيني تنامان ولا ينام قلبي " وأما وضوءه عقبه فلعله تجديد أو أحدث بعد ذلك فتوضأ ، قال الحافظ : وهو تعقب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم لأنه لم يتعين أنه أحدث في النوم ، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهرا في أنه أحدث ، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم ، نعم خصوصيته أنه إن وقع شعر به بخلاف غيره ، وما ادعوه من التجديد وغيره الأصل عدمه ، وقد سبق الإسماعيلي إلى معنى ما ذكر ابن المنير .

( ثم قام إلى شن معلق ) بفتح الشين المعجمة وشد النون قربة خلقة من أدم ، وذكر الوصف باعتبار لفظه أو الأدم أو الجلد أو السقاء أو الوعاء .

وفي رواية للبخاري من هذا الوجه معلقة بتأنيث الوصف لإرادة القربة ( فتوضأ منه ) أي الشن ، وللبخاري منها أي القربة ، ولمحمد بن نصر من طريق محمد بن الوليد عن كريب : " ثم استفرغ من الشن في إناء ثم توضأ " وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل لأن الإناء المذكور كان قصعة أو صحفة .

( فأحسن وضوءه ) أي أتمه بأن أتى بمندوباته ، ولابن خزيمة ومحمد بن نصر : فأسبغ الوضوء .

وللبخاري من رواية عمرو بن دينار عن كريب : فتوضأ وضوءا خفيفا .

ويجمع بينهما برواية الثوري في الصحيحين : فتوضأ وضوءا بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ .

ولمسلم : فأسبغ الوضوء ولم يمس من الماء إلا قليلا وزاد فيها : فتسوك .

( ثم قام يصلي ) ولمحمد بن نصر : " ثم أخذ بردا له حضرميا فتوشحه ثم دخل البيت فقام يصلي " ( قال ابن عباس : فقمت فصنعت مثل ما صنع ) يقتضي أنه صنع جميع ما ذكر من القول والنظر والوضوء والسواك والتوشح ، ويحتمل أن يحمل على الأغلب ، إذ لا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة ، وزاد سلمة عن كريب في الدعوات من البخاري في أول الحديث : " فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أرقبه " وكأنه خشي أن يترك بعض عمله لما جرى من عادته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يفرض على أمته ( ثم ذهبت فقمت إلى جنبه ) أي الأيسر وظاهره المساواة ( فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده اليمنى على رأسي ) قال ابن عبد البر : يعني أنه أداره فجعله عن يمينه ، وهذا ذكره أكثر الرواة في هذا الحديث ولم يذكره مالك وفي مسلم : " فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه " [ ص: 438 ] ( وأخذ بأذني ) بضم الهمزة والمعجمة ( اليمنى ) حال كونه ( يفتلها ) أي يدلكها زاد محمد بن نصر : " فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل " .

ولمسلم : " فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني " وفي هذا رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان حال إدارته له من اليسار إلى اليمين متمسكا برواية للبخاري في التفسير بلفظ : " فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه " لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكر من تأنيسه وإيقاظه لأن حاله يقتضي ذلك لصغر سنه ، وفيه جواز فتل أذن الصغير وإيقاظه ، وقد قيل : إن المتعلم إذا تعوهد فتل أذنه كان أدعى لفهمه ، وفيه أن قليل العمل في الصلاة لا يفسدها .

( فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ) ذكرها ست مرات فالجملة ثنتا عشرة ركعة ، وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين وبه صرح في رواية طلحة بن نافع عن ابن عباس عند ابن خزيمة قال : يسلم من كل ركعتين .

ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريح بالفصل أيضا وأنه استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك ( ثم أوتر ) بواحدة ، وللبخاري : فتنامت ، ولمسلم : فتكاملت صلاته ثلاث عشرة ركعة وللبخاري أيضا من وجه آخر عن كريب : فصلى ثلاث عشرة ركعة ( ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن ) بلال كما في رواية للبخاري ، وله في أخرى : ثم اضطجع فنام حتى نفخ ثم قام ( فصلى ركعتين خفيفتين ) الفجر قبل الصبح ( ثم خرج ) من الحجرة إلى المسجد ( فصلى الصبح ) بالجماعة ، واتفق أكثر أصحاب كريب على أنه صلى ثلاث عشرة ركعة وركعتي الفجر .

وفي رواية شريك عنه عند البخاري : فصلى إحدى عشرة ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فخالف شريك الأكثر ، وروايتهم مقدمة على روايته لما معهم من الزيادة ولكونهم أحفظ منه ، وحمل بعضهم الزيادة على الركعتين بعد العشاء وبعده لا يخفى لا سيما مع رواية حديث الباب ، وحمله على أنه أخرهما حتى استيقظ يعكر عليه رواية المنهال الآتية قريبا واختلف على سعيد بن جبير أيضا ، فللبخاري في التفسير من طريق الحكم عنه : " فصلى أربع ركعات ثم نام ثم صلى خمس ركعات " وحمل محمد بن نصر هذه الأربعة على سنة العشاء لوقوعها قبل النوم يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو عن علي بن عبد الله بن عباس بلفظ : " فصلى العشاء ثم صلى أربع ركعات بعدها حتى لم يبق في المسجد غيره ثم انصرف " فإنه يقتضي أنه صلى الأربع في المسجد لا في البيت .

ورواية ابن جبير أيضا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم وفيه نظر ، وظهر لي من رواية أخرى ما يرفع الإشكال ، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها [ ص: 439 ] تقصير فعند النسائي من طريق يحيى بن عباد عن سعيد بن جبير : " فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن " فبهذا يجمع بين روايتي سعيد وكريب ، وأما ما فيهما من الفصل والوصل فرواية سعيد صريحة في الوصل ورواية كريب محتملة فتحمل على رواية سعيد .

وقوله في رواية طلحة بن نافع : " يسلم من كل ركعتين " يحتمل تخصيصه بالثمان فيوافق رواية سعيد ويوافقه رواية يحيى الجزار الآتية ، ولم أر في شيء من طريق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك ; لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددا ، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة ولم ينقص عن إحدى عشرة ، إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم ما يخالفهم فإن فيه : فصلى ركعتين أطال فيهما ثم انصرف فنام حتى نفخ ففعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات يعني آخر آل عمران ، ثم أوتر فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة ، فزاد على الرواة تكرار الوضوء وما معه ونقص عنهم ركعتين أو أربعا ولم يذكر ركعتي الفجر أيضا ، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت فإن فيه مقالا ، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه ، ويحتمل أنه لم يذكر الأربع كما لم يذكر الحكم الثمان كما تقدم .

وأما الفجر فقد ثبت ذكره في طريق أخرى عن علي بن عبد الله عند أبي داود ، والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن اتحادها فينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها ، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم ولا سيما إن زاد أو نقص والمحقق من عدد صلاته تلك الليلة إحدى عشرة .

وأما رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن تكون سنة العشاء ، ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس عند البخاري : " كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة " يعني بالليل ولم يبين هل سنة الفجر منها أو لا ، وبينها يحيى الجزار عن ابن عباس عند النسائي بلفظ : " كان يصلي ثمان ركعات ويوتر ركعتين قبل صلاة الصبح " ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق حديث الباب ، فيمكن حمل قوله صلى ركعتين ثم ركعتين أي قبل أن ينام ويكون منها سنة العشاء .

وقوله : ثم ركعتين . . . . . إلخ ، أي بعد أن قام .

وجمع الكرماني بين مختلف روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به وفصله عما لم يقتد به فيه ، وبعضهم ذكر الجميع مجملا ، كذا في فتح الباري ، ولا يخفى ما في جمعه هو من التكلف البعيد ، والله أعلم .

والحديث أخرجه البخاري عن إسماعيل وعن القعنبي وقتيبة والتنيسي ومن طريق معن وعبد الرحمن بن مهدي ومسلم عن يحيى السبعة عن مالك به .

السابق

|

| من 5

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة